بقلم: عبدالمجيد قرشيلم يعد السؤال المطروح اليوم هو: هل يمكن أن ينقسم السودان؟ فالسودان، رغم بقائه من الناحية القانونية والسيادية دولة واحدة معترفًا بها دوليًا، يعيش بالفعل أشكالًا متعددة من الانقسام فرضتها سنوات طويلة من الأزمات السياسية والاجتماعية، ثم جاءت الحرب لتعمقها بصورة غير مسبوقة. لقد تجاوزت الأزمة السودانية حدود الصراع العسكري، وأصبحت أزمة دولة ومجتمع وهوية ومستقبل، ويمكن النظر إلى واقع السودان اليوم باعتباره حالة من الانقسام الأفقي والرأسي والمعنوي، وهي انقسامات ربما تكون أكثر خطورة من التقسيم الرسمي للحدود، لأنها تضرب المجتمع من الداخل وتهدد الأساس الذي تقوم عليه فكرة الوطن الواحد.أحدثت الحرب تغييرًا عميقًا في الخريطة السياسية والاجتماعية للسودان. لم تعد سلطة الدولة تمارس بالصورة نفسها في جميع أنحاء البلاد، وأصبحت مناطق مختلفة خاضعة لنفوذ وسيطرة قوى متباينة، بينما دفعت المعارك أعدادًا هائلة من المواطنين إلى النزوح داخل السودان أو اللجوء إلى دول الجوار ومختلف أنحاء العالم. هذا الواقع خلق نوعًا من التقسيم غير المعلن، فهناك مناطق تتعامل مع سلطات وأجهزة مختلفة عن مناطق أخرى، ومجتمعات انقطعت بينها وسائل التواصل الطبيعية، وطرق تجارية تعطلت، ومدن تعرضت للدمار، وأسر توزعت بين الولايات والدول.والخطورة أن استمرار هذا الوضع لفترة طويلة يمكن أن يحول الانقسام المؤقت الذي فرضته الحرب إلى واقع سياسي واقتصادي واجتماعي يصعب تجاوزه. فالدول لا تنقسم فقط عندما يتم رسم حدود جديدة على الخرائط وإعلان دول جديدة، وإنما تبدأ عملية الانقسام عندما تتوقف أجزاء الوطن عن التعامل والتواصل بصورة طبيعية مع بعضها البعض، وعندما تنشأ في كل منطقة مؤسسات ومصالح واقتصادات منفصلة عن بقية الوطن.لقد عرف السودان تجربة مؤلمة عندما انتهت الحرب الطويلة بين الشمال والجنوب بانفصال جنوب السودان عام 2011. لكن الانفصال لم يبدأ يوم إعلان الدولة الجديدة، بل سبقته سنوات طويلة من التباعد السياسي والاجتماعي والنفسي. ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن نفعله اليوم هو أن نعتقد أن السودان بخير لمجرد أن حدوده الدولية لم تتغير بعد.أما الانقسام الرأسي، فهو أكثر تعقيدًا، لأنه يمتد من قمة مؤسسات الدولة والقوى السياسية والعسكرية إلى قاعدة المجتمع. السودانيون اليوم لا يختلفون فقط حول من يحكم البلاد، وإنما أصبح الخلاف يشمل طبيعة الدولة نفسها، ومصادر شرعيتها، ومستقبل المؤسسة العسكرية، والعلاقة بين المركز والأقاليم، وكيفية توزيع السلطة والثروة، ومن يملك الحق في تمثيل الشعب السوداني والتحدث باسمه.هذه الخلافات لم تعد حبيسة الاجتماعات السياسية أو غرف التفاوض، وإنما انتقلت إلى الشارع ومواقع التواصل الاجتماعي والجاليات السودانية في الخارج، بل وصلت في بعض الأحيان إلى داخل الأسرة الواحدة. أصبح السودانيون يتجادلون حول الجيش والدعم السريع والحركات المسلحة والقوى المدنية والتحالفات والمبادرات الإقليمية والدولية، وفي أحيان كثيرة يتحول الاختلاف السياسي الطبيعي إلى خصومة اجتماعية وشخصية.