في عيد الجيش السوداني: هل ينتصر الفريق البرهان للوطن؟

Wait 5 sec.

مهدي داود الخليفةفي الرابع عشر من أغسطس من كل عام، يحتفل السودانيون بعيد القوات المسلحة، وهي مناسبة وطنية تتجاوز الاحتفال بمؤسسة عسكرية إلى استحضار محطة مهمة في تاريخ بناء الدولة السودانية الحديثة. ففي مثل هذا اليوم من عام 1954 بدأت عملية سودنة القوات المسلحة، وتولى أول قائد سوداني قيادة قوة دفاع السودان، لتنتقل المؤسسة العسكرية تدريجياً إلى موقعها بوصفها إحدى مؤسسات الدولة الوطنية التي يفترض أن تحمي استقلال السودان وسيادته ووحدته.غير أن عيد الجيش في عامه الثاني والسبعين يأتي والسودان يعيش واحدة من أقسى المراحل في تاريخه الحديث. فالحرب التي اندلعت في أبريل 2023 تدخل عامها الرابع، فيما انهارت قطاعات واسعة من الاقتصاد، وتعطل التعليم، وتدهورت الخدمات الصحية، ودُمرت المستشفيات والمرافق العامة، وتشرد الملايين داخل البلاد وخارجها، وفقد ملايين السودانيين مصادر رزقهم وبيوتهم، وأصبح المواطن يبحث عن الأمان في وطن كان يفترض أن يكون ملاذه الأول والأخير.وفي هذه المناسبة الوطنية، يفرض الواقع سؤالاً لا ينبغي تجنبه:هل ينتصر الفريق أول عبد الفتاح البرهان، القائد العام للقوات المسلحة، للوطن؟إن الإجابة عن هذا السؤال لا تُقاس فقط بنتائج العمليات العسكرية، ولا بعدد المدن والمواقع التي يمكن استعادتها أو الاحتفاظ بها، وإنما بمدى قدرة القيادة السياسية والعسكرية على إنقاذ السودان من حرب استنزفت الدولة والمجتمع، ودفعت المواطن إلى دفع ثمن باهظ، وتهدد وحدة البلاد ومستقبلها.ولا مجال للشك في أهمية القوات المسلحة بوصفها مؤسسة وطنية عريقة، ولا في ضرورة الحفاظ على وحدتها وقوتها ومهنيتها. كما أن الدعوة إلى إنهاء الحرب والعودة إلى الحكم المدني الديمقراطي لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها موقفاً معادياً للجيش. السودان الذي نريده يحتاج إلى جيش وطني قوي ومحترف وموحد، يحمي الحدود والسيادة ويصون الدولة، لكنهجيش الدولة لا جيش السياسة،وجيش الشعب لا جيش حزب أو جماعة.ومن هذا المنطلق، فإن الفريق البرهان أمام مسؤولية تاريخية وفرصة ربما لا تتكرر.فإذا كان يؤكد دائما أن الشعب السوداني هو صاحب الحق في تقرير مستقبله واختيار قيادته، فإن الاختبار الحقيقي لهذا المبدأ ليس في التصريحات، وإنما في القرارات التي تُتخذ في لحظة الحرب. والقرار الأكثر انسجاماً مع هذا المبدأ هو العمل الجاد، وبإرادة سياسية واضحة، على وقف الحرب وفتح الطريق أمام حوار سوداني شامل لا يستثني إلا من تثبت مسؤوليته الجنائية، ولا يفرض مسبقاً نتائج سياسية على السودانيين.وقد يكون من الضروري هنا التوقف عند مسألة الثقة. فقد شهدت السنوات الماضية تعهدات واتفاقات ومواقف سياسية وعسكرية لم تجد طريقها دائماً إلى التنفيذ، الأمر الذي جعل الشارع السوداني أكثر تشككاً في الوعود وأكثر مطالبة بأفعال قابلة للتحقق. ولذلك فإن أي مبادرة جديدة لن تستعيد ثقة السودانيين بمجرد إعلانها، وإنما بوضوح التزاماتها، وضمانات تنفيذها، وآليات مراقبتها، وربطها بجدول زمني محدد.إن وقف الحرب لا يعني الاستسلام، كما أن التفاوض لا يعني التنازل عن حقوق الدولة أو التفريط في السيادة. بل إن وقف الحرب، إذا اقترن بضمانات حقيقية وترتيبات أمنية واضحة، يمكن أن يكون مدخلاً لإنقاذ ما تبقى من مؤسسات الدولة، وحماية المدنيين، ووقف النزيف البشري والاقتصادي، وتهيئة الظروف لاستعادة الحياة الطبيعية.وإذا كانت الظروف الأمنية والسياسية تجعل بداية الحوار خارج السودان أكثر واقعية، فلا ينبغي أن يتحول مكان الحوار إلى قضية مبدئية. يمكن أن يبدأ خارج البلاد لبناء الثقة وتهيئة المناخ، ثم ينتقل إلى الداخل عندما تسمح الظروف. فالمعيار الحقيقي ليس مكان التفاوض، وإنما قدرته على الوصول إلى غايته: إنهاء الحرب، وبناء السلام،واستعادة الدولة،وفتح الطريق أمام التحول المدني الديمقراطي.