تقرير: إسماعيل حسابومنذ اندلاع حرب 15 أبريل 2023، لم يعد وصول الأسر السودانية إلى ليبيا يعني بالضرورة نهاية رحلة النزوح؛ فبعد عبور الحدود والابتعاد عن مناطق القتال، تبدأ بالنسبة إلى كثير من الأسر معركة أخرى تتعلق بتأمين السكن والغذاء والعلاج والتعليم ومصدر دخل يكفي لتلبية الاحتياجات الأساسية.وتكشف إفادات أسر سودانية استقرت في مدن ليبية مختلفة، إلى جانب بيانات أممية ودراسة اجتماعية حديثة، أن آثار النزوح لم تتوقف عند فقدان المنزل ومصدر الدخل في السودان، ولكنها امتدت إلى إعادة تشكيل حياة الأسرة نفسها، مع تزايد الأعباء على النساء، وارتفاع تكاليف المعيشة، وصعوبة الحفاظ على تعليم الأطفال والحصول على العلاج والسكن المستقر.وبحلول نهاية مارس 2026، قدّرت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين عدد السودانيين الذين فروا إلى ليبيا منذ اندلاع الحرب بنحو 559,920 شخصًا. وأوضحت أن الرقم تقديري، في ظل صعوبة حصر حركة الدخول عبر الحدود البرية الواسعة وغير المنتظمة مع السودان وتشاد ومصر. كما بلغ عدد السودانيين المسجلين لدى المفوضية في مركزها بطرابلس 91,494 شخصًا.وتأتي هذه الأرقام في إطار استجابة إقليمية أعلنتها الأمم المتحدة لعام 2026، فيما خصصت المفوضية خطة استجابة خاصة بليبيا، صدرت في مارس، للتعامل مع احتياجات اللاجئين السودانيين والفئات الأكثر هشاشة بينهم.لكن الأرقام الكبيرة للنزوح تخفي خلفها قصص أسر تحاول إعادة بناء حياتها في بيئة جديدة، بينما تظل الحرب حاضرة في تفاصيل يومها، ليس فقط بسبب ما تركته وراءها، وإنما بفعل صعوبة الاستقرار في بلد اللجوء.مواجهة تكاليف الحياةتقول فاطمة محمد، في حديثها لصحيفة «مداميك»، إنها جاءت من السودان ضمن مجموعة من الأسر، واستقر بها الحال في منطقة مرزق جنوب ليبيا، قبل أن تجد نفسها مسؤولة عن إعالة أبنائها الأربعة.وتعمل فاطمة في إحدى المدارس الخاصة، إلا أنها تصف أوضاع الأسر التي تعرفها بالصعبة للغاية، في ظل ارتفاع أسعار الإيجارات مقارنة بمستويات الرواتب، إلى جانب أعباء الرسوم الدراسية.وتلخص تجربتها جانبًا من المشكلة التي تواجه الأسر السودانية التي تحاول الاستقرار في ليبيا؛ فالحصول على عمل لا يعني بالضرورة الخروج من دائرة الهشاشة، إذ يمكن أن يلتهم الإيجار والتعليم جزءًا كبيرًا من الدخل، فيما تبقى الأسرة مطالبة بتوفير الغذاء والعلاج والنفقات اليومية.وفي بنغازي، يعيش محمد صالح وضعًا مشابهًا. ويقول لـ«مداميك» إنه يعمل ويتقاضى راتبًا يبلغ 2000 دينار ليبي، يذهب نصفه تقريبًا إلى الإيجار، بينما لديه ثلاثة أبناء في المدارس، إضافة إلى ابنة أدت امتحان الشهادة السودانية.