الأزهر غير الشريف

Wait 5 sec.

إبراهيم برسييصعب أن تقف أمام الجامع الأزهر في القاهرة وألا تشعر بشيء من حضور التاريخ ومهابة الزمن.أكثر من ألف عام مرّت على هذه الجدران. تغيرت دول، وسقطت عروش، وعبرت القاهرة جيوش وحملات استعمارية وثورات وانقلابات، وبقي الأزهر هناك؛ تتغير العمائم والسلطات ويبقى الاسم أكبر من الرجال الذين جلسوا في مقعد مشيخته.لهذا فإن وصفه بـ”غير الشريف” ليس حكمًا على حجر الجامع، ولا على آلاف العلماء والطلاب الذين مروا من أروقته، ولا استخفافًا بتاريخ معرفي لا يمكن إنكاره.المقصود شيء آخر.إنه سؤال عن اللحظة التي تفقد فيها مؤسسة دينية شيئًا من شرفها الأخلاقي حين تصبح أقرب إلى السلطان منها إلى الإنسان، وحين تستطيع أن ترى استبداد الحاكم فلا تجتهد في تحريمه كما تجتهد في مطاردة كتاب، أو مفكر، أو رواية، أو فكرة تخالف ما استقر في كتبها.والسؤال هنا لا يتعلق بالأزهر وحده. إنه سؤال قديم في علاقة الدين بالسلطة: ماذا يحدث للمقدس حين يدخل القصر؟وماذا يبقى من سلطة العالم الروحية عندما يصبح راتبه، وميزانية مؤسسته، ومنصبه، وجزء كبير من مجاله العام، بيد الدولة التي يفترض أن يكون قادرًا على محاسبتها أخلاقيًا؟بدأ الأزهر قصة مختلفة تمامًا عن الصورة التي نعرفها اليوم.أنشأه جوهر الصقلي بأمر الخليفة الفاطمي المعز لدين الله سنة ٩٧٠م، وأقيمت فيه أول صلاة جمعة سنة ٩٧٢م. لم يكن في الأصل قلعة للمذهب السني، كما قد يتخيل البعض من موقعه الحالي، وإنما أنشئ في دولة إسماعيلية شيعية ليكون واحدًا من أهم منابر دعوتها الدينية والسياسية. ثم بدأ التدريس المنظم فيه في العصر الفاطمي، قبل أن تنقلب وظيفته المذهبية مع انهيار الدولة الفاطمية.عندما دخل صلاح الدين الأيوبي القاهرة وأنهى الدولة الفاطمية سنة ١١٧١م، تعطلت صلاة الجمعة في الأزهر، وأُنشئت مدارس سنية لمواجهة الإرث المذهبي الفاطمي. وبعد نحو قرن أعاده المماليك إلى مكانته، فتحول بالتدريج إلى أحد أهم مراكز التعليم السني في العالم الإسلامي.وهنا تقع أول مفارقة جديرة بالتأمل.المؤسسة التي يُنظر إليها اليوم أحيانًا كأنها الحارس الأبدي لصيغة واحدة ثابتة من الإسلام، بدأت حياتها لخدمة مذهب، ثم أعادتها سلطة سياسية أخرى لخدمة مذهب مناقض.لكن الأزهر لم يكن طوال تاريخه تابعًا مذعنًا للحاكم.في أواخر القرن السابع عشر ظهر منصب شيخ الأزهر بصورته المتعارف عليها، ويُعد محمد الخرشي، الذي تولى نحو سنة ١٦٧٩م، أول من شغل المشيخة وفق الرواية الأشهر. ومنذ ذلك الوقت تعاقب على المشيخة عشرات الشيوخ، بينهم عبد الله الشرقاوي في زمن الحملة الفرنسية، ومحمد مصطفى المراغي، ومصطفى عبد الرازق، ومحمود شلتوت، وعبد الحليم محمود، وجاد الحق علي جاد الحق، ومحمد سيد طنطاوي، وصولًا إلى أحمد الطيب الذي يتولى المشيخة منذ مارس ٢٠١٠. وبين هؤلاء برز من داخل البيئة الأزهرية نفسها مصلحون كبار، في مقدمتهم محمد عبده، وإن لم يتول مشيخة الأزهر.