أحمد قريعي لـ”مداميك”: دينق قوج جزء من الذاكرة السودانية وهذه هي رسالة الكتاب

Wait 5 sec.

الكاتب السوداني الفائز بأول جائزة من نوعها في جنوب السودانأحمد موسى قريعي في حوار مع “مداميك”: مصر صقلت تجربتي المهنية والإنسانيةرأيت في دينق قوج شخصية تستحق أن تُعرفقوج هو جزء من الذاكرة المشتركة للسودان وجنوب السودانالكتابة وحدها لا توقف الحرب لكنها تمنع الحرب التاليةحوار: رندا عليانشغلت الوسائط بفوز الكاتب السوداني الأستاذ احمد موسى قريعي بجائزة دينق قوج للكتابات التوثيقية، ليكون أول سوداني يفوز بهذه الجائزة، وهي أيضا الأولى من نوعها في جنوب السودان، وذلك عن دراسته عن الكاتب والمثقف الجنوب سوداني دينق قوج، وهو حدث هام لا يخلو من دلالات عميقة، إذ يعتبر قريعي واحدا من أبرز الكتاب الذين جمعوا بين عمق المعرفة وغزارة الإنتاج، وقدم للمكتبة السودانية العديد من المؤلفات، منها ضمير الصحافة، وفن الاعلان والصورة الصحفية، ذكريات بائع متجول وغيرها، التقت به “مداميك” عقب إعلان فوزه بجائزة دينق قوج، وأجرت معه الحوار التالي حول الثقافة وقضاياها ودورها في الحرب والسلام:* مع أن تخصصك هو القانون لكنك اتجهت للصحافة، وللكتابة التوثيقية لماذا؟في الحقيقة، لم يكن هناك تعارض بين القانون والصحافة في حياتي، بل كانت لكل منهما قصته. عندما التحقت بكلية القانون بجامعة شندي، كان هدفي أن أصبح أستاذًا للقانون، لأنني كنت أحب التدريس. وبفضل الله تخرجت عام 2003م بتقدير امتياز، لكن الظروف السياسية في السودان آنذاك حالت دون تحقيقي لهذا الحلم، إذ لم تتح لي فرصة العمل في المجال الأكاديمي.بعد أربعة أشهر فقط من تخرجي غادرت إلى مصر، وهناك فتحت الصحافة أمامي بابًا جديدًا، والحقيقة أن ميولي إلى الكتابة كانت أقدم من دراسة القانون نفسها؛ فمنذ المرحلة الابتدائية كنت أحب الكتابة وأدون أفكاري باستمرار، لذلك شعرت أن الصحافة هي المجال الذي يجمع بين شغفي بالكتابة واهتمامي بقضايا الناس، وقد قضيت سنوات طويلة أعمل في بلاط صاحبة الجلالة في مصر، وكانت مدرسة حقيقية صقلت تجربتي المهنية والإنسانية.أما الكتابة التوثيقية، فأعتقد أنها امتداد لطبيعة لازمتني منذ الصغر،كنت أدوّن تفاصيل أيامي وأحتفظ بالمواقف والذكريات، ثم تطور هذا الشغف إلى توثيق سير الشخصيات وتجاربها، لأنني مؤمن بأن الأمم لا تبني مستقبلها من دون أن تحفظ ذاكرتها. ولهذا جاء كتابي عن الراحل دينق قوج، لم أكن أريد أن أكتب سيرة شخصية فحسب، بل أن أوثق تجربة مثقف آمن بأن الكلمة يمكن أن تكون أداة لبناء الوعي وحفظ الذاكرة الوطنية. وأعتقد أن هذا هو المعنى الحقيقي للكتابة التوثيقية: أن تمنح الأشخاص والأفكار فرصة للبقاء، وأن تحمي الذاكرة من النسيان.لماذا دينق قوج، تحديدا؟في الحقيقة، لم أختر دينق قوج لأنه شخصية مشهورة، وإنما لأنني وجدته شخصية تستحق أن تُعرف.أثناء بحثي عن موضوع للكتابة التوثيقية، اكتشفت أن دينق قوج ترك أثرا كبيرا في الصحافة والنشر والتوثيق في جنوب السودان، لكنه لم يحظَ بدراسة علمية توثق مشروعه الفكري والإنساني. شعرت أن هناك فجوة في المكتبة، وأن هذا الرجل أعطى كثيرا لذاكرة وطنه دون أن يجد من يوثق تجربته توثيقا أكاديميا.