رئيس القطاع القانوني للتجمع الاتحادي وعضو اللجنة القانونية لصمود: “البرهان” ودون شرعية دستورية وقانونية قام بتعيين محكمة دستورية  رئيسها عيّنه “البشير” في 2014

Wait 5 sec.

يضع رئيس القطاع القانوني للتجمع الاتحادي وعضو تحالف “صمود”، الأستاذ “عبد القادر البدوي رحمة الله” المحامي، بنية القضاء الدستوري في السودان تحت المجهر. كاشفاً عبر هذا الحوار عن جذور انحياز المحكمة الدستورية للسلطة التنفيذية منذ عهد “الإنقاذ”، ومفنداً الأسانيد الدستورية والشرعية لقرارات “عبد الفتاح البرهان” الأخيرة بتعيين رئيس وأعضاء المحكمة، والتي يعتبرها خطوة لتمكين عناصر النظام البائد ومصادرة استقلالية العدالة.حوار | يوسف النعمة أستاذ “البدوي” قبل التطرّق إلى تعيين المحكمة الدستورية الأخيرة.. لنبدأ بالوقوف عند لمحات تؤسّس لمعرفة استقلالية المحكمة الدستورية، بما في ذلك فترة عهد الإنقاذ، هل كانت لتعزيز الرقابة الدستورية، أم أدت في الواقع إلى تغيير هيكل السلطة القضائية وإيجاد درجة جديدة للتقاضي فوق المحكمة العليا؟ من المهم تقديم لمحة تاريخيّة عن القضاء الدستوري منذ استقلال السودان إلى عهد “البرهان”، فمنذ الاستقلال وحتى نظام الإنقاذ في 30 يونيو 1989، كان القضاء الدستوري يُمارس من خلال دائرة دستورية ضمن دوائر المحكمة العليا.وكانت المحكمة العليا تتكون من (5) دوائر رئيسية وهي (الدائرة المدنية، الدائرة الجنائية، دائرة الأحوال الشخصية، الدائرة الإدارية والدائرة الدستورية)، وكانت هذه الدوائر جميعها تعمل تحت إشراف رئيس القضاء باعتباره رئيس المحكمة العليا.بعد انقلاب الإنقاذ في 30 يونيو 1989، صدر دستور 1998، والذي نص على تشكيل محكمة دستورية مستقلة عن السلطة القضائية، وتم ابتدار قانون ينص على طريقة تشكيل المحكمة الدستورية، وطريقة تعيين رئيس وأعضاء واختصاصاتها، والإجراءات التي تتبعها من أحكام باعتبارها جسم مستقل.أما نظام الإنقاذ فقد أراد بتشكيل محكمة دستورية مستقلة عن السلطة القضائية، أن تكون هناك درجة ثالثة للتقاضي، وهذا يتضح من اختصاصها المنصوص عليه في قانونها، حيث أصبحت المحكمة الدستورية تقوم بمراجعة أحكام المحكمة العليا، والتي كان من المفترض أن تكون أحكامها نهائية ونافذة فور صدورها، وأصبحت بذلك المحكمة الدستورية تنظر في قضايا المواريث، والقضايا الجنائية والمدنية، بالرغم من أن مهمتها الأساسية والرئيسية كمحكمة دستورية، هي الرقابة لدستورية القوانين وحماية الحقوق والحريات الأساسية، والفصل في النزاعات الدستورية. هذا يعنى ذلك أن استقلال المحكمة الدستورية منذ عهد الإنقاذ، لم يكن متوفراً، من منطلق أن من يملك قرار تعيينها، يملك عملياً مفاتيح تعيين قضاتها وعزلهم وتحديد أوضاعهم، وبالتالي القول إن تجربة المحكمة الدستورية في عهد الإنقاذ كشفت عن مشكلة انعدام استقلال القضاء الدستوري عن السلطة التنفيذية؟ بدء تشكيل المحكمة الدستورية كمحكمة مستقلة عن السلطة القضائية، كان القصد منه خدمة نظام الإنقاذ وحمايته من تغول السلطة القضائية على قراراته وأفعال منسوبيه.