وحين دخل الفرنسيون مصر سنة ١٧٩٨م، أصبح الأزهر مركزًا من مراكز المقاومة الشعبية. انطلقت منه ثورة القاهرة الأولى في أكتوبر من ذلك العام، وقصفه الفرنسيون واقتحموه، ودخل جنودهم وخيولهم ساحاته. وبعد عقود، وقف بعض العلماء الأزهريين مع الثورة العرابية، وأفتوا سنة ١٨٨٢ بمروق الخديوي توفيق ووجوب عزله بسبب انحيازه إلى التدخل الأجنبي. وشارك الأزهريون لاحقًا في الحركة الوطنية ضد الاحتلال البريطاني وفي مناخ ثورة ١٩١٩.كان الأزهر، في تلك اللحظات، أقرب إلى المجتمع منه إلى الدولة.وكانت قوته تأتي، في جانب منها، من شيء بسيط وخطير: أنه لم يكن موظفًا كاملًا عند الحاكم.كانت الأوقاف تمنحه قدرًا من الاستقلال المالي، وكانت سلطته الاجتماعية أقدم من الدولة المصرية الحديثة نفسها.وهنا بدأ التحول الكبير.منذ محمد علي، راحت الدولة الحديثة تمد يدها شيئًا فشيئًا إلى المؤسسة الدينية. السيطرة على الأوقاف، وتنظيم المشيخة بالقوانين، والتدخل في اختيار القيادات، لم تكن إجراءات إدارية محايدة. كانت عملية طويلة لتحويل القوة الدينية المستقلة إلى جزء من جهاز الدولة.وجاءت اللحظة الحاسمة مع جمال عبد الناصر.صدر القانون رقم ١٠٣ لسنة ١٩٦١، فأعاد تنظيم الأزهر بصورة جذرية. توسعت الجامعة وأضيفت إليها كليات حديثة كالطب والهندسة، وهي إصلاحات لا يمكن إنكار قيمتها التعليمية، لكن الوجه الآخر للقانون كان تعميق إدماج الأزهر في الدولة، وإلغاء هيئة كبار العلماء بصورتها القديمة، وزيادة الاعتماد المالي والإداري على السلطة، وجعل تعيين شيخ الأزهر من اختصاص رئيس الجمهورية. وقد وصف بعض الباحثين هذه المرحلة بأنها ذروة إخضاع المؤسسة الدينية للدولة المصرية الحديثة.ومنذ تلك اللحظة أصبح السؤال أكثر إحراجًا:إذا كان الرئيس هو الذي يختار رأس المؤسسة الدينية، والدولة هي التي تمولها، والقانون الذي وضعته السلطة هو الذي يحدد مجالها، فإلى أي حد يستطيع الشيخ أن ينظر إلى الرئيس من فوق منبر الأخلاق، لا من أسفل هرم الإدارة؟وقتها لم يستخدم عبد الناصر الأزهر لأنه كان حاكمًا دينيًا؛ استخدمه لأنه كان حاكمًا يفهم قيمة الدين السياسية.احتاج إلى علماء يقولون إن الاشتراكية لا تتعارض مع الإسلام، وإن مشروع الدولة القومية يجد سندًا في قيم العدالة الإسلامية، وإن خصوم النظام من الإسلاميين لا يحتكرون الحديث باسم الدين.وهكذا سخّر النظام مؤسسة دينية لمواجهة خصوم دينيين، وللدفاع عن مشروع قومي اشتراكي تقوده دولة عسكرية.ثم جاء أنور السادات، وتحركت البوصلة في الاتجاه الآخر.