نحو هندسة جديدة للقرن الأفريقي

Wait 5 sec.

أماني الطويليشهد الواقع السياسي والعسكري في إثيوبيا تصاعداً متسارعاً يضع البلاد والإقليم بأكمله على شفا انفجار جديد، إذ تشير القراءات الميدانية إلى دخول اتفاق بريتوريا للسلام مرحلة الموت السريري. وتتجلى هذه الحال الراهنة في عودة تحركات جبهة تحرير شعب تيغراي المسلحة وعمليات التجنيد المتزايدة، بالتوازي مع التفكك السياسي الداخلي في مقلي وإزاحة الإدارة الانتقالية.يرافق ذلك تمرد مسلح واسع النطاق تخوضه ميليشيات الفانو في إقليم الأمهرا ضد القوات الفيدرالية، مع اتساع رقعة عدم الاستقرار في منطقة الأوروميا. ومما يفاقم خطورة هذا المشهد مؤشرات الاصطفاف الإقليمي الحاد المقبل من ملف المنفذ البحري والأزمة مع الصومال، وتنامي الدور الإريتري في كواليس الأزمة، وهو ما ينقل المشهد الإثيوبي من مجرد توترات داخلية مؤجلة إلى بيئة صراع ممتدة وقابلة للاشتعال الإقليمي المباشر.وهكذا، فنحن أمام مشهد تحول هيكلي في القرن الأفريقي، من حرب بقاء محلي إلى صراع تموضع إقليمي في إثيوبيا، وذلك في ضوء اتفاق بريتوريا الموقع في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022.لم يكن الاتفاق سوى هدنة تكتيكية فرضتها حال الإنهاك العسكري المتبادل، والضغوط الاقتصادية والدولية الخانقة، دون أن يقدم حلولاً هيكلية لجذور الأزمة الوطنية في إثيوبيا. وطبقاً لتقديراتنا، فإن الاتفاق دخل مرحلة الانهيار المباشر. ومن شأن ذلك أن يؤثر في القرن الأفريقي فيكون على أعتاب جولة جديدة من الصراع، إلا أن هذه الجولة المرتقبة لن تكون مجرد تكرار لحرب الـ2020 – 2022، بل ستشكل نمطاً جديداً من المواجهة متكاملة الأبعاد الإقليمية، وبأدوات جيوسياسية وعسكرية مغايرة تماماً، خصوصاً أن الذي جرت صيانته بضغط أميركي مباشر، وبهدف لوجيستي عاجل، وهو وقف إطلاق النار وتفكيك القوة العسكرية الثقيلة لجبهة تيغراي مقابل إعادة إدماج الإقليم في الفيدرالية الإثيوبية ورفع الحصار الاقتصادي والخدمي.غير أن الاتفاق احتوى في أحشائه على بذور تفككه، فقد رحل الاتفاق حسم ملف أراضي غرب تيغراي (ولثايت)، المعتبرة دستورياً جزءاً من الإقليم والمسيطر عليها ميدانياً من قبل ميليشيات الأمهرا والقوات الإريترية، إلى آليات دستورية غير محددة المعالم، مما أدى مع الفشل في إعادة مئات آلاف النازحين، وإلى تآكل شرعية القيادة الانتقالية، وجعل العودة للقتال أمراً فرضته الضغوط الداخلية.وجرى التعاطي مع الدور الإريتري بوصفه حاضراً في الميدان وغائباً في الترتيبات، وهو ما منح أسمرة حرية الحركة لإفشال اتفاق لم يضمن تصفية جبهة تيغراي نهائياً، بينما اعتمدت أديس أبابا استراتيجية إدارة النزاع بالتأجيل لإعادة ترتيب بيتها الداخلي. وعلى المستوى القيادي، أدى تطبيق الاتفاق إلى تشظي القيادة التيغراوية بين الإدارة الانتقالية والمكتب السياسي للجبهة، مما أضعف القدرة على الإيفاء بالتزامات نزع السلاح الكامل، ودفع أطرافاً داخل الإقليم للمطالبة بإعادة التجميع العسكري والتجنيد الإجباري لمواجهة جولة جديدة يرونها حتمية.