مطلب إثيوبي يقلب معادلة سد النهضة.. خبراء يكشفون لـRT ما وراء طرح "التعويضات" الجديد

Wait 5 sec.

أثارت دعوة مسؤول إثيوبي سابق لمطالبة مصر والسودان بتعويضات عن استخدام مياه النيل الأزرق جدلًا واسعا في القاهرة، وسط تحذيرات مصرية من تحويل الخلاف إلى "تسعير" للمياه الدولية. وعاد ملف مياه النيل إلى واجهة التوتر بين مصر وإثيوبيا، بعد تصريحات أدلى بها وزير المياه الإثيوبي السابق شيفيراو جارسو، دعا فيها حكومة بلاده إلى مطالبة مصر بدفع مقابل أو تعويض عن استخدام موارد مياه النيل، مستندًا إلى أن إثيوبيا تسهم بنحو 86% من تدفقات النهر.وقال جارسو في تصريحات نقلتها وكالة الأنباء الإثيوبية الرسمية "إينا" إن إثيوبيا باعتبارها المصدر الرئيسي لمياه النيل، لا ينبغي أن تكتفي بتوفير المورد المائي، بينما تحصل دول المصب على الجزء الأكبر من فوائده، داعيا إلى ترتيبات تعترف بالقيمة الاقتصادية للمياه وتضمن "تعويضا عادلا وتقاسما للمنافع".ورد وزير الري والموارد المائية المصري الأسبق الدكتور محمد نصر الدين علام التصريحات الإثيوبية بأنها "غير مسؤولة وعدوانية ولا تستحق الرد"، معتبرا أنها تكشف بحسب تقديره تجاهلا لقواعد استخدام المياه في الأنهار الدولية.وقال علام في حديثه لـ RT Arabic إن مطالبة مصر والسودان بتعويضات مقابل استخدام مياه النيل الأزرق تمثل محاولة لنقل الحوار بشأن التعاون والتنسيق في إدارة النهر من إطار القانون الدولي إلى "منطلق جديد لتسعير المياه الدولية وبيعها رسميا"، معتبرا أن هذا الطرح لا يخدم العلاقات بين دول حوض النيل.وأضاف أن التصريحات الإثيوبية المتتالية بشأن المياه والمشروعات المائية تستوجب، من وجهة نظره، تحركا مصريا داخل الاتحاد الأفريقي، وصولا إلى المطالبة بنقل مقر المنظمة القارية من إثيوبيا إلى دولة أخرى، معتبرا أن الدولة التي تستضيف مقر الاتحاد الأفريقي يجب أن تكون أكثر التزامًا بقواعد القانون الدولي ومبادئ التعاون بين الدول الأفريقية. رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد خلال زيارة لسد النهضة وأشار علام إلى أن مصر كانت من الدول التي دعمت إنشاء منظمة الوحدة الأفريقية، التي أصبح الاتحاد الأفريقي امتدادا لها، مؤكدا أن وجود مقر المنظمة في أديس أبابا جاء في سياق تاريخي ارتبط بالدعم المصري للقارة الأفريقية خلال عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.وتطرق وزير الري الأسبق إلى اتفاقية 1902 بين إثيوبيا والسودان، موضحا أنها تضمنت قيودا على إقامة منشآت على مجرى النيل من شأنها إعاقة تدفق المياه، ومشيرا إلى أن الاتفاقية وُقعت من جانب الإمبراطور الإثيوبي آنذاك، وهو ما يستشهد به في الرد على الطرح القائل إن الاتفاقيات التاريخية المتعلقة بالنيل لا تعدو كونها إرثًا استعماريًا.وأوضح علام أن مصر اتجهت في عهد عبد الناصر إلى إنشاء السد العالي للاستفادة من مياه النيل التي كانت تفقد في البحر، باعتبارها دولة المصب الأخيرة، مشيرا إلى أن الوضع المائي المصري أصبح أكثر صعوبة، إذ يبلغ نصيب الفرد من المياه نحو 500 متر مكعب سنويًا، وهو مستوى يقل عن حد الفقر المائي البالغ نحو 1000 متر مكعب للفرد سنويا.