شدني فيه أيضا أنه لم يكن مجرد صحفي أو ناشر، بل كان مثقفًا عضويًا بالمعنى الحقيقي؛ عاش بين الناس، وانشغل بقضاياهم، وجعل من التوثيق وسيلة لحماية الذاكرة الوطنية، لا مجرد تسجيل للأحداث، وهذه الفكرة قريبة جدًا من قناعتي الشخصية بأن الكلمة مسؤولية، وأن حفظ الذاكرة هو أحد أشكال بناء المستقبل.لذلك لم أكتب عن دينق قوج بوصفه فردا فقط، وإنما باعتباره نموذجا للمثقف الذي يمكن أن يسهم في بناء المجتمع عبر المعرفة والتوثيق والحوار. وأتمنى أن يكون هذا الكتاب بداية لدراسات أخرى عن الشخصيات التي صنعت تاريخ جنوب السودان ولم تنل حقها من البحث والتوثيق.* هل كان من الضروري انفصال الجنوب في دولة مستقلة، حتى يتسنى لنا التعرف على دينق قوج والاحتفاء به؟أعتقد أن الإجابة هي: لا.. دينق قوج لم يبدأ مشروعه الفكري بعد استقلال جنوب السودان، بل بدأه وهو مواطن سوداني قبل الانفصال. فقد كان صحفيًا وكاتبًا وباحثًا في التوثيق، وأسهم في حفظ الذاكرة الاجتماعية والثقافية، وكتب عن الإنسان والمكان وقضايا المجتمع قبل أن تُرسم الحدود السياسية بين السودان وجنوب السودان.في تقديري، الانفصال لم يصنع دينق قوج، وإنما جعل كثيرين ينظرون إلى تجربته من زاوية مختلفة. ولو لم يقع الانفصال، لظل دينق قوج واحدًا من المثقفين السودانيين الذين أسهموا في إثراء الحياة الثقافية والفكرية في السودان الكبير.ما جذبني إليه ليس جنسيته أو موقعه الجغرافي، وإنما مشروعه التوثيقي. فالذاكرة لا تعرف الحدود السياسية، والتوثيق الصادق يبقى جزءًا من التراث الإنساني المشترك.وأظن أن أجمل ما يمكن أن يقدمه هذا الكتاب هو أنه يعيد تقديم دينق قوج للأجيال الجديدة بوصفه كاتبًا وصحفيًا ومثقفًا سودانيًا أسهم في بناء الوعي قبل الانفصال، ثم أصبح بعد قيام دولة جنوب السودان أحد أبرز الأصوات الثقافية فيها. لذلك فإن الاحتفاء به لا ينبغي أن يكون احتفاءً جنوبيًا فقط، بل هو أيضًا جزء من الذاكرة الثقافية المشتركة بين شعبي السودان وجنوب السودان.وربما هذه هي الرسالة الأعمق التي أردت أن يحملها الكتاب: أن الثقافة أوسع من الجغرافيا، وأن الكلمة الصادقة تعيش أطول من الحدود السياسية.* إلى أي مدى تعتقد بجدوى الكتابة في إصلاح ما أفسده الدهر بين السودان وجنوب السودان.. في تعزيز السلام في البلدين وانهاء الحروب إلى الأبد؟أنا مؤمن بأن الكتابة وحدها لا توقف حربًا، لكنها تستطيع أن تمنع الحرب التالية.. الحروب تنتهي باتفاقات سياسية، لكن السلام الحقيقي لا يصنعه السياسيون وحدهم، بل يصنعه أيضًا المثقفون والكتّاب والمعلمون والفنانون. لأن الحرب تبدأ غالبًا بفكرة، وبصورة نمطية عن الآخر، وبذاكرة مجروحة، ولهذا فإن إصلاح هذه الذاكرة يحتاج إلى الكلمة بقدر ما يحتاج إلى السياسة.عندما كتبت عن دينق قوج، لم أكن أكتب عن شخصية جنوب سودانية فحسب، بل عن مثقف سوداني عاش جزءًا كبيرًا من حياته قبل الانفصال، وآمن بأن التوثيق هو وسيلة لحفظ ذاكرة الناس، لا لتغذية الكراهية بينهم. وهذا في حد ذاته رسالة تتجاوز الحدود السياسية.أعتقد أن الكتابة الصادقة تستطيع أن تعيد اكتشاف المساحات المشتركة بين السودان وجنوب السودان؛ التاريخ المشترك، والثقافة المشتركة، والإنسان الذي عاش على ضفتي الحدود قبل أن تصبح حدودًا. وكلما عرفنا بعضنا أكثر، تراجعت مساحة الخوف وسوء الفهم.