حسام عثمان محجوبالممارسة اليائسة والبائسة للسياسة التي تظهر في تحركات تحالف صمود وإفرازات قادته الإعلامية اليوم تبدو تكراراً أسوأ لنمط السياسة السودانية الذي مارسته غالب الأحزاب الشمالية وتحالفاتها في المراحل الأخيرة لمفاوضات السلام بين الحكومة السودانية/نظام البشير والجيش/الحركة الشعبي/ة لتحرير السودان منذ أواخر التسعينات، مروراً بالفترة التي أعقبت توقيع اتفاقية السلام الشامل عام 2005، وحتى انفصال الجنوب وإعلان استقلال جمهورية جنوب السودان في 2011.من أفضل ما كتب عن تلك المرحلة من تاريخ السودان من زاوية عمليات صنع السلام كتاب “حين يقتل السلام السياسة: التدخل الدولي والحروب التي لا تنتهي في السودانَين” (When Peace Kills Politics – International Intervention and Unending Wars in the Sudans) لبروفيسور جامعة كيمبريدج العريقة شاراث سرينيفاسان (Sharath Srinivasan).في الفصل السابع من الكتاب وعنوانه “الإفراغ: السياسة السودانية المفلسة بعد السلام” (Hollowing: Sudan’s Destitute Politics After Peace) ذكر الكاتب أن نشاط الأحزاب الشمالية الرئيسية القديمة (وأهمها الأمة، والاتحادي الديمقراطي، والشيوعي السوداني، ومظلتها التجمع الوطني الديمقراطي) تمحور آنذاك حول الدبلوماسية والعلاقات الخارجية بدلاً من السياسة الداخلية، ورصد أبرز سمات النشاط السياسي في تلك الفترة على النحو التالي:التوجه للخارج بدلاً من العمل التنظيمي في الداخل. حيث تقاعست تلك الأحزاب عن العمل المضني لبناء قواعد جماهيرية وأسس تنظيمية في الداخل، وانشغلت بكتابة الرسائل والمذكرات، واللهث وراء الوسطاء والمبعوثين والدبلوماسيين في العواصم المختلفة.الاعتماد على المجتمع الدولي للحصول على الشرعية والنفوذ. فقد توسلت للخارج للحصول على مقعد في طاولة التفاوض محتجةً بكونها طرفاً في النزاع، أو بضرورة شمولية السلام، أو بالتهديد بأن أي اتفاق لا يستوعبها سيحكم عليه بالفشل، بدلاً من أن تظهر لهذا الخارج أي تفويض محلي يعزز مواقفها ومطالبها. وهو ما دفع الوسطاء للنظر لها كتعقيد غير مبرر لعملية التفاوض لا كأطراف لا غنىً عنها لأي تسوية.البعد عن القواعد الجماهيرية والتشرذم الداخلي. حيث لم تسع، أو لم تستطع إعادة بناء وتنظيم وتنشيط قواعدها بعد عودتها للعمل العلني أوعودة قادتها من الخارج، واتصف نشاطها بالتنازع الداخلي والتآمر والبحث عن صفقات ثنائية قصيرة النظر والمدى.اتخاذ إيقاف الحرب هدفاً أوحداً، وإغفال وضع الأسس لسياسة مدنية مستدامة، مع مساواته بتوقيع اتفاق سلام تماشياً مع رغبات الوسطاء والجيش/الحركة الشعبي/ة لتحرير السودان. وحين خلصت عملية وساطة الإيقاد إلى أن السرعة في إبرام الاتفاق أهم من شموليته، أرجأت إشراك المعارضة إلى أجل غير مسمىً ثم أسقطته تماماً من العملية. وأنتج ذلك اتفاقية سلام ودستوراً انتقالياً كرسا ثنائية المؤتمر الوطني والحركة الشعبية، وأبقيا الفضاء المدني مخنوقاً بالقبضة والقوانين الأمنية ذاتها، حتى انهار كل شيء حين انفصل الجنوب واشتعلت الحرب مجدداً.