وربط علام التصعيد الإثيوبي بالتطورات الأوسع في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، معتبرا أن سعي إثيوبيا للحصول على منفذ بحري إلى جانب التطورات في أرض الصومال والتنافس الإقليمي والدولي في المنطقة، يمثل جزءا من السياق الذي ينبغي قراءة التحركات الإثيوبية من خلاله. سد النهضة الإثيوبي من جانبه قال الخبير المائي الدكتور عباس شراقي أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، إن الحديث عن قدرة إثيوبيا على التحكم المطلق في مياه النيل أو مطالبة مصر بدفع مقابل لاستخدامها "لا يرقى إلى درجة الطرح العلمي".وأوضح شراقي في حديثه لـ RT Arabic أن طبيعة تشغيل سد النهضة نفسها تفرض على إثيوبيا تمرير المياه، موضحًا أن استمرار تدفق المياه إلى بحيرة السد لا يسمح بحبسها إلى ما لا نهاية، إذ يتعين تصريفها عبر تشغيل التوربينات أو بوابات التصريف والمفيض وفق ظروف التشغيل والتدفقات الواردة.وأشار إلى أن المياه الموجودة حاليا في بحيرة سد النهضة ستواصل في النهاية طريقها إلى دول المصب، متوقعا أن يتأخر تصريف المياه هذا العام إلى نهاية سبتمبر بدلا من منتصفه، في ظل انخفاض معدلات الأمطار عن المتوسط، أو أن تضطر إثيوبيا إلى استخدام بوابات التصريف إذا لم يتم تشغيل عدد كافٍ من التوربينات.وشدد شراقي على أن وصول المياه إلى مصر لا يعني قبول القاهرة بالإدارة الأحادية للسد، مؤكدا أن المشكلة الأساسية تتمثل أيضا في غياب تبادل المعلومات والتنسيق بشأن توقيتات فتح البوابات وتشغيل التوربينات وقواعد التشغيل، خصوصا خلال فترات الجفاف وانخفاض الإيرادات.ورفض الخبير المائي مطالبة مصر بدفع مقابل للمياه، مؤكدا أن إثيوبيا لا "تمنح" مصر مياه النيل، وإنما يتعلق الأمر بنهر دولي مشترك، موضحا أن القول بأن إثيوبيا تسهم بنحو 86% من مياه النيل لا يعني امتلاكها لهذه المياه أو حقها في بيعها إلى دول المصب. نهر النيل في قلب العاصمة المصرية القاهرة كما شكك شراقي في إمكانية تنفيذ الحديث الإثيوبي عن إنشاء ثلاثة سدود كبيرة إضافية على نهر أباي، معتبرا أن إقامة ثلاثة مشروعات ضخمة على مجرى مائي واحد وفي توقيت متزامن تواجه تحديات فنية واقتصادية كبيرة، رغم وجود خطط إثيوبية قديمة لتطوير موارد النيل الأزرق.ويأتي التصعيد الجديد بينما لا يزال سد النهضة محور الخلاف بين القاهرة وأديس أبابا منذ إعلان المشروع عام 2011، في ظل عدم التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم ينظم قواعد الملء والتشغيل، وتبادل البيانات، وآليات التعامل مع فترات الجفاف والجفاف الممتد.وبينما تؤكد إثيوبيا حقها في استغلال مواردها المائية لتحقيق التنمية وتوليد الكهرباء تتمسك مصر والسودان بضرورة ألا تؤدي المشروعات المقامة على النيل الأزرق إلى الإضرار بحقوق دول المصب، لتفتح المطالبة الإثيوبية الجديدة بـ"تعويضات عن المياه" فصلا آخر في الخلاف الممتد حول مستقبل نهر النيل.المصدر: RT