هل ندير المواهب أم نطلق العنان للإبداع؟

Wait 5 sec.

(من إدارة القدرات إلى صناعة البيئة التي تخرج أفضل ما في الإنسان) (1)أ.د. عاصم التجاني شمعونفي عالم العمل «القديم»، كان السؤال يبدو بسيطاً: من هم أفضل موظفينا؟ وكيف نحافظ عليهم؟ وكيف نطوّرهم؟ أما اليوم، فقد أصبح السؤال أكثر عمقاً: هل تكفي إدارة المواهب، أم أن المنظمة تحتاج إلى بيئة تجعل المواهب قادرة على اكتشاف نفسها وصناعة ما لم يكن متوقعاً؟هذه ليست لعبة لغوية بين «إدارة المواهب» و«الإبداع»، بل سؤال حقيقي عن الطريقة التي تنظر بها المنظمة إلى الإنسان: هل تراه مورداً ينبغي تنظيمه وفق خطط ومسارات محددة، أم طاقة يمكن أن تنتج أفكاراً جديدة عندما تحصل على الثقة والحرية والمساحة؟ والحقيقة أن المنظمات الحديثة تحتاج إلى الاثنين معاً: إدارة المواهب التي توفر الاتجاه والدعم، وبيئة إبداعية تمنح الإنسان مساحة لتجاوز المسار المرسوم.إدارة المواهب، بمفهومها الحديث، لا تعني فقط الاحتفاظ بالموظفين المتميزين أو إعدادهم للترقي إلى مناصب أعلى؛ إنها تشمل التعرّف على القدرات، وتطويرها، ووضع الأشخاص في المواقع التي يمكنهم فيها تحقيق قيمة أكبر، وربط ذلك باحتياجات المنظمة وأهدافها. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول إدارة المواهب إلى قوالب جامدة. فالموظف الذي يوصف بأنه «موهوب» قد يكون ممتازاً في أداء ما هو مطلوب منه، لكنه ليس بالضرورة الشخص الذي يستطيع اكتشاف ما لم تطلبه المنظمة بعد.وهنا يظهر الفرق بين الأداء والإبداع. الأداء الجيد يجيب عن سؤال: كيف أنجز المهمة بصورة أفضل؟ أما الإبداع فيطرح سؤالاً مختلفاً: هل نؤدي المهمة بالطريقة الصحيحة أصلاً؟ وهل توجد طريقة أخرى لم نفكر فيها؟ وعليه، فالموهبة الحقيقية قد تكون أحياناً في الموظف الذي يطرح الأسئلة المزعجة، أو يقترح حلاً غير مألوف، أو يرفض التسليم بأن هذه هي الطريقة التي نعمل بها دائماً. لذلك، فإن المنظمات التي تبحث عن المواهب فقط داخل المسارات المعروفة قد تكتشف الموظف الجيد، لكنها قد تفوّت المبدع.ومن المفارقة أن المنظمة قد تنفق كثيراً على إدارة المواهب، ثم تضع هذه المواهب داخل نظام لا يسمح لها بأن تبدع. تضع لها أهدافاً دقيقة، ومسارات وظيفية محددة، ومؤشرات أداء، وإجراءات للموافقة، ثم تتساءل: لماذا لا نرى أفكاراً جديدة؟ لا يعني ذلك أن الأهداف والمؤشرات والإجراءات غير مهمة؛ على العكس، المنظمة تحتاج إلى الانضباط لكي تعمل، لكن الإبداع يحتاج إلى هامش يتحرك فيه خارج ما هو معروف.فإذا كان الموظف يعرف مسبقاً أن كل فكرة غير مألوفة ستحتاج إلى خمس موافقات، وأن أي تجربة فاشلة ستُسجل ضده، وأن أسرع طريق للترقية هو عدم ارتكاب الأخطاء، فسوف يتعلم شيئاً بسيطاً جداً: لا تخاطر. وعندما يتعلم الجميع هذه القاعدة، تصبح المنظمة منظمة جداً، لكنها قد تصبح أيضاً أقل ابتكاراً.هناك صورة تقليدية للموظف المتميز: منضبط، ملتزم، سريع الإنجاز، قليل الأخطاء، ويحترم التعليمات. وهذه صفات مهمة بالتأكيد، لكنها لا تكفي وحدها لصناعة الابتكار. فالمبدع ليس بالضرورة الموظف المثالي؛ فقد يكون أكثر فضولاً، وأكثر ميلاً إلى التجربة، وأكثر استعداداً لطرح سؤال لا يطرحه الآخرون. وقد يبدو أحياناً أقل انسجاماً مع الطرق التقليدية لأنه لا يكتفي بالسؤال: ماذا نفعل؟ بل يسأل: لماذا نفعل ذلك بهذه الطريقة؟ وهذا لا يعني أن الفوضى إبداع، أو أن مخالفة التعليمات موهبة، فالإبداع يحتاج إلى مسؤولية وانضباط أيضاً، لكن المطلوب هو الانضباط الذي يحمي التجربة، لا الانضباط الذي يقتلها.