مداميك: حواء رحمةفي إحدى جلسات الدعم النفسي في فقرة الرسم، لم يتوقع الجميع ما سيرسمه الأطفال لأول مرة بعد أكثر من ثلاثة أعوام من الحرب المشتعلة في السودان؛ الكل مندمج في رسم لوحته، كل طفل يهمس إلى صديقه معلقاً على الرسمة، ولأول مرة نلاحظ بأن الأطفال لا يبدو عليهم الفرح أثناء الرسم، هناك صمت وتركيز وكأنهم يحاولون استحضار أمر ما، مر الوقت ببطء، وبالرغم أن هناك وعداً بتسليم جائزة لأول من يسلم اللوحة، كان الأطفال يرسمون بهدوء تام حتى نفذ الوقت وتم جمع الورق.لم تكن تلك مجرد لوحة لطفل في الحادية عشرة من عمره، بل حكاية جسدت كل أيام وشهور صمته الطويل، أيام لا يسمع فيها غير صوت الرصاص ومرور المركبات القتالية مدججة بالسلاح.ذلك اليوم الذي أقامته غرفة طوارئ شرق النيل برعاية منظمة يونسيف للدعم النفسي للأطفال، لم يكن يوماً عادياً لمرح الأطفال، بل كان متنفساً بعد مرور أكثر من ثلاثة أعوام عاش فيها أطفال شرق النيل بمنطقة الحاج يوسف حصاراً مطبقاً، وصار يتلبسهم الخوف صباحاً ومساءً، كل تفاصيل اليوم كانت عبارة عن أخبار تتحدث عن الموت والاعتداءات والترهيب من قبل ما أسموهم متفلتين يتبعون لقوات الدعم السريع.لقد اكتسب الأطفال سلوكاً جديداً يحمل لغة العنف، وحتى العبارات التي اكتسبوها مثل (البل، والجغم) كانت عبارات يرددها العالقون في مناطق الاشتباكات، حتى أضحت واحدة من العبارات اليومية التي تحمل لغة الوعيد، حتى داخل المنازل وجد أرباب الأسر أن أطفالهم أصبحوا محاصرين بهذه الأجواء العنيفة في ظل إغلاق المدارس لأبوابها.لم يتخيل الجميع ما رأوه.. لقد رسم الأطفال مدافع وقذائف وسيارات دفع رباعي محملة بالأسلحة والرشاشات، موجهة على المنازل، ومجموعة أخرى رسموا منازل ولوحات تحمل علم السودان، وآخرون عجزوا عن الرسم وعبروا عن رغبتهم في الرسم بسؤال (نرسم شنو؟) قد يكون السؤال عادياً بكل براءة لكنه يحمل معانٍ كثيرة، فقد رأى الأطفال الكثير من المشاهد المؤلمة وعاشوها ليلاً نهاراً، لذا ازدحمت أذهانهم بصور العنف.هكذا عكس اليوم الترفيهي ما يعانيه الطفل منذر محمد والطفلة شهد، وعثمان ورفاقهم العالقين في ذلك الحي الذي لا يبعد من قلب العاصمة سوى كيلومترات عاشوا فيه كل تفاصيل الصراع.بعض رسومات الأطفالحلويات بطعم البارودحلاوة صاروخ، وحلاوة مسيرة، وعصير دمرني.. نعم إنها أسماء الحلويات التي ذكرها لنا صاحب المتجر عبد العزيز مصطفى، مشيراً إلى أن الأطفال هم من يطلق هذه المسميات، وليس هم ككبار، وغيرها من المسميات كلها مستمدة من الحرب، وتحولت الألعاب إلى رشاشات مصنوعة من الخشب، وسيارات و(تاتشرات) وغيرها من الآلات الحربية، الأطفال أصبحوا أسرى لهذا الواقع المؤلم، وقد لا تنتبه الأسر إلى هذا الواقع المزعج لكن حتماً له أثر كبير في مستقبلهم.الخوف والعنف في المدارسالأستاذة مواهب محمد، معلمة بمرحلة الأساس، تقول إن الحرب أثرت كثيراً على سلوك الأطفال، وأصبح الخوف واحداً من المشاكل التي يعاني منها الأطفال في الفصول الصغيرة، إضافة إلى العنف متمثلاً في الضرب والتهديد والوعيد، مشيرة إلى أن تمرد الأطفال على المدرسة هو نتيجة الخوف والكبت طوال فترة الحرب، وقد لاحظت ذلك بعد عودة الأطفال إلى المدارس.الأخصائية النفسية مروة محمد إبراهيم علي ترى أن آثار الحرب النفسية على الأطفال تكون أكثر من البالغين، ويمكن ملاحظتها لأن ذاكرة الأطفال حيوية، وتلقيهم للمعلومات يكون أسرع، وأضافت: “في الوقت الراهن يكون استيعابهم لما يدور بدرجة أعلى، لأن الدماغ مهيأ للاستيعاب في مراحل النمو المختلفة، وهذا يقودنا إلى أنه في كل الأوضاع سواء كانت في أوقات النزاعات أو الأوضاع الطبيعية تكون عقولهم مهيأة للاستيعاب، بمعنى استيعابهم لأوضاع الحرب تكون النسبة أعلى على سلوكهم، إذ نعتبر الحرب فيها كل الأضرار التي نتوقعها في النزاعات عبر النظر، والسمع، وما يحدث لهم من تشريد وعدم أمان ومشاهدة الدمار، أي كان شكل السيناريو ينعكس على سلوكهم بجانب التغيير الجسدي والاجتماعي”.