انقلبت الدولة على كثير من السياسات الناصرية، وفتحت المجال أمام التيار الإسلامي لمواجهة الشيوعيين والناصريين واليسار الجامعي. وفي ذلك المناخ ظهرت فتاوى وخطابات أزهرية تهاجم الشيوعية وتربطها بالإلحاد، وأصبح الدين الذي استُخدم بالأمس لإعطاء شرعية للاشتراكية يُستخدم اليوم لمحاصرة اليسار.هذا التحول يكشف شيئًا عن طبيعة المؤسسة حين تدخل عميقًا في الدولة.فالسلطة تستطيع أن تتغير من الاشتراكية إلى اقتصاد الانفتاح، ومن التحالف مع الاتحاد السوفيتي إلى التحالف مع الولايات المتحدة، ومن مهاجمة الإسلاميين إلى استخدامهم، وتبقى المؤسسة قادرة على العثور في التراث على اللغة المناسبة لكل مرحلة.كأن النص ثابت، لكن الفتوى تعرف دائمًا أين يجلس الحاكم.ولعل المأساة الأكثر وضوحًا ظهرت عندما لم يعد الخصم سياسيًا، وإنما أصبح مفكرًا.في سنة ١٩٢٥ أصدر الشيخ علي عبد الرازق كتابه “الإسلام وأصول الحكم”، وذهب فيه إلى أن الخلافة ليست أصلًا دينيًا ملزمًا، وأن الرسالة النبوية لا تفرض نظام حكم محددًا على المسلمين.كان السؤال الذي طرحه عبد الرازق واحدًا من أخطر أسئلة النهضة العربية: هل يحتاج الإسلام إلى دولة دينية كي يكون إسلامًا؟لم يرد الأزهر على الكتاب بكتاب آخر، ولم يدحض الحجة بالحجة.حوكم الرجل أمام هيئة كبار العلماء، وجُرّد من شهادة العالمية وأخرج من زمرة العلماء في أغسطس ١٩٢٥.بعد عام واحد تقريبًا، جاء طه حسين بكتاب “في الشعر الجاهلي”.استخدم الشك المنهجي في قراءة التراث، فاشتعلت المعركة. أرسل شيخ الأزهر في يونيو ١٩٢٦ تقرير علماء الأزهر إلى النيابة، واتهم الكتاب بالطعن في القرآن والنبي، وطالب باتخاذ الإجراءات القانونية. وانتهى الأمر إلى تحقيق قضائي حفظ القضية بعدما رأى رئيس النيابة أن ما كتبه طه حسين يندرج في سياق البحث العلمي ولا يثبت فيه القصد الجنائي.وهنا تكمن مفارقة جارحة.كان رجل النيابة المدنية، في تلك اللحظة، أوسع صدرًا من المؤسسة الدينية.ثم توالت القضايا.في تسعينيات القرن الماضي لعب مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر دورًا واسعًا في مراجعة الكتب، واستُخدمت آراؤه في الحظر والمصادرة. وثقت منظمات حقوقية عربية وغربية مصادرة كتب للمفكر محمد سعيد العشماوي، ثم مصادرة كتب خليل عبد الكريم، قبل أن تمتد الرقابة إلى الرواية والأدب وإلى أسماء ستصبح لاحقًا جزءًا من أكثر معارك الثقافة العربية شهرة.ليس المطلوب هنا الدفاع عن كل كتاب صادره الأزهر، ولا افتراض أن كل من اصطدم بالمؤسسة كان عبقريًا أو مصيبًا.القضية أعمق من ذلك.من أعطى المؤسسة الدينية حق أن تكون شرطيًا على الخيال؟ومن قال إن حماية الدين تستدعي حماية المؤمن من قراءة كتاب؟الدين الذي يهتز أمام رواية ليس دينًا في خطر بقدر ما هو تصور هش للدين.ثم تأتي قضية فرج فودة، وهي من أكثر الصفحات التي تحتاج دقة حتى لا يتحول النقد إلى تزوير للحقائق.لم يصدر الأزهر، بصفته الرسمية، حكمًا قضائيًا بقتل فودة.