وهنا تكمن واحدة من أخطر نتائج الحرب، وهي تحويل الخلاف السياسي إلى انقسام اجتماعي. فالسياسة تتغير، والتحالفات تتبدل، والقادة يأتون ويذهبون، ولكن الجروح التي تتركها الكراهية داخل المجتمعات قد تستمر لأجيال.ومع ذلك فإن أخطر أنواع الانقسام في تقديري ليس الانقسام العسكري ولا الجغرافي، وإنما الانقسام المعنوي والنفسي. فالوطن قبل أن يكون حدودًا وجيشًا وحكومة هو شعور مشترك بالانتماء والمصير. وعندما يشعر المواطن في دارفور أو كردفان أو الشرق أو الشمال أو الوسط أن معاناته لا تعني بقية السودانيين، فإن هناك خللًا عميقًا في مفهوم الوطن.وعندما يُنظر إلى الإنسان من خلال قبيلته أو منطقته أو عرقه أو موقفه السياسي قبل النظر إليه باعتباره مواطنًا سودانيًا، فإن الدولة تكون قد بدأت تفقد معناها الحقيقي. والأخطر عندما تصبح المأساة الإنسانية نفسها موضع اختلاف سياسي، فيتعاطف البعض مع ضحايا منطقة ويتجاهلون ضحايا منطقة أخرى فقط لأنهم يختلفون مع القوة المسيطرة عليها أو مع الموقف السياسي لبعض أهلها.الدم السوداني لا ينبغي أن تكون له هوية سياسية أو قبلية أو جهوية. المدني الذي يُقتل في الخرطوم لا يختلف عن المدني الذي يُقتل في دارفور أو الجزيرة أو كردفان أو أي بقعة أخرى من السودان. والمواطن الذي يفقد منزله أو أسرته أو مصدر رزقه لا ينبغي أن نسأله أولًا عن قبيلته أو موقفه السياسي قبل أن نتعاطف معه. هذه هي المواطنة التي يجب أن تكون أساس السودان الذي نبحث عنه بعد الحرب.ومن أخطر النتائج التي يمكن أن تتركها الحرب أنها قد تصنع أكثر من سودان داخل السودان نفسه. هناك سودان يراه المواطن الذي عاش الحرب في الخرطوم، وهناك سودان آخر في ذاكرة المواطن الذي عاش سنوات الصراع في دارفور، وهناك تجربة مختلفة لدى المواطن في كردفان، وأخرى في الجزيرة أو الشرق أو الشمال، وهناك سودان مختلف تمامًا في ذاكرة الملايين الذين اضطروا إلى مغادرة البلاد وأصبحوا لاجئين أو مهاجرين.كل مجموعة تحمل ذاكرتها الخاصة عن الحرب وعن الدولة وعن الظلم وعن الأمن، وإذا لم تتم معالجة هذه الذاكرة الجماعية بحكمة، فسوف تصبح جزءًا من الصراع السياسي والاجتماعي لسنوات طويلة بعد توقف المدافع.ولهذا فإن إعادة إعمار المباني وحدها لن تكون كافية. يمكن إعادة بناء الجسور والمستشفيات والمدارس والجامعات والمصانع والوزارات، ويمكن إصلاح الطرق وشبكات الكهرباء والمياه، لكن إعادة بناء الثقة بين السودانيين ستكون أصعب بكثير من إعادة بناء الخرطوم وغيرها من المدن المدمرة.وكلما طال أمد الحرب ارتفع خطر أن تتحول مناطق السيطرة العسكرية إلى مناطق نفوذ سياسي واقتصادي واجتماعي دائم. فالقوة التي تسيطر على منطقة لفترة طويلة تبدأ في إنشاء أجهزة للإدارة والأمن والجباية والخدمات، ثم تنشأ حولها مصالح اقتصادية وشبكات اجتماعية، ومع مرور الزمن يصبح تفكيك هذه الهياكل أكثر صعوبة.عندها يمكن أن ينتقل السودان من حرب حول من يحكم الدولة إلى صراع حول من يملك أي جزء منها. وهنا تصبح وحدة السودان نفسها معرضة للخطر.