إدوارد كورنيليويُطرح السؤال كل مرة بهدوء مريب، كأنه اتهام صامت: ما الذي يدفع إنساناً أنهكه يوم عمل طويل إلى أن يجلس في آخر الليل ليقرأ رواية لا تطعمه، أو ليصغي إلى قصيدة لا تدفع عنه فاتورة، أو ليتابع مسرحية لا تغير من واقعه شيئاً ملموساً ؟ في عيون البعض يبدو الأمر ترفاً، هروباً نبيلاً من ضغط الحياة. لكن التجربة تقول العكس تماماً؛ نحن لا نلجأ إلى الأدب رغم الواقع، بل بسببه.انظر إلى طريقة عيشنا اليوم. أغلبنا يعمل في وظائف مجزأة؛ جزء صغير من عملية كبيرة لا يرى نهايتها ولا يملك قرارها. عامل يركب مسماراً، موظف يرد على رسائل، سائق يعيد نفس الطريق، معلمة تشرح الدرس ذاته لثلاثين وجهاً مختلفاً. العمل تحول إلى تكرار بلا ملامح، إلى جهد يُباع بالساعة ويُستنزف حتى آخره. وفي المقابل، يُطلب منا أن نكون “منتجين” فقط. أن نأكل، أن ندفع، أن ننام، ثم نعود. شيئاً فشيئاً يحدث شرخ داخلي؛ الإنسان يبتعد عن فعله، وعن زملائه، وعن إحساسه بأنه كائن كامل له تاريخ ومصير. يصبح جسداً يتحرك بلا سؤال، وذاكرة تخزن مواعيد لا وجوه.هنا يظهر الأدب كمحاولة لترميم ذلك الشرخ. الرواية تمنحك في ليلة واحدة عمراً كاملاً، بأفراحه وخيباته وتفاصيله الصغيرة التي لا يلتفت إليها أحد. المسرح يضع أمامك مصائر متعددة في ساعتين، كأنك عشت حيوات لم تُتح لك. القصيدة تكثف في سطر واحد إحساساً كان سيضيع منك وسط الضجيج. الأدب لا يضيف خبزاً إلى المائدة، لكنه يعيد للإنسان إحساسه بأنه أكثر من يد عاملة. يعيد له الكلية التي سلبها منه نمط العيش؛ إحساسه بأنه يفكر، ويحلم، ويخطئ، ويختار.لكن المسألة ليست نفسية فقط. للأدب وظيفة اجتماعية خطيرة. كل مجتمع ينتج قصصه التي تبرر طريقة عيشه. ستجد قصصاً تمجد الفرد الذي “صنع نفسه بنفسه” وكأن الفقر مسألة كسل شخصي، وكأن الغنى فضيلة أخلاقية. وستجد أعمالاً تصور الحب أو الصدفة كحل سحري لكل أزماتنا. هذا النوع من الحكي يريح السلطة؛ لأنه يحول المشاكل الجماعية إلى دراما فردية. يجعلك تبكي على بطل ثم تعود إلى مكانك راضياً، مقتنعاً أن التغيير يبدأ من “تطوير الذات”.وفي المقابل، هناك أدب آخر. أدب يفضح. يريك العامل في المصنع وهو يحصي أنفاسه بين وردية وأخرى، واللاجئ في المخيم وهو يبني بيتاً من الكراتين، والمرأة التي تحمل البيت فوق ظهرها وتُطلب منها ابتسامة إضافية. لا يقدم حلولاً جاهزة، لكنه يسمي الأشياء بأسمائها. وحين تُسمى الأشياء يتغير وعيك بها. وحين يتغير وعيك يتغير سلوكك. التاريخ مليء بأمثلة؛ روايات هزت ضمائر أمم، ومسرحيات أشعلت أسئلة في منتصف الليل، وقصائد صارت هتافاً في الشارع. الأدب لا يهدم جداراً بيده، لكنه يغير الطريقة التي ننظر بها إلى الجدار؛ وهذا وحده بداية الهدم.