لكن قبل اغتياله في ٨ يونيو ١٩٩٢، صدرت إدانات شديدة من علماء أزهريين ومن “جبهة علماء الأزهر”، وجرى وصف أفكاره بأنها مناقضة للإسلام. وبعد مقتله، وقف الشيخ محمد الغزالي أمام المحكمة شاهدًا في قضية القتلة، وقال إن من يرفض تطبيق الشريعة يمكن أن يقع في الردة، وإن عقوبة المرتد في الشريعة القتل، مع تأكيده أن تنفيذ العقوبة من اختصاص الدولة لا الأفراد.كانت تلك الكلمات كافية لتفتح سؤالًا لا يزال قائمًا:ما قيمة القول إن الفرد لا يجوز له تنفيذ حكم القتل، بعد أن تُعطى له أولًا القناعة الدينية بأن الإنسان الواقف أمامه “مرتد مستحق للقتل”؟في المسافة بين التكفير وفعل القتل، قد لا يحمل الشيخ السلاح.لكنه يستطيع أحيانًا أن يهيئ اللغة التي تجعل حامل السلاح يعتقد أنه يقوم بعمل مقدس يُقرّبه إلى الله.والأخطر أن قضية فرج فودة لم تكن نهاية هذا المسار. ففي العام نفسه تقريبًا بدأت واحدة من أغرب وقائع الثقافة العربية الحديثة، هذه المرة داخل الجامعة نفسها.كان نصر حامد أبو زيد أستاذًا جامعيًا يدرس الخطاب الديني والقرآن باستخدام أدوات اللسانيات والتأويل الحديثة.بدأت أزمته سنة ١٩٩٢ أثناء تقدمه للترقية في جامعة القاهرة، بعد تقرير أكاديمي كتبه عبد الصبور شاهين هاجم فيه أفكاره. خرج الخلاف من الجامعة إلى المساجد والمحاكم، وتحول أبو زيد من باحث يناقش نصًا إلى رجل يناقش الناس إيمانه.وفي ١٩٩٥ حكمت محكمة الاستئناف باعتباره مرتدًا، وما ترتب على ذلك من التفريق بينه وبين زوجته ابتهال يونس، ثم غادر الزوجان مصر إلى هولندا.لم يكن الأزهر المؤسسة القضائية التي أصدرت الحكم، ولا يمكن أن ننسب ذلك إليه مباشرة.لكن “جبهة علماء الأزهر” وأزهريين كانوا جزءًا من المناخ الذي أحاط بالقضية، ووصل الأمر إلى مطالبات لاحقة بمعاقبته على الردة.وهذه الدقة مهمة، لأن المشكلة أكبر من الأزهر نفسه.لقد نشأ في مصر مناخ كامل تستطيع فيه أي قراءة أكاديمية للقرآن أن تتحول إلى سؤال أمام المحكمة: هل ما زال صاحبها مسلمًا؟ثم ينتقل السؤال من عقله إلى سريره: هل يجوز أن تبقى زوجته معه؟يصعب تخيل صورة أوضح لانتصار السلطة على العقل.فالمسألة لم تعد خلافًا بين تأويلين للقرآن.لقد أصبح المجتمع، والقضاء، والمؤسسة الدينية، والجامعة، قادرين جميعًا على دخول الحياة الخاصة لرجل وزوجته بسبب الطريقة التي قرأ بها نصًا.وعندما يبلغ الخوف من السؤال هذا الحد، لا يعود الخلاف حول الدين وحده.يصبح الخلاف حول حق الإنسان نفسه في أن يفكر من دون أن يخشى على بيته.ومن الفكر انتقلت المعركة إلى الأدب، وكأن الخيال نفسه صار مجالًا ينبغي إخضاعه للحراسة.