ومع ارتفاع الالتزامات، يقول صالح إنه أصبح غير قادر على إعالة أسرته، بعدما لم يتمكن من العثور على عمل إضافي رغم بحثه عنه. ويضيف أنه بدأ يفكر في إعادة أسرته إلى السودان، موضحًا أنه يمتلك منزلًا في أم درمان، ويمكنه البقاء في ليبيا للعمل وإرسال المصاريف إلى أسرته.وتعكس تجربة صالح أحد أكثر جوانب الهشاشة تعقيدًا؛ فحتى امتلاك الأسرة مسكنًا في السودان لا يعني إمكانية العودة إليه، كما أن استمرار الإقامة في ليبيا يتطلب دخلًا قادرًا على تغطية الإيجار والتعليم وبقية الاحتياجات.أما الشاب عماد عبد الله، فيقول إنه يعمل بدوامين، صباحي ومسائي، من أجل توفير متطلبات أسرته، مشيرًا إلى أنه الشخص الوحيد الذي يعمل في أسرة مكونة من خمسة أفراد، جميعهم من النساء.وتكشف هذه الحالة كيف يمكن أن تتحول الأسرة النازحة إلى وحدة اقتصادية تعتمد بالكامل على شخص واحد، بحيث يصبح فقدان هذا الدخل أو تراجعه خطرًا مباشرًا على قدرة الأسرة على الاستمرار.المرأة في الواجهةوتشير دراسة اجتماعية أعدها القسم الاجتماعي في مرصد بلادي لحقوق الإنسان، بالتعاون مع مركز بنغازي لدراسات الهجرة واللجوء، إلى أن المرأة أصبحت في نسبة كبيرة من الحالات التي تمت متابعتها نقطة الارتكاز الأساسية للأسرة.واعتمدت الدراسة على مراجعة 94 ملف توثيق، وبعد التنقيح والتحديث وربط الملفات المتعلقة بالأسرة نفسها، خلصت إلى نحو 64 حالة أسرية سودانية مستقلة. وأظهرت أن المرأة كانت صاحبة الملف أو المسؤولة الرئيسية عن متابعة احتياجات الأسرة في نحو 80% من الحالات.وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة في ظل طبيعة النزوح السوداني إلى ليبيا، الذي لم يعد يقتصر على أفراد يسعون إلى العمل أو العبور، وإنما يشمل أسرًا كاملة ونساء وأطفالًا يحتاجون إلى الاستقرار والحماية والخدمات الأساسية.كما وثقت الدراسة وجود أكثر من 130 طفلًا بصورة صريحة داخل ملفات الحالات، مع احتمال أن يكون العدد الفعلي أعلى بسبب عدم اكتمال بيانات بعض الملفات. وأظهرت أن بعض الأسر تضم أعدادًا كبيرة من الأطفال تصل في بعض الحالات إلى تسعة أطفال.وبالنسبة إلى الأسرة التي فقدت مصدر دخلها، فإن زيادة عدد الأطفال تعني ارتفاع كلفة الغذاء والسكن والتعليم والرعاية الصحية، بينما يصبح العبء أكبر عندما تكون الأسرة معتمدة على دخل شخص واحد أو على أعمال يومية غير مستقرة.بداية أخرى للهشاشةلا تنتهي أزمة الأسرة بمجرد العثور على مأوى؛ فالإيجار يمثل أحد أكثر مصادر الضغط على الأسر السودانية، خصوصًا في الحالات التي لا تمتلك دخلًا ثابتًا.وتشير دراسة مرصد بلادي إلى تسجيل حالات تراكمت عليها الإيجارات، وأخرى تعرضت لخطر الإخلاء، فيما اضطرت أسر إلى الانتقال بين مساكن مختلفة أو الاعتماد على الأقارب والمعارف أو الإقامة في تجمعات غير رسمية.وفي بعض الحالات، يدفع ارتفاع كلفة السكن وضعف الدخل الأسر إلى البحث عن خيارات أقل كلفة، حتى إذا كانت لا توفر البيئة المناسبة للأطفال أو تفتقر إلى الخدمات والخصوصية.