قم يا صاحب الخرطوم… فرِّق بين الظالم والمظلوم

Wait 5 sec.

مزمل عليم موزارتبدأت بعض الحكايات بسطر واحد أو عبارة يتيمة، ثم تتحوّل مع مرور الزمن إلى لغز يتعاظم كلما حاول الناس فكّ شفراته. فلا أحد يعرف على وجه اليقين من كتبها، أو متى كُتبت، أو حتى ما إذا كانت تنتمي إلى مخطوطة حقيقية أم إلى رواية صنعتها المصادفات. ومع ذلك، تعود هذه العبارات إلى الواجهة كلما اشتدت الأزمات، وكأنها تنتظر اللحظة المناسبة لتستعيد حضورها في الذاكرة الجمعية.ومن بين أكثر العبارات إثارةً للجدل في السودان ذلك النداء الغامض: “قم يا صاحب الخرطوم… فرِّق بين الظالم والمظلوم”.عبارة قصيرة، لكنها مثقلة بالأسئلة أكثر من الإجابات، وظلت على مدى سنوات مادة خصبة للتأويل، قبل أن تعود بقوة إلى منصات التواصل الاجتماعي بالتزامن مع الحرب التي يشهدها السودان منذ إبريل/نيسان 2023.تعود بداية الحكاية إلى عام 2013، عندما نُشرت عبر إحدى المنصات السودانية صورة قيل إنها صفحة من مخطوطة مجهولة المصدر، وربما صفحة من كتاب يرتبط بما يُعرف بعلم الجفر. وذكر كاتب سوداني، بحسب روايته، أنه عثر عليها ضمن مقتنيات مكتبة في إحدى الجامعات الخليجية، لكنه لم يحدد اسم الدولة أو الجامعة، الأمر الذي زاد القصة غموضاً.وكانت المعلومتان الوحيدتان المصاحبتان للمخطوطة أنها مجهولة المؤلف، ولا يُعرف تاريخ كتابتها. ومنذ ذلك الحين، أخذت تظهر بين الحين والآخر في النقاشات السياسية، قبل أن تعود بقوة مع تطورات الحرب الحالية.ويُلاحظ أن لغة المخطوطة شديدة الوعورة، وتمتزج فيها العبارات الغامضة بالطلاسم والرموز، حتى إن كثيراً من مقاطعها يصعب فهمها فهماً مباشراً. وربما لهذا السبب أصبحت محط اهتمام عشاق الألغاز والرموز، الذين وجدوا فيها مساحة واسعة للاجتهاد والتفسير.ومن أشهر ما ورد فيها:”ظهر الهمام، ودويت الكبود، وشُفيت الجلود، وحكم الودود في بروز الوجود، وبظهور محمود فرحت الأصحاب بقدوم المهاب…”.ويبدو من هذا المقطع أن الصورة المتداولة لم تكن تمثل المخطوطة كاملة، وإنما صفحة مقتطعة من سياق أوسع، إذ يبدأ النص وكأنه استكمال لحديث سبقه.ومن أغرب ما أحاط بالقصة أنّ صورة المخطوطة نفسها اختفت لاحقاً من المنصة التي نُشرت فيها، وتعطل الرابط المؤدي إليها، كما لم يُعثر على نسخة مؤرشفة يمكن الرجوع إليها. وبذلك بقي المصدر الوحيد هو رواية الكاتب، من دون دليل يمكن التحقق منه.غير أن العبارة التي أثارت أكبر قدر من الجدل جاءت لاحقاً في النص: “قم يا صاحب الخرطوم… وفرِّق بين الظالم والمظلوم”.وهنا تبدأ مساحة التأويل.فمن هو “محمود” الذي تقول المخطوطة إنّ الأصحاب فرحوا بقدومه؟ ومن هو “المهاب”؟وبوصفه اجتهاداً شخصياً لا أكثر، قد يتبادر إلى الذهن اسم محمود محمد طه، مؤسس الحزب الجمهوري، باعتباره من أبرز الشخصيات السودانية التي حملت هذا الاسم. بينما يرى آخرون أن المقصود ليس شخصاً بعينه، وإنما المعنى اللغوي للاسم؛ أي الرجل محمود السيرة، حسن الذكر، الذي يأتي في وقت يحتاج فيه الناس إلى من يوحد صفوفهم.وليس هذا التفسير الوحيد؛ فقد ذهبت آراء أخرى إلى أنّ عبارة “قم يا صاحب الخرطوم” تشير إلى الإمام محمد أحمد المهدي، وافترض أصحاب هذا الرأي أن المخطوطة كُتبت قبل قيام الدولة المهدية، ثم جاءت الأحداث لاحقاً لتوافق ما ورد فيها.