من أغاني الحرب إلى أناشيد السلام… مسؤولية الفنان السوداني في صناعة السلام

Wait 5 sec.

مهدي داود الخليفةلم تكن حرب الخامس عشر من أبريل 2023 في السودان مجرد مواجهة عسكرية بين قوتين مسلحتين، بل تحولت إلى صراع على الأرض والسلاح، وعلى الوعي والذاكرة والمعنى أيضاً. ففي الحروب الحديثة لا تكون البندقية وحدها أداة للصراع؛ فالكلمة والصورة والإعلام والشعر والأغنية تستطيع أن تعبّئ المشاعر، وتصنع صورة «البطل» و«العدو»، وتؤثر في وعي المجتمع.ومن هنا، لا ينبغي النظر إلى الأغاني التي ظهرت خلال الحرب باعتبارها ظاهرة فنية منفصلة عن سياق الصراع. فقد أصبحت بعض الأغاني جزءاً من التعبئة النفسية والمعنوية، وأسهمت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في تكريس سرديات الحرب والاستقطاب.لكن السؤال الأهم اليوم ليس: ماذا فعلت الأغنية بالحرب؟ بل: ماذا يستطيع الفن أن يفعل للسلام؟فالأغنية قادرة على رفع المعنويات وتعزيز الانتماء وإعادة تفسير الأحداث وصناعة الذاكرة الجماعية. وهذه القوة ذاتها يمكن تحويلها من أداة للاستقطاب إلى أداة للمصالحة. فقد تتوقف المدافع، لكن الكلمات التي دخلت الذاكرة لا تتوقف بالسهولة نفسها؛ وقد تبقى مفردات الحرب حاضرة في المخيلة حتى بعد انتهاء المعارك.لذلك، فإن مرحلة ما بعد الحرب تحتاج إلى إعادة بناء الذاكرة الوطنية، لا إلى محوها. فالعدالة الانتقالية ليست محاكم ووثائق وتعويضات فقط، وإنما هي أيضاً معركة حول كيفية تذكّر ما حدث، وكيف ننتقل من ذاكرة الانتقام إلى ذاكرة الاعتراف.الفن لا يمحو الجراح، لكنه يستطيع أن يمنحها لغة جديدة.يمكن للأغنية أن تروي قصة النازح بدلاً من الاحتفاء بالانتصار، وأن تستعيد صورة الأم التي فقدت ابنها، والطفل الذي فقد مدرسته، والأسرة التي تشتت، والمزارع الذي فقد أرضه. وبذلك تنتقل زاوية النظر من سؤال: من انتصر ومن انهزم؟ إلى سؤال أكثر إنسانية: من دفع الثمن؟وهنا يأتي دور الفن في صناعة سردية وطنية جديدة، تقول إن السودان أكبر من الجيوش والأحزاب والاستقطابات، وإن الاختلاف السياسي لا يجعل السوداني عدواً لأخيه السوداني.فالسودان ليس مجرد أرض تتصارع عليها القوى المسلحة، وإنما هو ذاكرة وثقافة وتراث وأغانٍ ولهجات وعلاقات اجتماعية مشتركة. وهذه المساحة الثقافية يمكن أن تكون جسراً نعبر عليه من الحرب إلى السلام.ومن هنا تأتي مسؤولية الفنان السوداني، الذي ظل قريباً من وجدان الناس، ودخل البيوت عبر الأغنية، وحفظ الذاكرة الوطنية، وجمع الناس حول المسرح والفن. واليوم يحتاج السودان إلى هذا الدور أكثر من أي وقت مضى.وأرى أن فنانين مثل أبو عركي البخيت، هادية طلسم، أحمد الفرجوني، عباس تلودي، منى مجدي، هدى عربي، عمر إحساس، أسامة الشيخ، يوسف الموصلي، نانسي عجاج، أبو بكر سيد أحمد والجمري حامد، إلى جانب الموسيقيين ماهر تاج السر وعبد اللطيف خضر، والشعراء أزهري محمد علي، فضيلي جماع، عالم عباس والتجاني حاج موسى، وغيرهم من المبدعين داخل السودان وخارجه، يستطيعون أن يشكلوا نواة لمشروع فني وطني للسلام.