جمانة فرحات–يشعر قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) بخطورة المرحلة التي تمرّ بها مليشياته في ظل تقدم قوات الجيش السوداني والمجموعات المساندة له في أكثر من منطقة. ويدرك أن سبحة الهزائم إذا ما كرّت ستكون لها تداعيات عسكرية وسياسية أيضاً خصوصاً في ظل الحراك الأميركي على خط الأزمة السودانية، ومَيْل إدارة دونالد ترامب نحو مبادرات تراعي الأقوى وليس الحل الأمثل. ولذلك لم يكن مستغرباً أن ينتشر منذ مساء الاثنين خطاب لحميدتي يحاول فيه شدّ أزر قواته قبل أن يعطيهم “أمر اليوم” الذي يحمل في طياته ما يكفي من الخطورة والتمهيد على الأرجح لمجازر جديدة تعد قواته أكثر من يمتهنها في الحرب السودانية الراهنة.طالب حميدتي مباشرةً عناصرَه بعدم التصوير. الذريعة التي استخدمها هي عدم إعطاء العدو معلومات استخباراتية مجانية، قبل أن يطالبهم بخوض المعارك على قاعدة تكون أو لا تكون، مبشراً إياهم بأنّ “الرسن في أيديهم وليس في يديه” ويبرر ذلك بـ”ما يفعله الآخرون” من دون أن ينسى تذكيرهم بضرورة احترام القوانين وحماية المدنيين.تتبُّع أداء مليشيات حميدتي في هذه الحرب لا يترك مجالاً للشك بأنّ أمر العمليات الذي أعطاه سواء بعدم التصوير أو إعلانه “فك الرسن” هو عملياً يعني إطلاق يدهم لفعل ما يشاؤون لقلب المعادلة الميدانية. و”ما يشاؤون” في قاموس الحرب السودانية الراهنة، أو ما سبقها من حروب أهلية، يترجم بالقتل العشوائي والتطهير الإثني والنهب والاغتصاب، أي كل ما يمتّ بصلة لجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. وهو ما وثقته منظمات حقوقية وتقارير أممية على مدى السنوات الماضية.على الأغلب ستكون الأيام المقبلة في السودان خطيرة ليس عسكرياً فحسب بفعل احتدام المعارك، بل إنسانياً أيضاً، إذ يتوقع أن تحاول مليشيات حميدتي تدفيع المدنيين الثمن. في شهر يونيو/حزيران الماضي صدرت عشرات النداءات الغربية المشتركة لمحاولة حماية المدنيين في الأبيض مع اشتداد حصار “الدعم السريع” لها واقتراب المعركة الفاصلة داخلها. يومها استخدم حميدتي ذراعه السياسية، أي حكومة تحالف “تأسيس” غير المعترف بها دولياً، لامتصاص الضغوط بالإعلان عن الموافقة على فتح ممرات إنسانية آمنة للمدنيين وتسهيل وصول المساعدات. وساهم تبدّل الأوضاع الميدانية في تخفيف الضغط عن المدينة في الأيام الأخيرة.لكن استمرار الوضع على نفس المسار لا يمكن أن يكون مضموناً. ولذلك قد يكون المطلوب اليوم، عودة التحركات الاستباقية لاحتواء نزعة الانتقام التي تخطط لها المليشيات ولا سيّما أن المدنيين هم من سيدفعون ثمنهاً أولاً، وذلك يمكن أن يتحقّق عبر أكثر من مسار. أولاً تمتلك العديد من الدول قنوات اتصال مع حميدتي وحكومته رغم عدم الاعتراف بها. ثانياً، حلفاء حميدتي في الإقليم يمتلكون ما يكفي من التأثير عليه، وهم الذين يمدونه بالدعم العسكري والسياسي. لا يفترض التأخر في استخدام كل وسيلة ضغط متاحة اليوم. أمّا انتظار وقوع الفاجعة ثم إغداق بيانات التنديد وتقارير الرصد والتوثيق، فلن يساهم إلّا في إضافة الآلاف من السودانيين إلى قائمة ضحايا هذه الحرب.صحافية لبنانية. سكرتيرة تحرير الصحيفة الورقية في “العربي الجديد”.The post لماذا يثير خطاب حميدتي الفزع؟ appeared first on صحيفة مداميك.