ومضت مروة في وصفها بأن التغيير الجسدي للأطفال يتمثل في عدم النمو مثلاً وعدم الأكل، وسوء التغذية لأن الوضع النفسي يجعل رغبة الطفل في الأكل ليست بنفس الطريقة قبل تعرضه إلى الضغط النفسي، وأضافت: “كما يتضرر الأطفال ويحدث لهم تبول لا إرادي، تأخر الكلام والتأخر العقلي، وصعوبة في الذاكرة لأن ذاكرة النزاعات تصبح عالقة وتؤثر على كل أنشطة النمو العقلية أو تصبح بطيئة”.وفي السياق ذاته أشارت مروة إلى أن الأضرار النفسية التي تنجم عن طريق السلوك ظاهرة دائماً مثل الاكتئاب والقلق، واضطراب ما بعد الصدمة أو التأخر العقلي أو تأخر النمو، كل ذلك يظهر عبر السلوكيات. أما تغيير السلوك، فيتمثل في سلوك العنف ويصبح عالياً جداً لأنهم عاشوا تفاصيل فيها كل أنواع العنف، سلوك عنيف في اللعب، ردود الأفعال للأحداث وتفكيرهم في المستقبل كل ذلك يميل إلى العنف.سلوكيات العف والعزلةأيضاً سلوك مائل للعزلة بسبب الخوف نتيجة الضغط النفسي الذي عايشه الطفل من قبل، لذا يفضل البقاء وحده نتيجة للوضع الذي تعرض له. أما من ناحية السلوك العدواني غير المبرر للأحداث يمكن أن يكون صغيراً، وملاحظة اختلاف السلوك قبل فترة الحرب، أما في أثناء الحرب السلوك يصبح أقوى، بجانب سلوكيات تعاطي المخدرات، السكر، السجائر من عمر 11 عاماً وما يزيد أو من 10 سنين، وهذا الوقت الذي يكون فيه الأطفال عرضة للإدمان.كما يلاحظ سلوك حبهم للعنف مثل الأطفال الجنود وهم يستخدمون كسلاح أو يتم تجنيدهم كأداة للحرب، ولكن في الأصل الطفل تكون لديه رغبة في النزاع لأنه عاش مراحل من حياته في فترة قهر عالية جداً، لذا يرغب في القتال حتى إذا كان القتال في وضع سياسي أو استغلال يكون له المقدرة ويكون مهيأً ويظهر ذلك في سلوك القتال.وعادت وقالت: “نستطيع أن نقول هناك سلوك سيطرة وهيمنة على المكان أو البيئة، أي هيمنة غير مبررة، بمعنى كأن الطفل لم يعش حالة من السلم لأن معظم الفترات تكون في أوقات النزاعات، لذا الطفل عندما يعيش فترات نزاعات يكبر أكثر من سنه الحقيقي، أي أن ما يستوعبه يكون أكبر من إمكانيات طفل في عمره”.ولفتت إلى أن الأطفال الذين يعيشون في أجواء حروبات يفكرون بطريقة سابقة لسنهم، وهذا أمر غير إيجابي ويدخلهم في نطاق المسؤولية لأنهم قد يكونوا فقدوا العائل بالنسبة لهم ويضطرون للعمل وترك الدراسة، أو حمل قرارات ومسؤولية أسرية بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، لذا من الجانب الاجتماعي يتضرر الأطفال ويفقدون التعامل بأعمارهم الحقيقية، ويفقدون طريقة اللعب أو التعامل مع أقرانهم أو الأشخاص الذين يقومون برعايتهم مما يؤثر على الجانب الاجتماعي ويجعلهم يفقدون الكثير من فترات النمو الطبيعية في حياتهم.ويقول الباحث والمعلم بمرحلة الأساس، جمعة جابر، إن الآثار النفسية للحرب على الأطفال في المدارس ملاحظة بشدة، فقد أثرت الحرب على الأطفال في مناحي كثيرة، أولها في الذوق العام بدخول مفردات جديدة ومسميات لم تكن مألوفة لديهم ولا حتى لدى المعلمين مثل (شفشفة، جغموه، أبلدا) وغيرها، وكذلك ألفاظ تعلموها أثناء فترة الحرب الجارية، لا تتماشى مع التربية السليمة للنشء، مما انعكس سلباً في أنماط السلوك التعليمي والتربوي على الأطفال.وحسب جابر اتضح ذلك جلياً في تبادل المفردات فيما بينهم داخل الحرم المدرسي أو خارجه، مما خلق عبئاً ثقيلاً على المعلمين في معالجة هذه المجاميع السلبية التي لا تشبه القيم والأخلاق الحميدة الفاضلة التربوية.