في هذا السياق، يظهر الفارق بين الحرب التي انتهت والحرب التي على الأبواب، في كون الصراع الممتد بين عامي 2020 و2022 كان يتسم بطبيعة محددة تنحصر في التنافس على مركز السلطة وإعادة ترتيب الفيدرالية الإثيوبية من الداخل. في المقابل، تتحول الحرب المرتقبة إلى صراع وجودي متعدد الأطراف يهدف إلى تفكيك الهيمنة المركزية وإعادة رسم خرائط النفوذ والسيادة بالكامل، إذ لا تسعى الأطراف المتصارعة للتفاوض على حصص السلطة بقدر ما تسعى لإعدام قدرات الطرف الآخر التشغيلية.أما على مستوى التحالفات، فقد قامت الحرب الأولى على تحالف ثلاثي صلب جمع بين الحكومة الفيدرالية وميليشيات الأمهرا والجيش الإريتري لمواجهة جبهة تيغراي المعزولة. غير أن هذا التحالف الثلاثي قد انفرط عقده تماماً لتُدار الحرب المقبلة عبر شبكة تحالفات مرنة وتكتيكية تتقاطع فيها مصالح أطراف كانت بالأمس أعداءً لتقويض سلطة أديس أبابا بما يمكن توصيفه تحالف الأضداد التكتيكي.وفي ما يتصل بالجغرافيا والمسرح العسكري، جرت الحرب السابقة في نطاق جغرافي محصور نسبياً في شمال إثيوبيا بين أقاليم تيغراي والأمهرا وعفار. أما النسخة المقبلة فتتسع لتشمل نطاقاً إقليمياً ممتداً يربط الشمال والوسط والشرق الإثيوبي، امتداداً إلى سواحل البحر الأحمر ومضيق باب المندب وإقليم أرض الصومال.وعلى صعيد الأدوات والتكتيكات، اعتمدت حرب 2020 على الحشد العسكري التقليدي الكلاسيكي والحصار الشامل مع التوظيف المباشر لسلاح الطائرات المسيرة الفيدرالية. بينما ستتجه الحرب المرتقبة نحو حروب أسلحة غير متناظرة، واستخدام تحالفات بالوكالة، والضغط عبر معطيات الجغرافيا البحرية، وتوظيف أدوات الاستنزاف الاقتصادي المترافقة مع انهيار قيمة العملة المحلية وتفاقم الديون.وأخيراً وبالنظر إلى التموضع الإقليمي والدولي، اتسمت الحرب السابقة باصطفاف إقليمي كلاسيكي ودعم دولي رمى إلى الحفاظ على وحدة الدولة الإثيوبية ومؤسساتها المركزية. أما اليوم، يقف الإقليم أمام استقطاب حاد وانقسام في المحاور حول الطموحات البحرية لأديس أبابا ومتطلبات الأمن القومي لدول الجوار، مما يجعل الصراع الداخلي جزءاً لا يتجزأ من حروب النفوذ الإقليمي.وطبقاً لهذه المعطيات، يُمكن رصد محاور الخلاف والتغيرات الجيوسياسية المحددة لشكل الحرب المقبلة في عدد من النقاط، منها:إعادة تشكل خريطة التحالفات الداخلية الإثيوبية، إذ خاضت الحكومة الفيدرالية بقيادة آبي أحمد حرب 2020، وهي مستندة إلى ظهير قومي صلب من قوميتي الأورومو والأمهرا، ودعم إريتري مباشر. أما اليوم، فالبيئة الداخلية الإثيوبية تشهد تفككاً كاملاً لهذا التحالف، إذ تحول إقليم الأمهرا من حليف استراتيجي إلى ساحة مواجهة مسلحة مفتوحة، بسبب محاولات حل ميليشيات الإقليم وتفكيك القوات الخاصة، ليضع تمرد الفانو الجيش الفيدرالي أمام حرب استنزاف شديدة الخطورة تنهك أساليبه التقليدية.وبالتوازي مع ذلك، وعلى رغم الترسبات التاريخية والنزاع الدموي على الأراضي، تجري حوارات غير معلنة بين قيادات ميدانية في تيغراي ومجموعات مسلحة من الأمهرا، قائمة على المصلحة المشتركة لإسقاط مشروع الهيمنة الأورومية المتمثل في السلطة المركزية.​وأيضاً لا بد من رصد دخول العامل الإقليمي المباشر المرتبط بأزمة المنفذ البحري والصومال، إذ تشكل الرغبة الإثيوبية المعلنة في الحصول على منفذ بحري في البحر الأحمر عبر مذكرة التفاهم مع إقليم أرض الصومال غير المعترف به، تحولاً جذرياً في بنية الصراع الإقليمي، مما نقل المواجهة من الداخل الإثيوبي إلى العلن الإقليمي.