لذلك لا أزعم أن كتابًا واحدًا سيُنهي الحروب إلى الأبد، فهذا أكبر من قدرة أي كتاب. لكنني أؤمن بأن كل كتاب صادق يكتب من أجل الحقيقة والإنسان، هو حجر صغير في بناء سلام طويل الأمد. وإذا تراكمت هذه الأحجار، فإنها تبني جسرًا أقوى من أي جسر سياسي مؤقت. ولهذا أرى أن مسؤولية الكاتب ليست أن يغيّر العالم وحده، وإنما أن يترك العالم أقل جهلًا بالآخر، وأكثر قدرة على الحوار. ومن هنا تبدأ صناعة السلام.* هل يمكننا القول بما قاله شوقي أمير الشعراء في المعلم، عن الكاتب، وعن صيرورته رسولا، هو الآخر؟أؤمن بذلك، ولكن مع شيء من التحفظ. فشوقي قال:“قم للمعلم وفِّه التبجيلاكاد المعلم أن يكون رسولاً.ولم يقصد بالرسالة هنا النبوة، وإنما رسالة التنوير وبناء الإنسان. وأرى أن الكاتب الحقيقي يشترك مع المعلم في هذه الرسالة؛ فكلاهما يصنع الوعي، ويقاوم الجهل، ويترك أثراً يتجاوز عمره.. الكاتب لا يغيّر العالم بقرار، ولا يوقف حرباً بمقال، لكنه يزرع فكرة قد تغيّر جيلاً كاملاً. لذلك أرى أن الكاتب، عندما يكتب بصدق ونزاهة ومسؤولية، يؤدي رسالة أخلاقية وإنسانية عظيمة.وهذا ما تعلمته من تجربة دينق قوج. لم يكن يكتب بحثاً عن الشهرة، بل كان يكتب حتى لا تضيع ذاكرة الناس، وحتى تبقى حكاياتهم حية. ولذلك فإن رسالته لم تكن أقل أهمية من رسالة أي معلم؛ لأنه علّم الناس كيف يحفظون٥ تاريخهم، وكيف ينظرون إلى وطنهم بعيون المحبة لا الكراهية… لذلك أقول: قد لا يكون الكاتب رسولاً بالمعنى الذي قصده شوقي، لكنه يحمل رسالة، وإذا صدق في حملها، أصبح ضميراً لمجتمعه، وهذا أشرف ما يمكن أن يبلغه صاحب القلم.* كيف يتراءى لك سودان ما بعد الحرب، السودان الثقافي الذي ينهض من تحت الرماد؟أراه سوداناً يتصالح أولاً مع ذاكرته، قبل أن يتصالح مع مستقبله. فلا يمكن لأي أمة أن تنهض وهي تتجاهل جراحها أو تنكر آلامها. الحرب دمّرت المدن، لكنها لا ينبغي أن تدمر الإنسان.. أؤمن أن إعادة إعمار السودان ليست مهمة المهندسين وحدهم، بل هي أيضاً مهمة الكتّاب والفنانين والمسرحيين والموسيقيين والباحثين، فالثقافة هي أول ما يعيد بناء الثقة بين الناس، وهي التي تمنح الوطن ذاكرة مشتركة تتجاوز الانقسامات.أحلم بسودان يقرأ فيه طفل في جوبا كتاباً لكاتب من دنقلا، ويقرأ طفل في بورتسودان رواية لكاتب من واو، دون أن يسأل أحدهما عن قبيلة الآخر أو دينه أو جهته.. عندما يصبح الإبداع هو بطاقة التعارف بين السودانيين، سنكون قد بدأنا فعلاً رحلة التعافي… لقد علّمتني تجربة الكتابة عن دينق قوج أن الثقافة تستطيع أن تبني جسوراً تعجز السياسة أحياناً عن بنائها. ولذلك فإنني أرى أن مستقبل السودان لن يُكتب بالبندقية، وإنما بالقلم، وبالكتاب، وبالمسرح، وبالفن، وبالجامعة، وبكل مساحة تنتج المعرفة وتحترم الإنسان.قد ينهض السودان اقتصادياً في سنوات، لكن نهضته الثقافية هي التي ستضمن أن الحرب لا تتكرر. فالثقافة ليست ترفاً بعد الحروب، بل هي الشرط الأساسي لسلامٍ عادلٍ ودائم.The post أحمد قريعي لـ”مداميك”: دينق قوج جزء من الذاكرة السودانية وهذه هي رسالة الكتاب appeared first on صحيفة مداميك.