الشريان المقطوع.. كيف نسجت الخصخصة وتداعيات الحرب مأساة “النقل النهري” في السودان؟

Wait 5 sec.

تقرير: إدريس عبد اللهتخوض منظومة الإمداد والتجارة الداخلية في السودان اليوم واحدة من أعقد أزماتها الهيكلية، إذ تقف عند مفترق طرق حرج تتداخل فيه تداعيات النزاع المسلح الراهن مع ترسبات سياسية واقتصادية يعود تاريخها لعقود. وفي ظل هذا المشهد القاتم، أصبح النقل البري يتسيد حركة نقل البضائع والركاب في السودان بنسبة تتجاوز 80%، رغم تكاليفه المرتفعة ومخاطره الأمنية. وفي المقابل، يقبع قطاع النقل النهري -الشريان الملاحي الذي يُعد الأقل كلفة في الشحن وأسهل عملاً في التأمين والحماية مقارنة بالنقل البري المعرض للقطائع والكمائن- متحملاً وحده خسائر أولية قدرتها الجهات الرسمية بأكثر من 250 مليون دولار، ومحروماً من لعب دوره الطبيعي كأداة أمان لوجستية واقتصادية لنقل حشود السلع والمنتجات الزراعية والمساعدات الإنسانية.لكن الأرقام الرسمية، على فداحتها، لا تروي سوى جزء يسير من الأبعاد المركبة للمأساة. فوفقاً للمدير العام لمصلحة الملاحة النهرية بالسودان، ياسر مادبو، فإن المشهد الميداني للقطاع لم يعد يقتصر على التدمير المباشر للبنية التحتية والمنشآت الملاحية جراء الحرب، بل بات يصطدم بتعقد العوائق الطبيعية والفنية؛ إذ تضافرت الجزر الرملية المتراكمة، والصخور، وتذبذب مناسيب مياه نهر النيل، لتصيب الشبكة الملاحية بشلل شبه تام. ويُعد هذا التعطل انتكاسة استراتيجية لبلد يمتلك شبكة ملاحية تمتد لنحو 5 آلاف كيلومتر، منها أكثر من 3 آلاف كيلومتر صالحة للملاحة الفعلية، مما يضع حائط صد منيعاً أمام قدرة البلاد على ربط اقتصادها الداخلي بالأسواق الإقليمية والدولية.الخصخصة.. طعنة في خاصرة التنميةوفي تفكيك أعمق لجذور الأزمة قبل اندلاع الحرب الأخيرة، يفتح مدير مصلحة النقل النهري خلال الفترة الانتقالية، معاوية علي خالد، في حديث خاص لـ “مداميك”، ملف الخصخصة بوصفه البُعد الأساسي الذي تقوّضت عليه مقومات النقل النهري. يوضح معاوية كيف تحوّلت فلسفة “الخصخصة” في عهد نظام الإنقاذ السابق من نموذج نظري يستهدف تشغيل الأسطول عبر القطاع الخاص تحت رقابة تنظيمية وسيادية من “مصلحة الملاحة النهرية”، إلى واقع عملي أدّى إلى تفكيك القطاع كلياً. فقد تُرِكت المصلحة الرسمية بلا ميزانيات أو كوادر بشرية تؤهلها لممارسة دورها الرقابي، لتتحول الخصخصة من أداة للتطوير إلى “خنجر مسموم في خاصرة القطاع”.ولعل البُعد الأشد إيلاماً في هذا المسار، كما يروي معاوية لـ “مداميك”، تمثّل في التفريط التاريخي بـ “ترسانة بناء السفن في الخرطوم بحري”. تلك الترسانة لم تكن مجرد محطة لتفريغ البضائع أو ورشة للصيانة الدورية، بل كانت مجمعاً صناعياً متكاملاً يتسيد القارة الإفريقية (إذ لم تكن تماثلها سوى ترسانات مصر وجنوب إفريقيا)، بما تضمه من ورش للبناء المسبق، والحدادة، والخرطة، والأحواض الجافة والعائمة. وبفقدان هذا الصرح الصناعي، فقد السودان القدرة السيادية على تصنيع البواخر والجرارات النهرية وتحديث أسطوله، لتصبح أي محاولة لإعادة التأسيس أو البناء اليوم أمراً بالغ التكلفة والمعاناة.ولا تقف الأبعاد الإدارية عند حدود الماضي؛ إذ كشف معاوية عن محاولات جادة شهدتها فترة ما بعد ثورة ديسمبر لإصلاح القطاع مؤسسياً وصياغة قانون جديد أُجيز بالفعل من مجلس الوزراء، إلا أنه “اختفى في ظروف غامضة داخل مجلس السيادة”، مؤكداً وجود تقاطعات مصالح وأيادٍ خفية ظلت تعرقل نهوض النقل النهري. ثم جاءت الضائقة الزمنية وتبعتها أحداث الانقلاب وتغير السياسات، لتبقي القطاع الخاص المحلي ضعيفاً وغير قادر على المغامرة باستثمارات ضخمة في النقل النهري دون ضمانات أو دعم مباشر من الدولة.