إن اللحظة الراهنة لا تحتاج إلى انتصار طرف على طرف بقدر ما تحتاج إلى انتصار السودان على الحرب.وأعظم قرار يمكن أن يتخذه الفريق البرهان في عيد الجيش ليس قراراً عسكرياً جديداً، وإنما قرار وطني شجاع يضع نهاية سياسية للحرب، ويقول بوضوح إن القوات المسلحة، التي نشأت لحماية الوطن، لن تسمح بأن تتحول الحرب إلى قدر دائم على الشعب السوداني.لكن إنهاء الحرب لا يكفي وحده. فلا بد أن يتبعه مسار سياسي واضح يعيد السودان إلى الحكم المدني الديمقراطي، ويؤسس لمرحلة انتقالية جديدة أكثر نضجاً وصلابة من التجربة السابقة.ولا تعني العودة إلى الحكم المدني إعادة إنتاج المرحلة الانتقالية التي سبقت الحرب بكل عيوبها واختلالاتها. المطلوب هو بناء نظام انتقالي جديد على أساس دستوري متوافق عليه، يعيد السلطة إلى المدنيين، ويضع حداً واضحاً لتدخل القوات المسلحة والأجهزة النظامية في العمل السياسي، ويؤسس لإصلاح أمني وعسكري شامل يؤدي في نهاية المطاف إلى جيش وطني واحد ومؤسسة أمنية واحدة تحت سلطة الدولة والقانون.كما لا يمكن بناء سلام مستدام من دون عدالة. فالسلام الذي يقوم على الإفلات من العقاب لن يكون سلاماً دائماً، وإنما هدنة مؤقتة قابلة للانفجار من جديد. ولذلك ينبغي أن تشمل المرحلة المقبلة آليات حقيقية للعدالة الانتقالية والمساءلة عن الانتهاكات والجرائم، أياً كان مرتكبوها وأياً كانت مواقعهم أو انتماءاتهم.وفي هذا السياق، فإن هناك خطوة سياسية وقانونية لا تقل أهمية عن غيرها، ويمكن للفريق البرهان أن يتخذها من موقعه، وهي مراجعة وإلغاء كل التهم والبلاغات والأوامر التي وُجّهت إلى القيادات السياسية والمدنية والمواطنين بسبب مواقفهم الرافضة للحرب أو تعبيرهم السلمي عن آرائهم السياسية، متى ثبت أن هذه الإجراءات لم تكن تستند إلى جرائم جنائية حقيقية، وإنما استُخدمت كأداة للصراع السياسي أو لتخويف المعارضين وإسكات الأصوات الداعية إلى السلام.إن إعلاناً واضحاً بهذا المعنى سيكون له أثر يتجاوز الجانب القانوني؛ لأنه سيبعث برسالة قوية إلى السودانيين بأن الدولة لا تعاقب مواطنيها على مواقفهم السياسية، وأن الاختلاف في الرأي ليس جريمة، وأن الدعوة إلى السلام لا ينبغي أن تكون سبباً للملاحقة أو الاتهام.ولا يعني ذلك، بطبيعة الحال، إسقاط المسؤولية الجنائية عن أي شخص تثبت مشاركته في جريمة أو انتهاك، أياً كان موقعه أو انتماؤه. فالمعيار يجب أن يكون القانون والأدلة والمحاكمة العادلة، لا الموقف السياسي من الحرب. ومن ثم، فإن المطلوب ليس عفواً سياسياً شاملاً، وإنما تنقية المجال السياسي من التهم ذات الدوافع السياسية، وإعادة كل قضية جنائية حقيقية إلى مسارها القضائي الطبيعي.ومن شأن هذه الخطوة أن تفتح الباب أمام مناخ أكثر ملاءمة للحوار الوطني، وأن تعيد الثقة إلى القوى السياسية والمدنية، وأن تؤكد أن الدولة تتسع للرأي المختلف، وأن الانتقال من الحرب إلى السلام لا يمكن أن يتم بعقلية الخصومة والتخوين والملاحقة.وفي السياق ذاته، فإن حماية الدولة من عودة النظام السابق وممارساته تقتضي إبعاد كل من ثبت انتماؤه التنظيمي أو تورطه في تقويض التحول الديمقراطي عن مؤسسات الدولة والقوات النظامية، وإعادة كل من يواجه اتهامات أو أحكاماً قضائية إلى مسار العدالة، بما في ذلك رموز النظام السابق الموجودون خارج السجون، وفق القانون والمحاكمات العادلة.ولا ينبغي أن تتحول هذه العملية إلى انتقام سياسي أو إقصاء جماعي، وإنما إلى تطبيق للقانون على الأفراد، وفق المسؤولية والأدلة.السودان لا يستطيع أن يبدأ مستقبله بينما تظل مؤسسات الدولة ساحة للتنافس الحزبي، ولا يستطيع أن يستعيد عافيته بينما تتعدد مراكز القوة المسلحة خارج الإطار المؤسسي للدولة.