كما رأى آخرون أن بعض المقاطع الملحمية الواردة في المخطوطة قد تشير إلى محطات مفصلية في تاريخ السودان، بدءاً من الثورة المهدية، مروراً بعهود الفريق إبراهيم عبود، وجعفر نميري، وعمر البشير، وصولاً إلى الحرب الحالية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.غير أنّ مثل هذه القراءات تستدعي مفهوماً معروفاً في علم النفس هو التحيّز الإدراكي، أي ميل الإنسان إلى تفسير النصوص القديمة بعد وقوع الأحداث وربطها بما جرى فعلياً، حتى وإن كانت تلك النصوص عامة أو تحتمل عشرات المعاني. وكثيراً ما يُستغل هذا النمط من التفكير لإثارة الجدل، أو لتحقيق الشهرة، أو لخدمة أجندات مختلفة.أما علم الجفر، فهو مصطلح ارتبط في بعض الموروثات الإسلامية والصوفية بمحاولات استنباط الغيب من خلال أسرار الحروف والأرقام والرموز، ويُنسب إليه التنبؤ بأحداث مستقبلية عبر حسابات معقدة. وتنظر غالبية علماء أهل السنة إلى هذه الممارسات بوصفها من الدجل والشعوذة، بينما تؤمن بها بعض الجماعات الأخرى باعتبارها جزءاً من تراثها الروحي.وللتسمية نفسها أصل لغوي؛ فـ”الجفر” في العربية هو صغير الماعز أو الضأن إذا قوي واستغنى عن أمه. ويُقال إن هذا العلم سُمّي بذلك لأنّ بعض تلك الكتابات والرموز كانت تُدوَّن قديماً على جلود الأغنام، فارتبط الاسم بالوعاء الذي كُتبت عليه النصوص.وفي تقديري، تظل عبارات مثل “صاحب الخرطوم” أو “محمود” قابلة لعدد كبير من التفسيرات، ولذلك لا أجد جدوى في الإبحار أكثر داخل هذا العالم المليء بالرموز والافتراضات. أما العبارات العامة، مثل “فرِّق بين الظالم والمظلوم”، فهي قيم إنسانية تصلح لكل زمان ومكان، ويمكن إسقاطها على عشرات الوقائع التاريخية دون أن تكون دليلًا على حدث بعينه.وربما لهذا السبب عاد النص بقوة إلى وسائل التواصل الاجتماعي في السودان خلال الأشهر الأخيرة؛ فكثير ممن يتداولونه لا يبحثون عن تفسير تاريخي بقدر ما يعبرون عن أمنية عميقة بظهور قائد يحظى بالاحترام، يوحد الصفوف، ويوقف الحرب، ويعيد للدولة استقرارها، ويخفف عن المواطنين أعباء النزوح والغلاء والانقسام. وكأنّ السوداني، أو كما يقول بالعامية: “الزول تعب عديل”، فأصبح يتمسك بأي بارقة أمل، حتى وإن جاءت من مخطوطة مجهولة المصدر.وهكذا تبدو الظاهرة أقرب إلى انعكاس للحالة النفسية والاجتماعية منها إلى كونها دليلاً على نبوءة. فعندما تطول الحروب، وتتراجع مؤسسات الدولة، ويضيق أفق الحلول، يصبح المجتمع أكثر استعداداً لتصديق الروايات الغامضة والبحث عن منقذ استثنائي، حتى وإن كان حضوره لا يتجاوز بضعة أسطر في مخطوطة لا يُعرف أصلها.ومهما تعدّدت التأويلات، يبقى من الضروري التمييز بين القراءة التاريخية والاعتقاد الجازم، وبين الفضول المعرفي والتسليم بالمجهول. فالنصوص الغامضة تمتلك قابلية كبيرة لإعادة تفسيرها بعد وقوع الأحداث، لأنها لا تحدّد زماناً أو مكاناً أو أشخاصاً بصورة قاطعة، وهو ما يجعل كل جيل يقرأها بعين ظروفه وأزماته.وفي النهاية، يبقى اليقين الذي لا يختلف عليه المؤمنون واضحاً وبسيطاً: لا يعلم الغيب إلّا الله. أما المخطوطات المجهولة، مهما حملت من غموض وإثارة، فهي تبقى جزءاً من فضول الإنسان الدائم تجاه المجهول، لا أكثر.نشر المقال  علي العربي_الجديدThe post قم يا صاحب الخرطوم… فرِّق بين الظالم والمظلوم appeared first on صحيفة مداميك.