نوال السعداوي، التي قضت حياتها في الاشتباك مع السلطة السياسية والدينية والأبوية، واجهت دعاوى اتهام بالردة ومحاولات للتفريق بينها وبين زوجها. وفي مايو ٢٠٠٤ أوصى مجمع البحوث الإسلامية بمنع روايتها “سقوط الإمام”، التي كانت منشورة منذ سنوات، باعتبارها مخالفة للإسلام. كما تعرضت أعمال أخرى لها للمنع والملاحقة.وقبل ذلك، في مايو ٢٠٠٠، اندلعت أزمة رواية الأديب السوري حيدر حيدر “وليمة لأعشاب البحر”.أصدر مجمع البحوث الإسلامية تقريرًا شديد اللهجة ضد الرواية، وخرج طلاب من جامعة الأزهر في احتجاجات ضخمة وعنيفة بعد اتهامها بالإساءة إلى الدين، وأصبح نص أدبي منشور منذ سنوات قضية دولة، وانتهى الأمر بسحب الكتاب من التداول.ليس مطلوبًا أن يحب شيخ الأزهر نوال السعداوي.ولا أن يستمتع طالب أزهري برواية حيدر حيدر.ولا أن يقتنع أحد بأفكار العشماوي أو أبو زيد أو طه حسين.الحرية لا تبدأ عندما نحب ما نقرأ.تبدأ تحديدًا عندما نكره ما نقرأ، ثم نقرر ألا نستدعي الشرطي.ويبقى السؤال الملح: ما معنى الدفاع عن حرية الفكر إذا ظلت المؤسسة ترى أن من حقها تحديد السقف الذي يجوز للفكر أن يصل إليه؟كيف يمكن أن تقول إن البحث العلمي حر، ثم تظل الفكرة الدينية التي لا تعجب المؤسسة معرضة لأن تتحول إلى قضية هوية وعقيدة؟وكيف يمكن الاحتفاء بالإبداع في الوثائق، بينما عرف تاريخ المؤسسة الحديث مصادرة الرواية والكتاب؟ولا أظن أن تفسير هذا التناقض بالنفاق وحده يكفي. فالأزهر نفسه يبدو عالقًا في صراع لم يحسمه بعد: جامعة تريد أن تكون جزءًا من العالم الحديث، ومؤسسة دينية تخشى أن تفقد احتكارها التقليدي لتعريف الصحيح والخطأ.وهذا الصراع يظهر بوضوح أكبر عندما نصل إلى العلمانية.أحمد الطيب نفسه يفرق بين الإلحاد والعلمانية، ولا يعتبر كل علماني ملحدًا، لكنه يرفض فصل الدين عن المجال العام، ويؤكد أن الإسلام يحمل تصورًا للدولة والمجتمع.وفي الوقت نفسه يتبنى الأزهر رسميًا فكرة الدولة الدستورية الديمقراطية ويرفض الدولة الكهنوتية.إنه يقف في منطقة وسطى: لا يريد حكم رجال الدين، ولا يقبل في الوقت ذاته أن يصبح الدين شأنًا فرديًا خارج التشريع والسياسة.العلمانية، في أبسط معانيها السياسية، لا تشترط أن يصبح المجتمع بلا دين، ولا أن يتوقف المؤمن عن الإيمان.سؤالها مختلف: من يملك الدولة؟هل تملكها عقيدة واحدة، أم يملكها المواطنون على اختلاف عقائدهم؟وهل يحتاج الحق المدني إلى سند ديني حتى يصبح حقًا؟هذه الأسئلة ظل الأزهر، مثل كثير من المؤسسات الدينية في المنطقة، يتعامل معها بحذر شديد، لأن الدولة المدنية الكاملة لا تطرد الدين من المجتمع، لكنها تسحب من المؤسسة الدينية امتيازًا بالغ الأهمية: حقها في أن تكون المرجع الأخير في تحديد ما يجوز للدولة وما لا يجوز.ومن هنا يمكن فهم التوتر التاريخي مع التيارات اليسارية والعلمانية أيضًا.فالمشكلة لم تكن دائمًا في برامجها الاقتصادية.كانت، في جانب مهم منها، في نقل مصدر الشرعية من النص الديني إلى الإرادة الشعبية.