واتضح ذلك ابتداءً من القانون الذي يحكمها، إذ منح قانون المحكمة الدستورية حق تعيين وعزل رئيسها وأعضائها لرئيس الجمهورية، وهو نفسه الذي يحدد مخصصاتهم، ويرفع عنهم الحصانة، ويقوم بمساءلتهم، وهذا وفقا لنصوص القانون الذي يحكم المحكمة الدستورية.وبالتالي فإن أمر المحكمة الدستورية وقضاتها أصبح بيد رئيس الجمهورية، الأمر الذي يجعل من المستحيل لقضاة المحكمة أنهم يصدروا أي أمر مناهض أو سالب في مواجهة قرارات رئيس الجمهورية، أو السلطة التنفيذية التي يرأسها.وما يؤكد على ذلك القرارات المخزية التي أصدرتها المحكمة الدستورية خلال سنوات حكم الإنقاذ، منها على سبيل المثال، لا الحصر ما أشار إليه مولانا “سيف الدولة حمدنا الله” في مقال سابق عن الدعوى التي أقامتها صحيفة مسارات ضد جهاز الأمن، وقضت فيها المحكمة الدستورية بأن الرقابة المسبقة على النشر بواسطة جهاز الأمن تعتبر سلطة دستورية،والقضية المرفوعة من “فاروق محمد إبراهيم” ضد جهاز الأمن، والتي ذكرت فيها المحكمة الدستورية أن جرائم التعذيب تسقط بالتقادم، وأن التعذيب له مرجعية إسلامية.وأيضاً قضية “عمار نجم الدين” ضد جهاز الأمن، حيث ذكرت المحكمة الدستورية في حكمها أن فترة السنة التي يمضيها المواطن في الاعتقال تعتبر مدة معقولة.وكذلك قضية “فاروق أبو عيسى” و”أمين مكي مدني” ضد جهاز الأمن، حيث ذكرت بأنه من الجائز منع المقبوض عليه من إخطار محاميهم.وأيضاً قضية “وجدي صالح” وآخرين ضد جهاز الأمن، حيث قررت بأن تفريق المظاهرات واعتقال المتظاهرين ليس فيه مخالفة للدستور.وغني عن البيان، بدلاً من أن تحمي المحكمة الدستورية الحقوق والحريات المنصوص عليها بالدستور، وحريات التعبير والتنقل، وخلافها، فإنها قررت بالحكم لصالح من قام بانتهاك تلك الحريات، وهو جهاز أمن الإنقاذ، ومساندة بذلك الظالم على المظلوم. وهذا يبيّن بلا شك حماية المحكمة الدستورية للنظام في انتهاكاته للحقوق والحريات الواردة بالدستور. معنى ذلك أن “الإنقاذ” حوّلت المحكمة الدستورية إلى غطاء قانوني لتجاوزاتها، فما المعالجات التي طرحتها الوثيقة الدستورية في العام 2019 لتقيد يد السلطة التنفيذية عبر مجلس القضاء العالي.. وضمان حياد العدالة الناجزة، وكذلك لضمان الفصل بين السلطات؟ نصت الوثيقة الدستورية في الفترة الانتقالية لسنة 2019 بشأن المحكمة الدستورية في المادة (31) على أن تنشأ محكمة دستورية مستقلة عن السلطة القضائية، تختص برقابة دستورية القوانين والتدابير وحماية الحقوق والحريات والفصل في النزاعات الدستورية.كما نصت المادة (12) من الوثيقة بأن يتم اعتماد تعيين رئيس وأعضاء المحكمة الدستورية بواسطة مجلس السيادة بعد ترشيحهم بواسطة مجلس القضاء العالي.ونصت المادة (29) أن ينشأ مجلس القضاء العالي ويحدد القانون تشكيله واختصاصاته وسلطاته، ومما تقدم بين طريقة تشكيل المحكمة الدستورية واختصاصاتها، قد نص عليه دستور الفترة الانتقالية بوضوح، حيث إن مجلس السيادة لا سلطة له في تعيين رئيس وأعضاء المحكمة الدستورية، وكل سلطته تنحصر في اعتماد التعيين الذي يتم الترشيح له بواسطة مجلس القضاء العالي.