يمكن تلخيص ملاحظات الكاتب عن فشل الأحزاب الشمالية في تلك الفترة بوصفه للمرحوم الإمام الصادق المهدي أنه “عاش حياةً كاملةً في المراسلات” يخاطب الإيقاد والمبعوثين الأجانب طلباً لمقعد لم يكن يملك قاعدةً محليةً تبرره في نظرهم، رغم بعد نظره وصواب تحليلاته. فقد رأى الإمام، وسياسيين شماليين آخرين، أن تركيز الإيقاد على “المشكلة الجنوبية” سيقود لترسيخ هيمنة نظام الجبهة الإسلامية، ويؤدي لانفصال الجنوب، ويعجل بإشعال حروب متعددة في المستقبل القريب، ولكن لم يترجم هذا التحليل لفعل سياسي على الأرض وظل حبيس المراسلات، مثل رسالته للمبعوث الخاص الأمريكي عام 1999.وفي ممارسات القوى السياسية الرسمية وعلى رأسها تحالف صمود وقادته والقوى الدائرة في فلكه في الأشهر الماضية أوجه شبه جلية تؤكد عجز هذه القوى عن التعلم من إخفاقاتها المتكررة، ومن أهم مظاهرها:التوجه نحو الخارج هو النمط السائد للنشاط السياسي. فتحالف صمود وامتداداته، والكتلة الديمقراطية في الجانب الآخر بدرجة ما، يواصلون الاشتراك في المؤتمرات والاجتماعات وورش العمل وإصدار البيانات والخطابات والأوراق والترحيب بالمبادرات عبر المنابر الدولية، متنقلين من إعلان مبادئ إلى رؤية مشتركة، ومن عاصمة لأخرى، ومن الرباعية إلى الخماسية، ومن تقدم إلى صمود… إلخ.الاعتماد على الرعاية الدولية كمصدر للشرعية. إذ إن أهمية صمود اليوم مرهونة باستمرار الآليات الدولية المتعددة في احتضانها، وبصلاتها المفترضة بخواجات في الغرب، أو عقالات في الإمارات، وبعلاقتها الزبائنية المطلقة مع أسوأ تمظهرات الإمبريالية العالمية ممثلةً في الحكومتين الإماراتية والأمريكية واليمين الصهيوني الأمريكي. وهنا يتبدى عجز وقلة حيلة قادة صمود عصيين على الفهم، وهم يثقون ويصدقون المرة تلو الأخرى وعود وتهديدات وخطط ومبادرات وتسريبات الخواجات والمسؤولين الذين يتاح لهم التواصل معهم أو الاجتماع بهم، بينما لا يستطيعون إخفاء فرحهم و “خلعتهم” بهذه اللقاءات والرسائل، بسذاجة لا تختلف كثيراً عن بلاهة عمر البشير وهو يتلقى “فنيلة ميسي”. وربما يمكن تفسير مواقف بعض هؤلاء القادة بدرجات مختلفة من العمالة، التي تشبه أيضاً عمالة البشير ونظامه لدول مختلفة طوال عهده الطويل.التشرذم اليوم أسوأ مما كان عليه في مرحلة ما بعد توقيع اتفاقية السلام الشامل. فالكتل المدنية الموجودة اليوم تبدو شللاً من أفراد لا أحزاباً أو تنظيمات سياسية، ومكوناتها منقسمة فيما بينها ومتحللة ذاتياً. ينطبق ذلك على صمود التي أضحت ناطقةً باسم دولة الإمارات أكثر من كونها تنظيماً حقيقياً سودانياً، وعلى الكتلة الديمقراطية المساندة للجيش (التي لا تشكو من قلة الانتهازيين والفاسدين)، وعلى المجموعات والشخصيات الدائرة حولهما. وللمفارقة، فلو