تفتُت العناق شهادات عن الحرب في يومها الأول (2-3)

Wait 5 sec.

مغيرة حربية ليلة اندلاع الحرب، بدا السودانيون غافلون عن كل شيء، منشغلون بتدبير معاشهم اليومي وينتظرون أن تتحقق أحلامهم بعد الثورة، في الحرية والسلام والعدالة. استبعد أغلب الناس الحرب ومضوا لأعمالهم وعَلِقوا في الأسواق ومحال العمل وبيوت الآخرين، رغم أن كل شيء كان ينذر أن حدثاً كبيراً سيقع؛ حدثٌ غامضٌ ربما يفتت كل شيء. واقع آخريستذكر الشاعر حاتم الكناني الشهور الأخيرة قبل اندلاع الحرب، إثر تدهور الأوضاع العامة في السودان بشكل كبير، وبدا يساور الناس قلق وجودي وهاجس غامض ينذر بحدوث شيء ما، فالخرطوم سقطت في قبضة الصمت والوحشة وبدأت مخاطيف غير مرئية في المغادرة والانفلات دون أن ينته أحد.يقول كناني في حديث لـ”مداميك”: “أتذكر في مساء الجمعة التي سبقت الحرب مباشرة، كنت بصحبة بعض الأصدقاء في إفطار رمضاني قرب جسر الحلفايا، كان الحوار يدور حول الحرب وعلامتها التي باتت واضحة، بيد أن معظم الأصدقاء كانت وجهة نظرهم تنفي تماماً حدوث حرب، وحتي لو اندلعت فإنها لن تستمر”. ينتهي الإفطار الرمضاني ويغادر الأصدقاء إلى بيوتهم في وداع أخير لن يلتقوا بعده أبداً.وفي صبيحة السبت، يوم اندلاع الحرب، ينوي كناني الذهاب إلى الخرطوم لمواصلة عمله، حيث لم يكن هنالك أي مؤشر لاندلاع المعركة في ذلك اليوم. “استيقظت من نومي عند التاسعة صباحاً، فوجدت نفسي أفتح عيوني علي عالم آخر غير الذي تركته قبل أن أغط في نوم عميق، وبالفعل بدأت الحرب، علمت بها من القنوات الخارجية التي بدأت نقل الأحداث والعواجل عن ما يحدث في السودان. ذهبت من فوري للجيران، أطلعتهم عن ما يجري وجلسنا جميعاً نشاهد القنوات الناقلة للأحداث”.يضيف كناني: “كانت المعارك بعيدة نسبياً عن المنطقة، اندلعت في مناطق بحري القديمة، احترق السوق الكبير، خرجت بعض المستشفيات الكبيرة عن الخدمة، زعر الناس وبدأوا نزوحاً صوب منطقتنا شبه الآمنة”. رويداً رويداً تقترب الحرب من المنازل وتتمدد أكثر في مناطق جديدة داخل العاصمة، منطقة بعد أخرى. “دخلنا في محيطها المباشر. أظن هذا هو دين الحرب الحالية، الانتقال السريع في الجغرافيا، تإخذ منطقة بعد الأخرى، بعكس حروب السودان السابقة والتي تندلع في مناطق محددة ولمطالب محددة، في الجنوب ودارفور والنيل الأزرق”حرب السودان لم تقم بعد “إذا كن سأتحدث عن اليوم السابق للحرب في السودان، سأتحدث من ذاكرة لشخص يعيش في الخرطوم، لأن بقية السودان كان يحمل تفاصيل يومية مختلفة، ربما بدت أكثر استقرارا ويخلو مجالها العام عن مظاهرة العسكرة، ومع ذلك، لا تزعجها إلا تفاصيل النضال اليومي لمواطنين تحت وطئة حكومة انقلابية متعثرة على رأسها عبد الفتاح البرهان ومحمد حمدان حميدتي”. يقول الصحفي يوسف حمد في شهادته لـ” مداميك”. ويضيف أن تشابك المصالح السياسية بين الرجلين واختلافهما قادهما ليقوما بأعمال عسكرية. “ما يعني أن حربهما فوقية للغاية، وليست خياراً حتمياً بالنسبة للقواعد الاجتماعية في السودان”.يصف حمد يومه صباح اندلاع الحرب في الخرطوم بالعادي، لكن ضمن واقع سياسي متشعب: “مواكب لمواصلة الثورة وإنهاء الانقلاب، عمل سياسي ونقابي، وبعض المظاهر العسكرية والأمنية. وبحكم العمل والمهام العامة الموكلة لي، كنت يومياً أتواجد في مدينيتن، الخرطوم وأم درمان، ورغم مظاهر العسكرة البادية والتلويح بالاقتتال، إلا أنني كنت أستبعد وقوع ذلك، صحيح أنني شاركت في أنشطة عامة، سياسية ونقابية، لدرء وقوع حرب بين الجنرالين، لكن مع ذلك، كنت أحاجج الأصدقاء بأن مصلحة البرهان وحميدتي تقتضي ألا تقوم مواجهة عسكرية بينهما، وهما أدرى بذلك! ما يعني أن مظاهر العسكرية، على قلتها أو كثرتها، ستظل مجرد تهديد وردع”.ويضيف: “طرحت هذا الرأي في آخر لقاء جمعني بأصدقائي الذين قدر لي ألا التقيهم مرة أخرى، وكان ذلك في الأمسية التي سبقت الحرب، ولا اتذكر ما إذا كانوا يشاطرونني الموقف نفسه، لكن افترقنا في تلك الأمسية على أمل اللقاء مرة أخرى”.يسهر يوسف حمد ليلة الجمعة بالمنزل وهو يعالج ويحرر بعض النصوص على الكمبيوتر، لكن يتوقف التحرير بسبب انطفاء بطارية الجهاز. “حدث ذلك لأنني نسيت وصلة الشحن بالمكتب منذ الخميس، فخلدت للنوم على أن استأنف العمل يوم السبت. للأسف، اندلع الاقتتال بين الجيش والدعم السريع، ولكوني أب، كان طبيعياً أن يعتريني الخوف بسبب النار التي انفتحت على رؤوسنا، ولأن القتال الذي بدأ في جنوب المدينة سرعان ما وصل إلى شمالها. قضينا ساعات من نهار السبت ونحن رقوداً تحت الأسِرَّة كنوعٍ من الحيل البدائية لتفادي القنابل المحتملة”. يقول: “قضيت الأسابيع وأنا أتظاهر بالشجاعة، وأوحي لأسرتي بأن الأمور ليست سيئة تماماً، وأن لا شيء سيطالهم، وختمت أيامنا في الخرطوم بكذبة قلت فيها: لنخرج من هنا لقضاء أسبوع أو عشرة أيام ثم نعود! وبالطبع لم نعد. رغم طيلة هذه السنوات في النزوح، لكني أجد صعوبة في النظر إلى ما جرى ويجري بوصفه حرباً ذات دوافع صلبة. وإذا كان لا بد من قيام حرب في السودان، فإنها لم تقم بعد، وعلينا أن ننتظرها، فهذا أول احساس لسكان الخرطوم بالحرب”.———الصورة البارزة للتقرير لوحة للتشكلية السودانية يثرب حسنThe post تفتُت العناق شهادات عن الحرب في يومها الأول (2-3) appeared first on صحيفة مداميك.