تُعد تجربة البريطاني بيتر سوليفان المريرة، واحدة من أكثر القصص المأساوية التي تكشف فداحة الأخطاء القضائية في بعض الأحيان. قضى الرجل ثمانية وثلاثين عاما في السجن بعد إدانته ظلما بجريمة قتل، قبل أن تثبت براءته في نهاية المطاف، لتُصنف قضيته باعتبارها أطول خطأ قضائي في تاريخ بريطانيا.بداية القضيةبدأت القصة في أغسطس عام 1986، حين تعرضت ديان سيندال، وهي بائعة زهور تبلغ من العمر إحدى وعشرين عاما، لهجوم واعتداء جنسي وحشي، ثم ضُربت حتى الموت في بيركنهيد بمنطقة ميرسيسايد.في وقت لاحق من العام نفسه، أُلقي القبض على بيتر سوليفان، وكان شابا يعاني من صعوبات في التعلم. في عام 1987، أُدين بجريمة القتل وحُكم عليه بالسجن مدى الحياة. استندت الأدلة بشكل رئيس إلى قرائن بيولوجية عُثر عليها في مسرح الجريمة. ولأن تقنية تحليل الحمض النووي لم تكن متاحة في ثمانينيات القرن الماضي، فقد اعتُبرت تلك الأدلة كافية لإدانته. ادعاءات سوليفانظل سوليفان يؤكد براءته طوال الوقت، مصرحا بأنه أُوقع في فخ مُدبّر، وأُجبر على تقديم اعتراف كاذب تحت وطأة الترهيب. يدعي أنه تعرض، خلال استجوابه من قبل الشرطة، للحرمان من الدعم القانوني، وأنه خضع للاستجواب سبع مرات دون حضور محامٍ، كما تعرض للتهديد، وقيل له إنه سيُتهم بـ"خمسة وثلاثين جريمة اغتصاب أخرى" إذا لم يعترف.علاوة على ذلك، لم يُخصص له شخص بالغ يساعده على فهم إجراءات الاستجواب، على الرغم من أن سجلات الاحتجاز تشير إلى معاناته من صعوبات في التعلم. يزعم سوليفان أيضا أنه تعرض للضرب داخل زنزانته في مناسبتين على يد ضباط شرطة استخدموا هراوات من خلال غطاء اللحاف.محاولات الطعن وإعادة النظرحاول محامو سوليفان الطعن في الحكم مرتين، لكن دون جدوى. وفي عام 2025، خضعت القضية للمراجعة من قِبل "لجنة مراجعة القضايا الجنائية"، وقد كشفت التحليلات الجديدة أن الحمض النووي لسوليفان لا يتطابق مع الآثار البيولوجية التي وُجدت في مسرح الجريمة، وتبين أن تلك المواد تعود لشخص آخر لم تُحدد هويته. بناء على ذلك، قضت محكمة الاستئناف في إنجلترا وويلز بإلغاء الإدانة، وأُطلق سراح سوليفان.أبعاد الخطأ القضائيإلى جانب الخسارة الفادحة للزمن، حيث قضى الرجل قرابة نصف عمره خلف القضبان، اتسمت هذه القصة بجوانب أخرى مؤلمة. نتج الخطأ عن قصور تقني في النظام القضائي آنذاك، تمثل في غياب أساليب التحليل الحديثة وقت صدور الحكم. علاوة على ذلك، واجه فريق الدفاع طوال تلك السنوات عقبات متنوعة؛ ففي كل مرة كان المحامون يطلبون إجراء فحوصات جنائية إضافية، كانت الشرطة تدعي أن جميع الأدلة المتعلقة بالقضية قد أُتلفت.ليست حادثة فريدةاللافت أن هذه القصة لا تُعد حادثة فريدة؛ إذ توجد أمثلة أخرى عديدة في السجلات القانونية. من ذلك أن البريطاني شون هودجسون قضى ستة وعشرين عاما في السجن قبل أن يثبت اختبار الحمض النووي براءته، كما قضى الأمريكي ويليام ديلون سبعة وعشرين عاما في السجن قبل أن يؤدي اختبار الحمض النووي إلى إسقاط التهم الموجهة إليه.تُبيّن هذه الأمثلة مدى الهشاشة التي قد تظهر في النظم القضائية في بعض الأحيان، وتؤكد أهمية تطوير برامج وتقنيات تتيح إعادة النظر في القضايا القديمة التي يدور حولها الجدل أو تحيط بها الشبهات، بما يضمن ألا يدفع بريء ثمن قصور النظام مرة أخرى.المصدر: RT