والهدف من ذلك بألا تكون للسلطة التنفيذية أي سلطة على أعضاء الأجهزة العدلية، وهذا يدعم مبدأ استقلاليتهم عن السلطة التنفيذية، وهو أمر لازم لاستقلال الأجهزة العدلية جميعها.. أمام هذا التغوّل الذي تأسست عليه هذه الممارسات.. أين مجلس القضاء العالي ومساهمته في مطلوبات إصلاح الجهاز القضائي والدستوري، بما في ذلك الإصلاح التشريعي للقوانين التي تحكم الأجهزة العدلية؟ حتى تكتسب هذه السلطات الاستقلالية وفق الإصلاح المؤسسي اللازم لها؟ مجلس القضاء العالي، هو الجسم الذي يرشح رئيس وأعضاء المحكمة الدستورية، ويتم تشكيل المجلس بقانون ينص على طريقة تشكيله واختصاصاته، وقد كان هناك مجلس للقضاء العالي قبل انقلاب “البشير” في 1989، يرأسه رئيس القضاء، ويضم بجانب نوابه، كل من وزير العدل والمالية، ونقيب المحامين، ومن ضمن اختصاصاته ترشيح رئيس القضاء ونوابه وقضاة المحكمة العليا وقضاة المحكمة الدستورية، والمصادقة على تعينات القضاة وترقياتهم وعزلهم، وهذا كله بهدف تكريس استقلالية الأجهزة العدلية، وعدم تبعيتها للسلطة التنفيذية.وبعد انقلاب “البشير” وبعد صدور دستور 2005، تم إلغاء مجلس القضاء العالي واستبداله بمفوضية الخدمة القضائية التي لا تزال موجودة حتى الآن، وبعد سقوط نظام “البشير”، نصت الوثيقة الدستورية على استعادة مجلس القضاء العالي ليتولى أمر الأجهزة العدلية، ومنها المحكمة الدستورية، بما يضمن استقلاليتها واستبعاد سيطرة السلطة التنفيذية عليها.ولما كانت الأجهزة العدلية نفسها قد تعرّضت لهزات عنيفة وتدخلات مؤلمة ومباشرة في شؤونها من قبل سلطة الإنقاذ على مدار 30 عاماً التي حكمت فيها البلاد، مما أدى إلى إضعاف وتضييق دورها المنشود واتخاذها أداة للقبض والتنكيل بخصومها، فإن الوثيقة الدستورية تنص في المادة (8-5) منها على العمل على إصلاح الأجهزة العدلية.وتمخض عن هذا النص قانون مفوضية إصلاح الأجهزة العدلية لسنة 2020. ومن ضمن مهام المفوضية الإصلاح التشريعي للقوانين التي تحكم الأجهزة العدلية، ومن ضمنها قانون مجلس القضاء العالي، وقانون المحكمة الدستورية، حيث يمنحها الاستقلال الحقيقي ويلغي سيطرة السلطة التنفيذية عليها، وللوصول إلى الإدارة المؤسسية لهذه الأجهزة.ولذلك لم يكن من الممكن تشكيل محكمة دستورية قبل صدور قانون يحدد طريقة تشكيلها واختصاصاتها، ولم يكن من الممكن أيضاً تشكيل المجلس الأعلى للقضاء قبل صدور قانون يحدد طريقة تشكيله واختصاصاته، وبالرغم من أن المفوضية التي تختص بإصدار القوانين المشار إليها، قد صدر قانونها، إلا أن منسوبي النظام البائد الذين كانوا لا يزالون يسيطرون على الأجهزة العدلية، وتواطؤ رئيسة القضاء السابقة معهم، قد عرقلوا تشكيل المفوضية حتى قيام انقلاب البرهان في 25 أكتوبر 2021، وبالتالي فإن الأجهزة العدلية لن ينصلح حالها ولن تكتسب الاستقلالية والإصلاح المؤسسي فيها، ما لم يتم إصلاحها وفق الخطوات التي اختطتها ثورة ديسمبر، والتي ذكرناها فيما يتعلق بالوثيقة الدستورية وما نصت عليه. بالنظر إلى كل ما سبق، ما هو السند الدستوري والقانوني الذي أتاح اليوم إنشاء وإعادة تشكيل المحكمة الدستورية وتعيين رئيسها وأعضائها، مع النظر إلى انقلاب 25 أكتوبر 2021، الذي عطّل الوثيقة الدستورية وإلغى بعض الأحكام الجوهرية فيها؟ المحكمة التي أنشأها مؤخراً رئيس حكومة بورتسودان، وسلطة الأمر الواقع، “عبد الفتاح البرهان” وتعيين الدكتور “وهبي محمد مختار” رئيسا للمحكمة الدستورية، هو نفسه الشخص الذي سبق أن تم تعيينه بواسطة الرئيس المخلوع “عمر حسن أحمد البشير” في 11 من نوفمبر 2014 رئيسا للمحكمة الدستورية.واستمرت ولايته حتى بعد سقوط نظام “البشير”، وهذه المحكمة “سيئة الذكر” قد مارست مهامها حتى انتهاء ولايتها في 17 من يناير 2020، وقد أصدرت آخر قرار لها في نوفمبر 2019، حيث قررت بعدم قانونية الاعتقال أو القبض على مساعدي البشير “نافع علي نافع” و”أحمد هارون”، وأمرت بالإفراج عنهما، وبالفعل شرعت سلطات سجن كوبر في عملية الإفراج، لولا تدخل النيابة العامة وطلبها للمتهمين، باعتبار أن الأول متهم في بلاغ انقلاب الإنقاذ في 30 يونيو 89، وبلاغات أخرى تتعلق بقتل وتعذيب معتقلين.والثاني بوجود طلب تسليم بشأنه من المحكمة الجنائية الدولية لارتكاب جرائم حرب في دارفور. وهذا يقودنا إلى أنه السيد “وهبي” لا يزال يدين بالولاء والطاعة لنظام الإنقاذ، ويمارس حمايته عن طريق الاستخدام السيء لسلطات المحكمة الدستورية.ثم أصدر “البرهان” قراراً ثانياً بتعيين (5) أعضاء للمحكمة الدستورية، (2) منهم كانا ضمن أعضاء المحكمة السابقة المنتهية ولايتها. وهذا يؤكد سعي “البرهان” لتمكين عناصر الإنقاذ بالمحكمة الدستورية وكأن شيئا لم يكن.وقرار “البرهان” بشأن تعيين رئيس وأعضاء المحكمة الدستورية يفتقر للشرعية، إذ إنه استولى على السلطة بالانقلاب في 25 أكتوبر 2021، والذي قام بموجبه بتعطيل عدد من مواد الوثيقة الدستورية لسنة 2019، وهو الدستور الذي منحه الشرعية في الحكم كممثل للجيش مع تحالف إعلان الحرية والتغيير، وبإلغائه للمادة (71) التي تنص على أن الوثيقة الدستورية تستمد شرعيتها من الاتفاق السياسي بين المجلس العسكري وقوى إعلان الحرية والتغيير. وطالما إنه انقلب على قوى إعلان الحرية والتغيير، وألغى المادة التي تستمد منها الوثيقة الدستورية شرعيتها، بالتالي تصبح الوثيقة بلا قيمة ولا وجود لها.بالإضافة إلى أن تعديل الوثيقة الدستورية حسب ما نصت عليه الوثيقة نفسها في المادة (78) منها، إنه لا يتم إلا بموافقة ثلثي المجلس التشريعي. وهذا يقودنا إلى أنه البرهان قد استولى على السلطة بقوة البندقية، وهي التي منحته الشرعية لإعلان نفسه حاكما للسودان، ولا وجود لشرعية بوثيقة دستورية أو غيرها.وبالتالي فإن السلطة التي يمارسها “البرهان” الآن تفتقر إلى الشرعية الدستورية والقانونية، وهذا يقودنا إلى أنه ما قام به من تعديلات للوثيقة الدستورية في 2025، هو أمر منعدم الأثر لأنه بُنيّ على وثيقة دستورية لا وجود لها أصلا بعد الانقلاب عليها، وبالتالي فإن كل القرارات التي تصدر من سلطة غير شرعية تعتبر باطلة مطلقا، وهذا الأمر ينطبق على المحكمة الدستورية التي قام بتعيينها..The post رئيس القطاع القانوني للتجمع الاتحادي وعضو اللجنة القانونية لصمود: “البرهان” ودون شرعية دستورية وقانونية قام بتعيين محكمة دستورية  رئيسها عيّنه “البشير” في 2014 appeared first on صحيفة مداميك.