عمار الباقرفي السابع والعشرين من يناير 2014م، ألقى الرئيس السابق عمر البشير خطاباً من قاعة الصداقة دعا فيه إلى إطلاق حوار وطني شامل تحت شعار “الوثبة”. حظي الخطاب في ذلك الوقت بزخم سياسي كبير، وترحيبٍ من قوى سياسية مؤثرة مثل حزب الأمة برئاسة الصادق المهدي (رحمه الله) وعدد من القادة السياسيين، مما أربك مواقف قسمٍ آخر من القوى السياسية بين المشاركة والمقاطعة.في المقابل، طرح الحزب الشيوعي السوداني ستّ مطلوباتٍ أساسية عدّها شرطاً لازماً لأي حوار سياسي جاد، وتمثلت في:• إيقاف الحرب وهدنة شاملة: الوقف الفوري لإطلاق النار في كافة مناطق النزاع المسلح (دارفور، جنوب كردفان، والنيل الأزرق)، وفتح الممرات الإنسانية لإغاثة المتأثرين.• إطلاق سراح المعتقلين والمحكومين سياسياً: الإفراج الشامل عن كافة المعتقلين والأسرى والسياسيين دون قيد أو شرط.• إلغاء القوانين المقيدة للحريات: تعديل أو إلغاء القوانين الشمولية، وعلى رأسها قانون الأمن الوطني وقانون النظام العام، وضمان حرية التعبير، والصحافة، والتظاهر، والتنظيم السياسي.• تفكيك دولة الحزب لصالح دولة الوطن: إنهاء سيطرة الحزب الحاكم على مفاصل الدولة ومؤسساتها النظامية والخدمية (إلغاء سياسة التمكين).• تشكيل حكومة انتقالية قومية: إدارة الفترة الانتقالية بمشاركة جميع القوى السياسية دون هيمنة لحزب المؤتمر الوطني، للإعداد لانتخابات حرة ونزيهة.• المحاسبة والعدالة: محاسبة المسؤولين عن جرائم وفساد السنوات السابقة وعدم إفلات المتورطين من العقاب.لقد كان غياب هذه المطلوبات بمثابة “كعب أخيل” الذي أفرغ حوار الوثبة من محتواه، وأدى إلى مقاطعة معظم القوى السياسية بشقيها المدني والمسلح له، ليتحول في النهاية إلى مجرد مناورة سياسية لكسب الوقت.إن هذه التجربة تثبت أن نجاح هذا النوع من الحوارات يتعدى مجرد ضغوط محلية ودولية، أو ضمانات يقدمها طرف مسيطر على السلطة لطرف آخر يطمح في المشاركة. فالسودان يمتلك تاريخاً طويلاً مع الضغوط والمبادرات مثل اتفاق أديس أبابا 1972م، واتفاق الخرطوم للسلام 1997م بين البشير ود. لام أكول ود. رياك مشار، واتفاق السلام الشامل 2005م، وجميعها لم تفلح في خلق إرادة سياسية حقيقية تنهي الأزمة.إذن، ما العمل:إن الحوار المنتِج يتطلب قناعة راسخة لدى جميع الأطراف بحتمية التحول المدني الديمقراطي كسبيل وحيد لحكم البلاد، فضلاً عن إرادة سياسية قوية لتقديم تنازلات على مستوى شبكات المصالح والنفوذ. وهذه الإرادة لا تنشأ عبر المناشدات والشعارات ذات البُعد الأخلاقي، بل عبر تغيير موازين القوى بما يهدد تلك المصالح؛ وبناءً على ذلك، لا يُتوقع من عناصر “الكتلة الديمقراطية” مثلا، والتي تسيطر عليها مراكز قوي عسكرية ومالية، الجلوس إلى مائدة تفاوض ما لم تستشعر تهديداً جدياً لشبكة نفوذها التي تسيطر بها على القدر الأكبر من مال الدولة ومواردها، وكذلك ينطبق الأمر علي جميع الفرقاء السياسيين علي المشهد السوداني اليوم.إن الضغط الحقيقي الذي يجلب الجميع إلى مربع السلام هو وجود موقف شعبي موحد ضد الحرب ومن أجل استعادة الديمقراطية. وهو موقف أخذ في التشكل عبر حركة الاستقالات الجماعية، والإضرابات والوقفات الاحتجاجية وتصاعد التحركات المطلبية؛ إذ تشكل هذه التحركات المهدد الرئيس لمصالح ونفوذ أطراف المشهد السياسي، سواء داخل معسكر السلطة أو خارجه.على الرغم من كل المآسي التي عانى منها الشعب السوداني من 2014 وحتى 2026، فإن المشهد السياسي لم يتغير كثيراً؛ إذ لا يزال من يمسك بتلابيب السلطة يدعو إلى حوارٍ مُفصّل على مقاسه، بينما ينظر من هم خارجها إلى هذه المبادرات باعتبارها محاولة لالحاقهم كطرف ثانوي داخل منظومة السلطة.ستظل هذه المعادلة قائمة ما لم يحدث تحرك شعبي واسع—على غرار ثورة ديسمبر—يأخذ زمام المبادرة من الجميع، ويفرض شروطاً جديدة لصالح الجماهير وتطلعاتها نحو السلام المستدام بعيداً عن لعبة الكراسي ويعمل علي شل شبكات المصالح والنفوذ داخل لدي مختلف المعسكرات لصالح التحول المدني الديمقراطي والسلام المستدام. كما تظل تلك المطلوبات الستة، في جوهرها، شروطاً لازمة لأي حوار فعّال.The post اشتراطات الحوار الناجح: درس “الوثبة” ومأزق الراهن السياسي في السودان appeared first on صحيفة مداميك.