ومن هنا، فإن استعادة روح ثورة ديسمبر المجيدة لا تعني إعادة إنتاج الماضي، وإنما استعادة جوهر مطالبها: الحرية والسلام والعدالة، وبناء دولة مدنية ديمقراطية يسود فيها القانون، وتكون فيها القوات المسلحة مؤسسة وطنية محترفة، بعيدة عن الصراع السياسي، ومهمتها حماية الشعب والدستور والسيادة الوطنية.لقد دفع الشعب السوداني ثمناً لا يمكن تجاهله. فقد قُتل المدنيون، وشُرد الملايين، وتفككت الأسر، ودُمرت المدن، وتوقفت المدارس والمستشفيات والمصانع والمزارع، وتراجعت الدولة إلى حدود غير مسبوقة من الضعف.ولا يجوز أن يكون كل هذا الألم مقدمة لحرب أطول أو لتسوية تعيد إنتاج الأسباب التي قادت إلى الحرب.إن مخاطبة الفريق البرهان في هذه المناسبة تأتي من موقع الحرص على السودان، لا من موقع الخصومة. وهي مخاطبة باسم الشهداء، والأمهات الثكالى، والأطفال الذين وجدوا أنفسهم في معسكرات النزوح واللجوء، والملايين الذين فقدوا منازلهم وأعمالهم ومدارسهم ومستقبلهم.هؤلاء لا يريدون المزيد من الخطب والوعود. يريدون أفعالاً.يريدون أن تتوقف الحرب، وأن يعود أطفالهم إلى المدارس، وأن تفتح المستشفيات أبوابها، وأن تعود الأسواق والمصانع والمزارع إلى العمل، وأن يعود النازحون إلى ديارهم، وأن يشعر المواطن بأن الدولة موجودة لحمايته وخدمته، لا لإدارة حرب لا يعرف متى تنتهي.والفريق البرهان، بحكم موقعه، يستطيع أن يجعل من عيد الجيش الثاني والسبعين نقطة تحول في تاريخ السودان.يستطيع أن يعلن التزاماً واضحاً بوقف الحرب، وأن يفتح الباب أمام حوار سوداني شامل، وأن يقبل بآليات وضمانات تضمن تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه، وأن يضع مع القوى السودانية أساساً لمسار سياسي يعيد السلطة إلى الشعب، ويعيد الجيش إلى دوره الوطني، ويمهد لانتقال مدني ديمقراطي جديد.وقد لا يكون هذا الطريق سهلاً، لكنه الطريق الذي يمكن أن يحفظ للفريق البرهان مكاناً مختلفاً في تاريخ السودان: ليس باعتباره قائداً عسكرياً أطال أمد الحرب، وإنما قائداً امتلك شجاعة إنهائها عندما أدرك أن الوطن أصبح أكبر من المعركة.فالشجاعة السياسية لا تكون دائماً في مواصلة القتال؛ أحياناً تكون في القدرة على اتخاذ القرار الصعب عندما يصبح استمرار الحرب تهديداً للوطن نفسه.ولذلك فإن عيد الجيش هذا العام ينبغي أن يكون مناسبة لإعادة تعريف معنى الانتصار.الانتصار الحقيقي ليس أن ينتصر الجيش على خصمه، وإنما أن ينتصر السودان على الحرب.وليس المطلوب سوداناً بلا جيش، كما أنه ليس المطلوب جيشاً يحكم السودان.المطلوب جيش وطني قوي ومحترف وموحد يحمي السودان، ودولة مدنية ديمقراطية تحكمها إرادة الشعب والقانون.وإذا استطاع الفريق البرهان أن يفتح هذا الطريق، فإن ملايين السودانيين لن ينظروا إلى قراره باعتباره تراجعاً أو هزيمة، وإنما باعتباره موقفاً وطنياً شجاعاً، لأن أعظم انتصار للقائد ليس أن يكسب معركة، بل أن ينقذ وطنه من حرب تهدد وجوده.وسيذكر التاريخ، عندها، أن قائداً عسكرياً وقف في واحدة من أصعب لحظات السودان، ولم يسأل فقط: كيف ننتصر في الحرب؟ بل امتلك شجاعة أن يسأل السؤال الأهم:ماذا يحتاج الوطن؟والجواب الذي ينتظره السودانيون اليوم واضح:يحتاج السودان إلى السلام، وإلى دولة مؤسسات، وإلى حكم مدني ديمقراطي، وإلى جيش وطني موحد ومحترف، وإلى عدالة لا تستثني أحداً، وإلى مستقبل يختاره أبناؤه بأنفسهم.فليكن عيد الجيش هذا العام بداية لهذا الطريق.وليجعل الله من هذه المناسبة الوطنية بداية لنهاية الحرب، وعودة النازحين واللاجئين، واستعادة الدولة، وفتح الطريق أمام السودان الذي حلم به أبناؤه طويلاً:سودان موحد، حر، ديمقراطي، يسع جميع أبنائه.The post في عيد الجيش السوداني: هل ينتصر الفريق البرهان للوطن؟ appeared first on صحيفة مداميك.