وترى الدراسة أن خطر الإخلاء لا ينبغي النظر إليه باعتباره مشكلة مالية فقط، بل بوصفه أحد مؤشرات الحماية الاجتماعية؛ لأن فقدان السكن قد يدفع الأسرة إلى أوضاع أكثر هشاشة ويزيد اعتمادها على الآخرين.احتياجات تتراجعتتضاعف صعوبة الوضع عندما تضم الأسرة مريضًا أو شخصًا من ذوي الإعاقة أو أطفالًا يحتاجون إلى متابعة طبية مستمرة.وبحسب تحديث المفوضية في مارس 2026، يواجه اللاجئون السودانيون في ليبيا عوائق أمام الحصول على الرعاية الصحية، من بينها صعوبات مرتبطة بالوثائق الرسمية وارتفاع تكاليف الخدمات الطبية. وأشارت المفوضية إلى أن هذه العوامل تحرم بعض اللاجئين من الوصول إلى الخدمات الأساسية.وتظهر الدراسة الاجتماعية أن المرض لا يمثل عبئًا صحيًا فقط، وإنما يمكن أن يتحول إلى مشكلة اقتصادية للأسرة؛ فإذا كان المريض هو المعيل، قد يؤدي مرضه إلى فقدان مصدر الدخل، وإذا كان أحد الأطفال هو المريض، تضطر الأسرة إلى تخصيص جزء من مواردها ووقتها للعلاج والمتابعة.وفي المقابل، يمثل التعليم عبئًا إضافيًا على الأسر ذات الدخل المحدود، خصوصًا عندما يكون لديها عدد كبير من الأطفال. وبذلك تصبح الأسرة أمام معادلة صعبة: الاحتفاظ بالسكن، وتأمين الغذاء، ودفع تكاليف التعليم، وتوفير العلاج، في وقت لا يرتفع فيه الدخل بالضرورة بما يتناسب مع هذه الالتزامات.بين البقاء والعودةتكشف الحالات التي وثقتها الدراسة أن هشاشة الأسر السودانية لا ترتبط عادة بمشكلة منفردة، وإنما تنتج عن تراكم عدة عوامل في الوقت نفسه. فقد يبدأ الوضع بفقدان المعيل أو مصدر الدخل، ثم يؤدي ضعف الدخل إلى تراكم الإيجار، ومن ثم خطر فقدان السكن، في الوقت الذي تتزايد فيه تكاليف الغذاء والتعليم والعلاج.وتقول الدراسة إن هذه العوامل قد تتفاعل داخل الأسرة الواحدة، بحيث يؤدي فقدان أحد عناصر الاستقرار إلى زيادة الضغط على بقية العناصر. ولا تعني هذه الحالات أن جميع الأسر السودانية في ليبيا تعيش الظروف نفسها، لكنها تقدم صورًا مختلفة لأنماط الهشاشة التي يمكن أن تواجه الأسر بعد النزوح.ولكثير من الأسر فإن العودة إلى السودان ليست خيارًا سهلًا، وفي المقابل، فإن استمرار الأسرة في ليبيا يفرض أعباء مالية متواصلة، خصوصًا الإيجار والتعليم والغذاء والعلاج.وهكذا يجد بعض السودانيين أنفسهم بين خيارين صعبين: البقاء في بلد اللجوء رغم ارتفاع تكاليف المعيشة وضعف الدخل، أو التفكير في العودة إلى بلد فروا منه بسبب الحرب وعدم الاستقرار.أوضاع مزريةومن جانبه، يصف المحامي عبد الله الصليح، وهو سوداني يقيم في بنغازي، أوضاع الأسر السودانية بأنها مزرية وذات هشاشة شديدة، مشيرًا إلى صعوبة تحمل تكاليف العلاج والسكن والغذاء.