ولهذا فإن الحديث عن وحدة السودان يجب ألا يبقى مجرد شعار عاطفي نردده في المناسبات. الوحدة تحتاج إلى دولة تجعل المواطن راغبًا في البقاء داخلها، وليس إلى قوة تجبره على ذلك. لقد أثبت تاريخ السودان أن الوحدة بالقوة لا تستمر، وأن الوحدة الحقيقية تقوم على العدالة والمواطنة والمشاركة المتوازنة في السلطة والثروة والشعور بأن الدولة تمثل الجميع.لا يمكن أن نقول لمواطن يشعر بالتهميش إن عليه المحافظة على وحدة السودان بينما لا يشعر بأن له نصيبًا عادلًا في الدولة، وفي الوقت نفسه لا يمكن معالجة المظالم التاريخية بتفكيك السودان إلى دويلات وكيانات صغيرة متصارعة. الحل ليس في فرض المركزية بالقوة، وليس في تقسيم السودان، وإنما في بناء دولة واحدة عادلة وقادرة على استيعاب التنوع الهائل الذي يتميز به المجتمع السوداني.السودان ليس شعبًا متطابقًا في الثقافة واللغة والعادات والتاريخ المحلي، وهذه ليست نقطة ضعف، بل يمكن أن تكون مصدر قوة إذا تمت إدارتها في إطار دولة المواطنة والقانون.كما أنه من الخطأ تحميل القبيلة وحدها مسؤولية الأزمة السودانية. فالقبيلة جزء من التكوين الاجتماعي والتاريخي للبلاد، ولعبت في مناطق كثيرة دورًا مهمًا في التكافل الاجتماعي وحل النزاعات وحماية المجتمعات. المشكلة تبدأ عندما تتحول القبيلة إلى أداة سياسية أو عسكرية، وعندما تستخدمها القوى المتصارعة لتجنيد المقاتلين أو تعبئة المجتمعات ضد بعضها البعض.عندها يتحول الصراع من خلاف سياسي يمكن حله بالمفاوضات إلى نزاع اجتماعي قد يستمر لأجيال. ولهذا يجب رفض خطاب التعميم. لا توجد قبيلة مجرمة، ولا منطقة خائنة، ولا مجموعة سودانية يمكن تحميلها مسؤولية الكارثة بأكملها. المسؤولية يجب أن تكون فردية ومؤسسية، وأن تتم محاسبة من ارتكب الجرائم وفق القانون والأدلة، لا وفق القبيلة أو المنطقة التي ينتمي إليها.كما أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي واحدة من أخطر ساحات الحرب السودانية. فإلى جانب المعارك العسكرية تدور معركة أخرى حول الرواية والصورة والمعلومة. تنتشر يوميًا الأخبار والمقاطع والصور، بعضها صحيح وبعضها مضلل أو خارج سياقه، ثم تتحول إلى أدوات للتعبئة السياسية والقبلية.لكن الأخطر من الأخبار الكاذبة هو اللغة التي أصبحت تستخدم بين السودانيين. عندما تتحول مفردات الإهانة والاحتقار والجهوية والعنصرية إلى لغة يومية، فإن آثارها لا تنتهي بمجرد توقيع اتفاق سياسي. قد يستطيع القادة العسكريون والسياسيون توقيع اتفاق خلال ساعات، لكن إزالة الكراهية التي تراكمت في النفوس قد تحتاج إلى سنوات طويلة.ولهذا يتحمل المثقفون والإعلاميون والناشطون وقادة المجتمع والإدارات الأهلية ورجال الدين والجاليات السودانية في الخارج مسؤولية كبيرة في خفض خطاب الكراهية وإعادة الاعتبار للغة التسامح والمواطنة.ومن أكبر أوهام الحروب الاعتقاد بأن الانتصار العسكري الكامل يعني بالضرورة حل المشكلة السياسية. قد يحقق أحد الأطراف تقدمًا عسكريًا، وقد يسيطر على مدينة أو ولاية، لكن السؤال الذي سيظل قائمًا هو: ماذا بعد؟من سيعيد بناء السودان؟ من سيعيد ملايين النازحين واللاجئين؟ من سيعيد تشغيل المدارس والجامعات والمستشفيات والمصانع؟ من سيعيد رأس المال الذي خرج من البلاد والكفاءات التي هاجرت؟ ومن سيعيد الثقة بين المجتمعات التي حاربت بعضها أو تعرضت للقتل والنزوح والانتهاكات؟والأهم من ذلك كله: من سيقنع المواطن بأن الدولة التي عجزت عن حمايته أثناء الحرب ستكون قادرة على حمايته بعد انتهائها؟لهذا فإن النصر الحقيقي لا يمكن قياسه فقط بعدد المدن التي يسيطر عليها هذا الطرف أو ذاك. النصر الحقيقي هو أن يبقى السودان وطنًا قابلًا للحياة، وأن يتمكن السوداني من العودة إلى بيته آمنًا، وأن تعود مؤسسات الدولة لخدمة المواطن وليس لإخضاعه.وهناك أيضًا الاقتصاد، وهو عامل قد يكون وسيلة لتوحيد السودان أو عاملًا إضافيًا لتفكيكه. الحرب دمرت قطاعات واسعة من النشاط الاقتصادي وأثرت على التجارة والإنتاج والخدمات وفرص العمل، ودفعت أعدادًا كبيرة من أصحاب الأعمال والمهنيين والكفاءات إلى الخارج. وإذا استمر نشوء اقتصادات منفصلة داخل مناطق النفوذ المختلفة، فقد يعزز ذلك الانقسام السياسي مستقبلًا.ولهذا يجب النظر إلى الاقتصاد باعتباره جزءًا أساسيًا من مشروع السلام. فالطرق والسكك الحديدية والأسواق والموانئ وشبكات الكهرباء والمياه والاتصالات ليست مجرد مشروعات تنموية، وإنما روابط وطنية تجمع أجزاء السودان ببعضها. وكلما ارتبطت مصالح الناس الاقتصادية والاجتماعية، أصبح الانفصال أكثر تكلفة وأقل جاذبية.السودان بعد هذه الحرب لا يستطيع ببساطة أن يعود إلى ما كان عليه قبل الخامس عشر من أبريل 2023. حجم الدماء والدمار والنزوح والتحولات السياسية والاجتماعية يجعل إعادة إنتاج النظام القديم أمرًا لا يعالج أصل المشكلة. المطلوب هو مشروع وطني جديد يقوم على أن السودان وطن لجميع السودانيين بلا تمييز، وأن الحقوق لا تمنح على أساس القبيلة أو الجهة أو اللون أو الانتماء السياسي.نحتاج إلى دولة يكون فيها الجيش مؤسسة وطنية مهنية واحدة، وتعالج فيها قضية التشكيلات المسلحة ضمن مشروع أمني وعسكري وطني واضح، وتكون فيها السلطة المدنية قائمة على المؤسسات والقانون والإرادة الشعبية، لا على السلاح والانقلابات والمحاصصات الدائمة.وفي الوقت نفسه لا يمكن بناء سلام حقيقي دون عدالة. الجرائم والانتهاكات التي ارتكبت خلال الحرب لا ينبغي تجاهلها، وحقوق الضحايا لا يمكن أن تصبح جزءًا من المساومات السياسية. ولكن هناك فرقًا كبيرًا بين العدالة والانتقام. العدالة تحدد المسؤولية وفق القانون والأدلة، بينما الانتقام يعاقب المجتمعات بسبب أفعال أفراد.إذا تحولت مرحلة ما بعد الحرب إلى عملية انتقام جماعي، فسوف نزرع بذور حرب جديدة. ولذلك يحتاج السودان إلى عدالة مستقلة تكشف الحقيقة وتنصف الضحايا وتحاسب المسؤولين، وفي الوقت نفسه تفتح الطريق أمام مصالحة وطنية واجتماعية واسعة.وللسودانيين في الخارج دور مهم في هذه المرحلة. فالجاليات المنتشرة في الولايات المتحدة وأوروبا والخليج ومصر وأفريقيا وغيرها تستطيع أن تلعب دورًا إيجابيًا في إعادة البناء ونقل الخبرات والاستثمار والتواصل مع المؤسسات الدولية. لكن ذلك يتطلب ألا تتحول الجاليات إلى امتداد للاستقطاب الداخلي، وألا ننقل كل معارك الداخل إلى مجتمعات السودانيين في المهجر.