وهذا تحول يصعب على أي مؤسسة بنت جزءًا من سلطتها على احتكار تفسير المقدس أن تستقبله بلا قلق.وحين ننتقل من هذا التاريخ الطويل إلى علاقة الأزهر بالسلطة المصرية الحالية، تصبح الصورة أكثر تعقيدًا مما تسمح به عبارة “شيخ السلطان” البسيطة.ظهر أحمد الطيب في الثالث من يوليو ٢٠١٣ إلى جانب عبد الفتاح السيسي والبابا تواضروس ومحمد البرادعي أثناء إعلان عزل الرئيس محمد مرسي. وكان وجود شيخ الأزهر هناك يمنح المشهد، بحكم موقعه الرمزي، شرعية دينية ووطنية مهمة.والأزهر نفسه عاد لاحقًا ليحتفي بانحيازه لما سماه ثورة الثلاثين من يونيو.لكن الطيب لم يمنح النظام شيكًا على بياض.بعد سقوط قتلى في يوليو ٢٠١٣ دعا إلى التحقيق وحقن الدماء، وانتقد العنف، وبعد فض اعتصامي رابعة والنهضة أعلن رفضه لإراقة الدماء.وفي السنوات التالية دخل في خلافات علنية مع السيسي حول الطلاق الشفهي، وحدود تجديد الخطاب الديني، ومحاولات تعديل القوانين بما يقلص استقلال المشيخة.وتؤكد دراسات حديثة أن الأزهر تحت قيادة الطيب حافظ على مساحة من الاستقلال لا تسمح بوصفه مجرد جهاز دعائي تابع للرئاسة.وهذه الحقيقة تجعل السؤال أصعب.فالذي يستطيع أن يقول “لا” للحاكم في مسألة الطلاق، لماذا يبدو صوته أقل صدامية حين تتعلق المسألة بمعتقل أو معارض أو فضاء سياسي مغلق؟والذي يملك رصيدًا أخلاقيًا يسمح له بمقاومة تدخل الرئيس في مناهجه، ألا يملك الرصيد نفسه حين تتعرض حياة الناس وحرياتهم لضغط الدولة؟ليست المسألة إذن أن شيخ الأزهر عاجز تمامًا عن معارضة الرئيس.لقد فعلها.ولهذا تحديدًا يصبح الصمت في القضايا الأخرى أكثر قابلية للسؤال.فالاستقلال لا يُقاس فقط بالقدرة على حماية المؤسسة من الدولة.يقاس أيضًا بقدرة المؤسسة على حماية المجتمع من الدولة.ثم هناك فلسطين.وهنا ينبغي أن نكون منصفين.لا يمكن وصف لغة الأزهر تجاه غزة منذ السابع من أكتوبر ٢٠٢٣ بأنها خجولة.فقد أصدر بيانات شديدة اللهجة، حيّا فيها المقاومة الفلسطينية، ووصف الجيش الإسرائيلي بأنه إرهابي، واتهم إسرائيل بارتكاب الجرائم والمجازر، وطالب الحكومات العربية والإسلامية بنصرة الفلسطينيين، وأرسل عبر بيت الزكاة والصدقات قوافل مساعدات إلى غزة.وفي ديسمبر ٢٠٢٥ جدد أحمد الطيب التأكيد أن فلسطين قضية مركزية، وأن الأزهر لن يتراجع عن الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني.فأين تكمن المعضلة؟ليست في نقص الكلمات. كلمات الأزهر كثيرة، وبعضها شديد اللهجة وشجاع.المعضلة في المسافة التي تفصل الكلمة عن السلطة التي تعمل المؤسسة داخل حدودها.فالناس لا يحتاجون إلى الأزهر كي يعرفوا أن قتل الأطفال جريمة. ما يحتاجونه منه هو شيء أصعب: أن يوجّه سلطته الأخلاقية إلى أقرب أبواب القوة، لا إلى أبعدها فقط.