صدقنا دعاية صمود لظننا أن التنظيم السياسي الوحيد القوي المتماسك اليوم هو حزب المؤتمر الوطني، أو “الإخوان المسلمون” كما في الخطاب الموجه للإمارات وأمريكا واليمين الصهيوني، على أن نمحو من ذاكرتنا أن هذا التنظيم هزمته جماهير ثائرة سلمية، صدق كثير منها نفس هذه القوى السياسية المدنية التي تولت الحكم باسمها حين وعدت بالعمل على تفكيكه، ثم انصرفت لمسرحيات إعلامية فجة، ثم كتبت له حياةً جديدةً بمواقفها بعد الحرب.ضعف الصلة العضوية بالقاعدة الشعبية. فمع أن الظروف المعروفة تجعل العمل السياسي المدني داخل السودان، منذ اندلاع الحرب، عمليةً شديدة الصعوبة والخطورة، إلا أن ذلك لا يمكن أن يكون مبرراً كافياً لأن يجري بناء التحالفات والنقاشات السياسية أساساً بين نخب في المنفى لا عبر قواعد شعبية محلية فعلية.ولا يمتلك أي تحالف أو قوة سياسية من هذه الكتل إجابات أو تفاصيل واضحةً حول الطريق إلى الأمام، سوى عبارات عامة وكلام فضفاض لا يتجاوز حدود الشعارات، وهو ما يتجلى بوضوح في التعامل مع مقترح المستشار الأمريكي مسعد بولس الأخير كما ورد في التحليل السياسي لعارف الصاوي في عدد 30 يوليو من مجلة أتر. فيبدو أنه ليس هناك خطة فعلية في وثيقة واحدة مفصلة، وإنما شذرات مبعثرة في مقابلات صحفية وتصريحات وبيانات. ويبدو اتفاق الهدنة الإنسانية المفتاح الأساسي لبقية خطة المستشار، ولكن على غير ما يبدو من أن هذا الاتفاق أمر سهل يمثل الحل السحري لفتح الشهية للتفاوض، فإن المطالبة بهدنة إنسانية غير مشروطة تمثل بدايةً فقط لسلسلة من الإجراءات تقع مسؤوليتها على عاتق آليات غير محددة وما زالت في رحم الغيب، مثل الآلية المقترحة للإشراف على تسليم الإغاثة وتنسيقه. وبينما احتفى خالد عمر يوسف بما سماه “نفاد الصبر” الأمريكي، في موقف يعكس جهلاً بمخاطر التدخل المتهور في نزاع بهذا التعقيد، أصرت صمود، مرتديةً طاقية قوى إعلان المبادئ، على وقف الحرب أولاً كشرط مسبق لأي نقاش سياسي، دون أن تهتم بتوضيح التناقض بين دعواتها إلى وقف الحرب ومواقفها العملية الواضحة الانحياز لرواية الدعم السريع والإمارات عن الحرب. وهكذا نجد أنفسنا أمام مسارات منفصلة ومتصلة معاً؛ مسار إنساني عبر الهدنة، ومسار ترتيبات أمنية لا أحد يعلم مبادئها، ومسار سياسي لا أحد يتفق على أي أمر بشأنه.وهكذا يتكرر السيناريو ذاته الذي وثقه الكتاب؛ السعي وراء الشرعية في الخارج بدلاً من بنائها في الداخل، والانشغال بالتفاعل مع كل مبادرة خارجية جديدة، ومحاولة كسب رضا كل وسيط بأن تكون الفصائل مفيدةً لصانعي السلام بدلاً من امتلاك قوة مستقلة، وتقديم إيقاف الحرب على العمل الأصعب المتمثل في بناء سياسة تعددية مستدامة، دون أن تملك أي من هذه الكتل تصوراً محلياً مستقلاً تفاوض به، أو قاعدة شعبية تستمد منها ثقلاً حقيقياً على الأرض.The post الخواجة وأب عقال، بدر خلعة الغلابة appeared first on صحيفة مداميك.