ذلك أن إبرام اتفاق الدفاع المشترك بين مصر والصومال وتزويد الجيش الصومالي بالمعدات العسكرية يفرض طوقاً جيوسياسياً يضيق الخناق ويزيد من العزلة على أديس أبابا عند حدودها الشرقية والجنوبية الشرقية. وتنظر أسمرة إلى طموحات آبي أحمد البحرية بوصفها تهديداً مباشراً لسيادتها، لينقلب التموضع الإريتري من دعم أديس أبابا إلى تقويض استقرارها السياسي عبر فتح قنوات اتصال وملاذات آمنة لقوات الأمهرا وبعض أجنحة جبهة تيغراي.​ويضاف إلى ذلك عامل تحول أدوات المواجهة والتكتيكات العسكرية، إذ لن تعتمد الحرب المقبلة على المواجهات المباشرة في الجبال كما جرى في صراع (2020 – 2022)، بل ستتوسع نحو أدوات غير متناظرة ترتكز على الجبهات المتعددة المتزامنة إذ سيتعين على الجيش الفيدرالي القتال في وقت واحد ضد الفانو في الأمهرا، والجبهة الشمالية في تيغراي، ونشاط جيش تحرير الأورومو في إقليم الأوروميا.ومع احتمالية تسرب أنظمة دفاع جوي محصنة وأسلحة نوعية مضادة للدروع إلى الجماعات المسلحة عبر حدود ومنافذ إقليمية مخترقة، إذ من المتوقع تراجع الفاعلية المطلقة لسلاح الجو والمسيرات التابعة لأديس أبابا، أيضاً سيُوظَّف الإنهاك الاقتصادي أداة حسم في ظل أزمة الديون الشاقة وتراجع النقد الأجنبي، إذ لن تتمكن الخزانة الإثيوبية من تحمل كلفة حرب استنزاف طويلة الأمد مع انكماش المساعدات والدعم الدولي.ويمكن القول إن ثمة انعكاسات للصراع المرتقب على أمن البحر الأحمر والمنطقة، فمع تحول الصراع من إطار إثيوبي محلي إلى أزمة إقليمية بات أمن البحر الأحمر وقناة السويس أمام أخطار غير مسبوقة، إذ إن خروج الأوضاع عن السيطرة في إثيوبيا سينعكس مباشرة على استقرار باب المندب وجنوب البحر الأحمر، ليتحول قرن أفريقيا إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية وملاذ آمن لتمدد شبكات السلاح والتهريب.وتؤدي أي مواجهة واسعة النطاق في بلد يبلغ عدد سكانه أكثر من 120 مليون نسمة إلى موجات نزوح بشرية ضخمة باتجاه السودان ودول الجوار، مما يعمق حال عدم الاستقرار في الداخل السوداني المنهك أمنياً وسياسياً بالأساس. يضاف إلى ذلك أن العجز عن إيجاد عقد اجتماعي متوازن والإصرار على خيارات الحسم العسكري، سيضع الدولة الإثيوبية أمام سيناريو “التفكك على النموذج السوفياتي” أو التشظي البلقاني، وهو ما يشكل الخطر الأكبر على هيكل الأمن القومي لأفريقيا.​إن القراءة المتأنية للتحركات الميدانية والدبلوماسية تؤكد أن اتفاق بريتوريا يفقد مقومات بقائه يومياً، وأن ما يمنع الانفجار الشامل حتى اللحظة ليس النجاح السياسي للاتفاق، بل إعادة ترتيب القوى الميدانية لأوراقها والانتظار اللوجيستي.إن الجولة المقبلة من الصراع في إثيوبيا لن تكون حرباً بين مركز وأطراف بالمعنى التقليدي والمتعارف عليه، بل ستكون صراعاً على إعادة تشكيل النظام الإقليمي للقرن الأفريقي برمته. ولن تعد أدوات الحل الدبلوماسي التقليدية مجدية إذا ما استمر التعاطي مع المسألة الإثيوبية بأسلوب “إدارة الأزمات الموقتة” وتجاهل الاختلالات الهيكلية في توزيع السلطة والديموغرافيا وجغرافية الموانئ والمياه.نشر المقال علي صجيفة اندبندنت عربيةThe post نحو هندسة جديدة للقرن الأفريقي appeared first on صحيفة مداميك.