من أكثر الأفكار التي تحتاج المنظمات إلى إعادة النظر فيها مفهوم الفشل. ليس كل فشل مفيداً بالتأكيد؛ فالفشل الناتج عن الإهمال أو عدم الكفاءة أو تجاهل المخاطر يجب أن تتم معالجته ومحاسبة المسؤول عنه. لكن هناك فرقاً بين الفشل بسبب الإهمال والفشل بسبب التجربة المسؤولة (وهو الفشل الذي يجب ألا نخاف منه). إذا جرّب فريق طريقة جديدة لتحسين خدمة العملاء، أو اختبر تقنية جديدة، أو طور نموذجاً أولياً ولم ينجح، فإن التجربة تكون قد أنتجت معرفة مهمة حتى لو لم تنتج منتجاً ناجحاً.وهنا تبرز أهمية ما يُعرف في الإدارة الحديثة بـ «السلامة النفسية»، أي أن يشعر الموظف بأنه يستطيع طرح فكرة أو الاعتراف بخطأ أو مناقشة مشكلة دون خوف دائم من الإهانة أو العقوبة غير العادلة. فالبيئة التي تعاقب كل خطأ ستدفع الناس إلى إخفاء الأخطاء، بينما البيئة التي تتعلم منها تستطيع تحويل الخطأ إلى معرفة.غير أن تطبيق مفهوم السلامة النفسية لا يخلو من تحديات عملية. فالمديرون «التقليديون» قد يجدون صعوبة في التخلي عن أساليب الإدارة القائمة على الرقابة والخوف، وقد يصعب قياس الإبداع وتقييمه، وقد تكون التكاليف المرتبطة بإنشاء بيئات تجريبية مرتفعة. ولتجاوز هذه التحديات، تحتاج المنظمات إلى الاستثمار في تدريب المديرين على أساليب القيادة الحديثة، وإنشاء وحدات ابتكارية صغيرة، واعتماد نظام المخاطرة المحسوبة مع حدود واضحة، وإرساء ثقافة الثقة تدريجياً من خلال نجاحات صغيرة.بالتأكيد الإبداع لا يعيش بلا مخاطرة، لكن المطلوب ليس أن تفتح المنظمة الباب لكل مخاطرة، وإنما أن تميز بين المخاطرة العشوائية والمخاطرة المحسوبة. يمكن للمنظمة، مثلاً، أن تسمح للموظفين بـ «المخاطرة الإيجابية» عبر تجربة مشروع صغير قبل تعميمه، أو تخصيص وقت للأفكار الجديدة، أو إنشاء فرق متعددة التخصصات، أو إطلاق مختبر للابتكار، أو منح الموظف مساحة لتجربة طريقة مختلفة في حل مشكلة محددة. الفكرة هنا بسيطة: لا تطلب من الموظف أن يكون مبدعاً ثم تمنعه من التجريب، ولا تطلب منه أن يأتي بأفكار جديدة ثم تقيسه فقط على قدرته على تنفيذ الأفكار القديمة.أحد أخطر أخطاء إدارة المواهب هو الاعتقاد بأن المنظمة تعرف مسبقاً أين توجد مواهبها. قد يكون الموظف الذي يعمل في قسم إداري شغوفاً بتحليل البيانات، وقد يكون موظف خدمة العملاء قادراً على ابتكار حلول تقنية، وقد يمتلك موظف شاب فكرة يمكنها أن تغير طريقة تقديم الخدمة لكنه لم يحصل أبداً على فرصة لعرضها. لذلك، فإن إدارة المواهب الحقيقية لا تكتفي بسؤال المديرين: من هم الموظفون الموهوبون؟ بل تسأل أيضاً الموظفين أنفسهم: ماذا تستطيعون أن تفعلوا ولم تتح لكم الفرصة لفعله؟ وهنا تتحول المنظمة من إدارة المواهب المعروفة إلى اكتشاف المواهب الكامنة.ولا يمكن تجاهل دور التكنولوجيا في هذا التحول. فمنصات التعلم الإلكتروني، وأدوات تحليل البيانات، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، يمكن أن تكون أدوات قوية لتمكين الموظفين واكتشاف مواهبهم الكامنة. فالبيانات التي تنتجها المنظمات عن أداء موظفيها وتفاعلاتهم واهتماماتهم يمكن أن تكشف عن أنماط ومواهب لا تظهر في التقييمات التقليدية، والذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد في توجيه الموظفين إلى فرص التعلم والتطوير التي تتناسب مع قدراتهم وطموحاتهم. لكن هذه الأدوات، مهما كانت قوية، تظل مجرد أدوات؛ فهي لا تغني عن القيادة الإنسانية، ولا عن الثقافة التنظيمية التي تشجع على التجريب والمبادرة.The post هل ندير المواهب أم نطلق العنان للإبداع؟ appeared first on صحيفة مداميك.