ويقول الصليح في حديثه لـ«مداميك» إن بعض الأسر تعيش، بحسب تقديره، على مشارف الهلاك، في ظل غياب أفق واضح للعودة إلى السودان أو القدرة على الاستمرار في ليبيا. ولا يتوقف الأمر، وفق إفادته، عند الاحتياجات اليومية، إذ يرى أن الحديث عن التعليم ومستقبل الأسر والأطفال يصبح أكثر صعوبة في ظل العجز عن توفير الأساسيات.وفي الوقت نفسه، يشيد الصليح بما وصفه بتحمل الشعب الليبي لأوضاع اللاجئين والمشردين السودانيين، داعيًا إلى أن تمتد الاستجابة إلى الأسر التي تواجه ظروفًا معيشية شديدة الصعوبة.الاستجابة لا تكفيوتشير خطة الاستجابة الإقليمية للاجئين السودانيين لعام 2026 إلى استمرار الحاجة إلى استجابة متعددة القطاعات تجاه تداعيات الحرب والنزوح، فيما خصصت المفوضية خطة لليبيا ضمن الاستجابة الإقليمية.وتظهر هذه الحاجة بوضوح في واقع الأسر التي لا تحتاج إلى مساعدة واحدة فقط. فالسلة الغذائية قد تساعد أسرة على تجاوز فترة قصيرة، لكنها لا تحل مشكلة الإيجار، والعلاج لا يعالج فقدان الدخل، ودفع الرسوم الدراسية مرة واحدة لا يضمن استمرار الطفل في التعليم.ولهذا فإن معالجة الهشاشة تتطلب النظر إلى الأسرة كوحدة واحدة، وتديد أكثر الحالات احتياجًا، وربط المساعدة الطارئة بفرص العمل وسبل العيش والحماية والتعليم والرعاية الصحية.وتدعم الدراسة الاجتماعية هذا الاتجاه، إذ توصي بالانتقال من تقديم مساعدات متفرقة إلى إدارة الحالة الأسرية، بحيث يجري تقييم وضع الأسرة بصورة شاملة، بما يشمل الدخل والسكن والصحة وعدد الأطفال والإعاقة ومستوى الأمن الغذائي واحتياجات الحماية.كما توصي بإعطاء أولوية للأسر التي تعيلها النساء، والأسر المهددة بالإخلاء، والحالات التي تضم أطفالًا مرضى أو أشخاصًا ذوي إعاقة، إلى جانب دعم التعليم والصحة والدخل والحماية الاجتماعية.لا مجرد أزمة نزوحبعد أكثر من ثلاثة أعوام على اندلاع الحرب، تظهر أوضاع الأسر السودانية في ليبيا باعتبارها أزمة استقرار اجتماعي بقدر ما هي أزمة نزوح.فمئات الآلاف عبروا الحدود بحثًا عن الأمان، لكن الوصول إلى ليبيا لم يضع حدًا لكل مخاطر النزوح. بالنسبة إلى كثير من الأسر، تحولت المعركة من الهروب من الحرب إلى محاولة تأمين حياة قابلة للاستمرار: منزل لا يهددها الإخلاء، دخل يكفي الإيجار والغذاء، مدرسة يستطيع الأطفال مواصلة الدراسة فيها، وعلاج يمكن تحمله عند المرض.وبينما تستمر الحرب في دفع مزيد من الأشخاص إلى النزوح، تبقى قدرة الأسر التي وصلت إلى ليبيا على بناء حياة مستقرة مرتبطة بقدرتها على الوصول إلى السكن والعمل والتعليم والصحة والحماية.وفي النهاية، فإن التحدي لم يعد فقط في استقبال الأسر الفارة من الحرب، وإنما في مساعدتها على الخروج من دائرة الهشاشة التي قد تجعل النزوح نفسه حالة مستمرة، حتى بعد أن تتوقف رحلة العبور من السودان.The post من النزوح إلى الهشاشة.. كيف تعيش الأسر السودانية في ليبيا؟ appeared first on صحيفة مداميك.