كما أثرت الحرب في زيادة الصدمات المختلفة على الأطفال بسبب فقدهم للأقارب من الدرجة الأولى، مثل الموت، الاعتقال، الإخفاء القسري، وأيضاً فقدان الممتلكات المتعلقة بالأسرة، وفقد الأصدقاء وغيرها من الصدمات، مما كان له الأثر السلبي في التحصيل الأكاديمي والاستيعاب، وقال: “يلاحظ أحياناً الشرود الذهني للأطفال والسرحان أثناء الحصص، أضف إلى ذلك اللجوء إلى أساليب العنف في التعامل أسوة بما رأوه من التعامل بالأسلحة المختلفة في أعمارهم الصغيرة، فكان له الأثر النفسي السيئ في التقليد المضر لسلوك غير حميد (العنف)”.كما أن الآثار النفسية المنبثقة من استخدام العنف، والقتل والضرب والإهانة لذوي الأطفال أمامهم أصابتهم بالخوف والرعب من هذه الأفاعيل، وتركت فيهم ما يعرف بالرهاب الاجتماعي (الخوف من المجتمع) خاصة وهم لم يتعودوا على مثل هذا السلوك الذي انعكس جلياً وظهر في خوف الأطفال من المشاركات في الدرس، تجنباً للعقاب الذي تشكل عندهم في الصورة الذهنية بالعقاب القاسي، مما يتطلب التدخل النفسي الاجتماعي للباحثين الاجتماعيين لعمل العلاج الاجتماعي بالإرشاد والوعظ والتوجيه ليعود الأطفال أسوياء لممارسة حياتهم الطبيعية دون خوف زائد مخالف لقانون الطبيعة.سيارة لعبة لطخها الطفل بالطين، وأخرى مرسومة وهي تقصف المنازلتقارير أممية مخيفةوكانت منظمة اليونيسف قد أعلنت في وقت سابق أن أكثر من 8 ملايين طفل خارج نطاق التعليم بسبب الحرب وإغلاق المدارس وأكثر من 5 ملايين طفل نازح، وأن 11% من المدارس تستخدم كملاجئ، وأشارت إلى أن الأوضاع النفسية والمخاطر مرتفعة للغاية بسبب تصاعد وتيرة الصراع وزيادة أعداد النازحين من كردفان ودارفور بسبب المعارك هناك.وحسب يونيسف فإن الأطفال في السودان يعانون من أزمة صحية وإنسانية حادة بسبب الحرب بعد مضي 3 أعوام تمثلت في سوء التغذية، فقد يعاني حوالي 4.3 مليون طفل مع نهاية العام 2026 منهم 825,000 يعانون من سوء التغذية الحاد، وفيما يتصل بالعنف ضد الأطفال هناك حوالي 5,700 انتهاك جسيم ضد الأطفال منها القتل والتشويه لأكثر من 4,300 طفل بجانب التجنيد، وشهدت مدينة الفاشر حوالي 1,500 انتهاك ضد الأطفال ونزوح أكثر من 17.3 مليون طفل.وتقول الأمم المتحدة إنه أصيب حوالي 330 طفلاً في مطلع هذا العام والآلاف شردوا واضطروا إلى اللجوء إلى الحدود الغربية مع دولة تشاد بسبب هجمات شنتها قوات الدعم السريع.وكان الأمين العام لمجلس رعاية الطفولة بالسودان عبد القادر عبد الله، أعلن أن 71% من أطفال السودان يواجهون مخاطر كبيرة منذ اندلاع الحرب في العام 2023، وتتضمن هذه المخاطر عمل الأطفال، إذ يعمل حوالي 14% من الأطفال لفقدان الأسر للمعيل، كما أن التجنيد للأطفال في النزاع بلغ نسبة 10%، وتمثل نسبة الأطفال فاقدي الرعاية حوالي 2%، كما بلغ عدد الأطفال خارج سور التعليم حوالي 15 مليون طفل، وأكثر من 1.5 مليون طفل من ذوي الإعاقة جراء القصف، ومقتل حوالي 3000 طفل أثناء النزوح.الأزمة وإمكانيات المدارسوأجمع عدد من المعلمين والمعلمات على أن فقدان الأطفال للرعاية النفسية وغياب دور وزارة التربية والتعليم في وضع خطط للتعافي يضاعف من أزمات الأطفال النفسية، مما يؤثر على التحصيل الأكاديمي وهذا ما لاحظوه بعد عودة عدد من المدارس للعمل، مشيرين إلى أن الأزمة أكبر من إمكانيات المدارس التي تفتقر لكل أجواء التعافي، ووجهوا بضرورة إجراء مسح من قبل وزارة الصحة والتربية والتعليم على المدارس بمراحلها المختلفة إنقاذاً لمستقبل التلاميذ. The post انعكاسات حيّرت المدارس.. كيف غيّرت الحرب سلوك الأطفال في السودان؟ appeared first on صحيفة مداميك.