ولماذا لا نؤسس «مبادرة الفنانين السودانيين للسلام»؟يمكن أن تعمل المبادرة على إنتاج أغانٍ جديدة عن السلام والتعايش والعودة وإعادة بناء الوطن، وتنظيم حفلات تجمع الفنانين من مختلف مناطق السودان، وتوثيق الأغاني المرتبطة بالحرب ودراسة أثرها في الذاكرة الجماعية، وإنتاج أعمال تحكي قصص النازحين والضحايا، وتنظيم أمسيات للحوار والمصالحة، وإشراك الشباب والنساء والمبدعين في المهجر، وإطلاق أعمال فنية للأطفال الذين عاشوا سنوات الحرب لاستعادة الخيال والأمل.ويمكن أن يتولى إخراج هذه الفكرة الأستاذ مصعب الصاوي، لما يمتلكه من قدرة على الجمع بين الإبداع والتنظيم والتقديم، ولما حققه من نجاح لافت في تقديم برنامج «أغاني وأغاني».وبذلك يصبح الفن جزءاً من دبلوماسية السلام الشعبية، لا مجرد نشاط ثقافي على هامش العملية السياسية. فالسياسي يخاطب جمهوره، والدبلوماسي يخاطب الحكومات، والخبراء يخاطبون المؤتمرات، أما الفنان فيستطيع أن يصل مباشرة إلى وجدان الإنسان. وقد تحتاج وثيقة السلام إلى عشرات الصفحات، بينما تستطيع أغنية واحدة أن تختصر الفكرة كلها.لقد دفعت الحرب السودانيين إلى سؤال قاسٍ: مع من أنت؟ مع الجيش أم الدعم السريع؟ مع هذا الطرف أم ذاك؟ لكن السلام يحتاج إلى سؤال مختلف: من نحن؟نحن السودانيون.وهذه ليست مجرد إجابة عاطفية، بل مشروع وطني وثقافي وأخلاقي.إن السودان بعد الحرب لن يحتاج فقط إلى إعادة إعمار المدن والطرق والمؤسسات والاقتصاد، بل سيحتاج أيضاً إلى إعادة إعمار الوجدان. وهنا يستطيع الفن أن يؤدي دوره التاريخي: أن ينقل المجتمع من «من انتصر؟» إلى «كيف نعيش معاً؟»، ومن «من هو العدو؟» إلى «كيف نمنع تكرار الحرب؟».ولا يستطيع الفنان وحده إيقاف دبابة أو توقيع اتفاق سلام، لكنه يستطيع أن يغيّر الإنسان الذي سيعيش بعد الحرب.لذلك، أناشد الفنانين السودانيين في الداخل والمهجر أن يلتقوا حول مشروع فني وطني للسلام، وأن يجعلوا من أصواتهم مساحة يلتقي فيها السودانيون المختلفون.وربما يكون من أجمل مشروعات ما بعد الحرب أن نرى هؤلاء المبدعين مجتمعين حول عمل فني كبير يقول للسودانيين، بلغة الفن التي يفهمها الجميع:لقد اختلفنا كثيراً، وتألمنا كثيراً، وحان الوقت لكي نغني معاً من أجل وطن واحد.لقد آن الأوان أن ننتقل من أغنية الحرب إلى نشيد السلام، ومن تمجيد الانتصار إلى تمجيد الحياة، ومن ذاكرة الانتقام إلى ذاكرة الإنسان.فالسودان أكبر من الحرب، وأخوك السوداني ليس عدواً لك، وهذا الوطن يستحق أن نغني له كما يستحق أن نعيش فيه.فلنجعل الفن صوتاً للسلام، والغناء جسراً للمصالحة، والثقافة بدايةً لاستعادة السودانThe post من أغاني الحرب إلى أناشيد السلام… مسؤولية الفنان السوداني في صناعة السلام appeared first on صحيفة مداميك.