اختلال “المزيج اللوجستي” وتبعاته على المواطنمن الزاوية التحليلية الاقتصادية، يحلل خبير السياسات العامة والاقتصادي، نجم الدين داود، تداعيات هذا الانهيار على الأمن الغذائي والاقتصادي ككل. يرى داود أن السودان يعاني من “اختلال هيكلي حاد في المزيج اللوجستي”، حيث أصبح النقل البري يسيطر ويسيطر بفرده على أكثر من 80% من حركة شحن البضائع والإمدادات في البلاد، وهو نمط مكلف للغاية وتغلب عليه التحديات الأمنية والصيانة المستمرة، فضلاً عن استهلاكه المرتفع للوقود للبنية التحتية.ويضيف داود أن هذا التسيّد البري جاء على حساب النقل النهري الذي يُعد الأقل كلفة في الشحن بنسب قياسية، فضلاً عن امتيازه بتأمين أسهل وأكثر كفاءة للمسارات الشريانية عبر مجرى النيل مقارنة بالمساحات البرية الشاسعة والمهددة أمنياً. ويربط داود مباشرة بين توقف الشرايين النهرية وتسيّد الشاحنات البرية وبين تصاعد معدلات التضخم؛ إذ أدى تعطل نقل السلع السائبة والمنتجات الزراعية والمساعدات الإنسانية عبر النيل إلى قفزات حادة في تكاليف اللوجستيات وسلاسل الإمداد، مما ينعكس مباشرة على أسعار السلع الأساسية التي تصل للمواطن.البحر الأحمر والنقل متعدد الوسائط.. ملامح مخرجفي المقابل، تظهر تباينات الرؤية الرسمية في إدارة منظومة النقل السودانية؛ فبينما يئن القطاع النهري تحت الأزمات، يحاول القطاع البحري النأي بنفسه عن أخطاء الخصخصة السابقة. وفي هذا السياق، يشدد المدير العام لهيئة الموانئ البحرية، المهندس الجيلاني محمد الجيلاني، على أن الموانئ القائمة على البحر الأحمر ستظل خطاً أحمر وتدار سيادياً بواسطة الدولة، على أن ينحصر الاستثمار الأجنبي في إنشاء موانئ جديدة فقط (مثل مشروعات مشتقات الغاز بسواكن بالتعاون مع مستثمرين أتراك، وموانئ تصدير المعادن في “أوسيف”، والأسماك في “عقيق”). ورغم الاستقرار الذي حققته الموانئ البحرية ودخولها مجال تجارة الترانز شيبمنت (إعادة الشحن)، إلا أن هذا النجاح ينفصل عن واقع النقل الداخلي المتداعي.وهنا يخلص الاقتصادي نجم الدين داود إلى أن الخروج من الدوامة الحالية يتطلب تجاوز المسكنات والحلول الإسعافية المؤقتة، والانتقال نحو استراتيجية جادة لإعادة بناء الاقتصاد السوداني وتحويل البلاد إلى “مركز لوجستي إقليمي” يخدم الدول المغلقة المجاورة، مثل إثيوبيا وتشاد وإفريقيا الوسطى. وتستند هذه الرؤية، بحسب داود، إلى حزمة متكاملة تتصدرها ضرورة تحقيق سلام دائم يضمن البيئة الملائمة لتدفق أموال الإعمار وتفعيل الشراكات الفاعلة بين القطاعين العام والخاص، بالتوازي مع تبني مفهوم “النقل متعدد الوسائط” لبناء منظومة ربط ذكية تدمج الموانئ البحرية على البحر الأحمر بشبكات الطرق والسكك الحديدية والموانئ النهرية على النيل. كما تكتمل هذه الرؤية بإحداث تحديث تقني شامل للنقل النهري عبر إقامة موانئ مرنة تتلاءم مع تذبذب مناسيب المياه وتطبيق تقنيات المسح الهيدروغرافي الحديثة لضمان استمرار الملاحة بأمان على مدار العام.وفي النهاية، تتجلى قضية النقل النهري في السودان اليوم بعيداً عن كونها مجرد ملف لخسائر مادية تُقدر بـ 250 مليون دولار؛ إذ أصبحت تجسيداً حياً للصراع الممتد بين سنوات الهدم المؤسسي وعوامل التعافي المرتقبة. إنه قطاع يذخر بكل المقومات الطبيعية ليغدو شرياناً رئيسياً للنهضة التنموية، لكنه يظل مشلولاً بين مطرقة الإهمال التاريخي وسندان تعقيدات النزاع الراهن، في انتظار إرادة سياسية واقتصادية حقيقية تُعيد له مجده الغائب.The post الشريان المقطوع.. كيف نسجت الخصخصة وتداعيات الحرب مأساة “النقل النهري” في السودان؟ appeared first on صحيفة مداميك.