يقول البعض إن الإنسان يبحث في الأدب عن منفعة خفية أو عن وهم جميل. والحقيقة أن الوهم هو الاعتقاد بأن بإمكاننا العيش بواقع مختزل إلى الأكل والشرب والبقاء. الإنسان كائن يصنع ويخلق ويسأل. غريزته ليست أن يبقى حياً فقط، بل أن يرى نفسه في ما يصنع. حين تُسلب منه فرصة أن يرى معنى في عمله اليومي، سيبحث عن المعنى في مكان آخر. وحين تُغلق أمامه أبواب التغيير في الشارع، سيفتحها في الخيال. ليس لأن الخيال بديل عن الفعل، بل لأنه تدريب عليه. تدريب على أن نرى العالم كما يمكن أن يكون، لا كما هو مفروض علينا.تأمل كيف يشتغل الشعر تحديداً. يأخذ اللغة اليومية الميتة ويعيد لها نبضها. يأخذ الكلمات التي استهلكتها الإعلانات والخطابات ويجبرها على قول شيء جديد. المسرح يفعل الشيء نفسه بالجسد؛ يعيد للجسد حضوره بعد ساعات من الجلوس أمام شاشة. الرواية تفعلها بالزمن؛ تمنحك زمناً كثيفاً في وقت قصير، عكس زمن العمل الممتد الفارغ. كلها محاولات لاسترداد حواسنا التي تبلدت.ولهذا لا يمكن فصل الأدب عن ظروفنا المادية. ليس مصادفة أن تزدهر الرواية في أزمنة الأزمات، وأن يتحول الشعر إلى سلاح حين تضيق اللغة الرسمية. في أوقات الحروب والمجاعات والهجرات الكبرى، يصبح الحكي ضرورة مثل الماء. الناس لا يحكون فقط ليتسلوا؛ يحكون ليثبتوا أنهم كانوا هنا، وأن ما حدث لهم له معنى، وأنهم لم يكونوا مجرد أرقام في تقرير.الأدب مرآة، وأحياناً مطرقة. يكشف لنا قبح ما نعيشه، ويمنحنا في الوقت نفسه صورة لإنسان كامل لم نصادفه بعد في حياتنا. يريك الخوف كما هو، لا كما يصوره النشرات. يريك الفقر بلا تجميل، ويريك المقاومة بلا شعارات. ويفعل ذلك بلغة لا تأمرك مباشرة، بل تتركك وحدك مع السؤال. وهذا هو الخطر الحقيقي فيه؛ أنه لا يعطيك جواباً، بل يعلمك كيف تسأل.لب الأمر بسيطة ومؤلم: نحن لا نقرأ لأننا لا نملك ما نفعله. نقرأ لأن ما نفعله كل يوم قد جردنا من أنفسنا. نذهب إلى الحكاية لنستردها. نذهب إلى الشعر لنسترد لغتنا. نذهب إلى المسرح لنتذكر أن بإمكان العالم أن يكون غير هذا. نذهب لأننا، في أعماقنا، نرفض أن نُختزل إلى وظيفة.وحين يأتي يوم يصبح فيه عمل الإنسان حراً، وحين يستعيد قدرته على أن يرى نفسه في ما يصنع، لن يحتاج الأدب كهروب. سيصبح الأدب هو الحياة نفسها، مكتوبة بصوت عالٍ. لن نقرأ عن البطولة لأننا سنمارسها. لن نبحث عن معنى في قصيدة لأن معنى أيامنا سيكون واضحاً. لكن إلى أن يأتي ذلك اليوم، سنظل نعود إلى الكتب. لا لأننا نحب الهروب، بل لأننا نرفض أن ننسى من نحن.The post لماذا نقرأ ونحن جائعون؟ appeared first on صحيفة مداميك.