أن يقول للغرب ما يشاء، ثم يملك الشجاعة نفسها في مساءلة السياسات العربية التي تحاصر الفعل الفلسطيني، أو تضيق على التضامن، أو تجعل الموقف من غزة رهينة الحسابات الأمنية والدبلوماسية.هنا تظهر حدود المؤسسة الرسمية.يمكنها أن ترفع صوتها، ما دام هذا الصوت لا يهدم البيت الذي تسكن فيه.وهذا لا يمحو قيمة مواقفها من فلسطين.لكنه يكشف حدودها.فالفرق كبير بين أن تمتلك موقفًا أخلاقيًا من المأساة، وأن تمتلك استقلالًا يسمح لك بأن تتبع المأساة إلى كل الأبواب التي شاركت في صنعها.وهذه في النهاية ليست قصة الأزهر وحده.إنها قصة كل مؤسسة دينية تستبدل استقلالها بالأمان.حين يدفع السلطان راتب الفقيه، لا يصبح الفقيه فاسدًا بالضرورة، لكنه يدخل في علاقة قوة جديدة.وحين تتحول المعرفة الدينية إلى وظيفة حكومية، يصبح من الصعب أحيانًا معرفة أين تنتهي الفتوى وأين يبدأ بيان الدولة.ربما لهذا كان الأزهر أكثر قدرة على مقاومة نابليون حين كانت مدافعه عند الباب، مما هو قادر اليوم على مقاومة البنية التي أصبحت جزءًا من جسده.كان الاحتلال واضحًا.أما السلطة الحديثة فلا تحتاج إلى دخول الجامع بالخيل؛ يكفيها القانون والميزانية والتعيين والرتبة والمنصب.لا تكسر المنبر، فهي أذكى من ذلك.تجعل صوته يأتي، شيئًا فشيئًا، من داخل النظام.وهنا تصبح كلمة “الشريف” سؤالًا لا لقبًا.فشرف المؤسسة الدينية لا يأتي من عمرها، ولا من عدد طلابها، ولا من القباب والمآذن، ولا من الألقاب التي تسبق أسماء شيوخها.الشرف الأخلاقي لأي مؤسسة يبدأ من المسافة التي تستطيع أن تضعها بينها وبين القوة.من قدرتها على الوقوف مع الإنسان حين يكون الحاكم ضده.ومن قدرتها على حماية السؤال، حتى عندما يزعجها.وعلى الدفاع عن حرية المفكر الذي تختلف معه، قبل الدفاع عن حق الشيخ الذي يشبهها.الأزهر الذي قاد الناس يومًا في مواجهة الاحتلال ليس هو الأزهر الذي لاحق علي عبد الرازق.والأزهر الذي أنجب محمد عبده وشلتوت ليس هو وحده الأزهر الذي اشتبك مع طه حسين والكتب والروايات.والأزهر الذي كتب وثائق الحريات ليس هو وحده الأزهر الذي لا يزال يخشى أن تنفصل الحقيقة الدينية عن سلطة المؤسسة.لهذا لا أرى أن الأزمة هي أن الأزهر لم يعد “شريفًا” بالمعنى الديني.الأزمة أخطر.أن مؤسسة عاشت أكثر من ألف عام صارت تحمل داخلها ذاكرتين متصارعتين:ذاكرة الشيخ الذي كان يستطيع أن يواجه السلطان.وذاكرة الموظف الذي ينتظر توقيعه.وبين الاثنين يقف الأزهر اليوم.منارة هائلة من التاريخ، ونفوذ رمزي لا يزال حيًا، ومؤسسة تعرف الكثير عن النصوص.ويبقى السؤال الذي لم تحسمه بعد:هل تستطيع أن تستعيد من تاريخها الشجاعة التي تجعلها تقف، مرة أخرى، إلى جانب الإنسان قبل الحاكم؟فكلمة “الشريف” قد تبقى على اللافتة؛ أما معناها، فلا يحفظه إلا الموقف.The post الأزهر غير الشريف appeared first on صحيفة مداميك.