يجب أن يكون دورنا في الخارج هو تقريب السودانيين من بعضهم، وليس زيادة المسافة بينهم.الاتفاقات السياسية والمفاوضات والوساطات الإقليمية والدولية كلها ضرورية، لكن السلام الحقيقي لن تصنعه العواصم الخارجية وحدها. السلام المستدام يبدأ عندما يقرر السودانيون أنفسهم أنهم لا يريدون توريث هذه الحرب لأبنائهم.يبدأ السلام الحقيقي عندما يستطيع المواطن من دارفور أن يشعر بالأمان في الشمال، والمواطن من الشمال أن يشعر بالأمان في دارفور، ومواطن الشرق أن يعتبر كردفان وطنه، ومواطن كردفان أن يعتبر الجزيرة وطنه، وأن يشعر الجميع بأن الخرطوم عاصمة لهم جميعًا وليست ملكًا لقبيلة أو جهة أو حزب أو قوة عسكرية.هل ما زالت وحدة السودان ممكنة؟ نعم، ما زالت ممكنة، ولكن الوقت ليس مفتوحًا إلى ما لا نهاية. كل سنة إضافية من الحرب تعني مزيدًا من الدماء والنزوح والدمار والكراهية، ومزيدًا من المصالح الاقتصادية والسياسية المرتبطة باستمرار الصراع. وكلما طال أمد الانقسام على الأرض أصبح تحويله إلى واقع سياسي دائم أكثر احتمالًا.لذلك فإن المحافظة على وحدة السودان لا تكون بالشعارات وحدها، وإنما بمعالجة الأسباب التي جعلت الوحدة نفسها موضع اختبار. يجب أن يشعر المواطن بأن الدولة تحميه، وأن القانون ينصفه، وأن ثروات البلاد ملك لجميع السودانيين، وأن أبناءه يستطيعون الوصول إلى التعليم والعمل والمناصب العامة دون الحاجة إلى قبيلة أو بندقية أو واسطة سياسية.السودان اليوم لم ينقسم رسميًا إلى دول جديدة، لكنه تعرض بالفعل لانقسامات خطيرة أفقيًا ورأسيًا ومعنويًا. انقسمت الأرض إلى مناطق نفوذ، وانقسمت المؤسسات والقوى السياسية والاجتماعية، والأخطر من كل ذلك أن شيئًا من الانقسام تسلل إلى النفوس.وهذا هو الجرح الذي ينبغي أن نخاف منه أكثر من خطوط الخرائط.فالحدود يمكن الاتفاق عليها، والحكومات يمكن تغييرها، والجيوش يمكن إعادة تنظيمها، والمباني يمكن إعادة إعمارها، لكن إعادة بناء الثقة بين أبناء الوطن هي المهمة الأصعب.السودان يحتاج إلى وقف الحرب، ولكنه يحتاج أيضًا إلى ما هو أبعد من وقف إطلاق النار. يحتاج إلى مصالحة وطنية واجتماعية، وعدالة بلا انتقام، ومؤسسات بلا محاصصة، وجيش وطني مهني واحد، واقتصاد يربط الأقاليم ببعضها، ودولة مواطنة تحترم التنوع، وخطاب جديد يعيد للإنسان السوداني قيمته قبل القبيلة والجهة والسياسة.إن أخطر تقسيم يمكن أن يصيب السودان ليس أن نرسم خطًا جديدًا على الخريطة، وإنما أن يصبح ذلك الخط موجودًا في قلوب السودانيين.ولذلك فإن المعركة الحقيقية القادمة ليست فقط معركة إنهاء الحرب، وإنما معركة استعادة السودان نفسه: أرضًا وشعبًا ووجدانًا.فإذا استطعنا إعادة بناء الإنسان السوداني وثقته في أخيه وفي دولته، يمكننا إعادة بناء الوطن مهما بلغ حجم الدمار. أما إذا انتهت المدافع وبقيت الكراهية، فقد تتوقف الحرب دون أن يتحقق السلام.السودان لا يحتاج فقط إلى أن يبقى موحدًا على الخريطة، بل يحتاج قبل كل شيء إلى أن يعود موحدًا في وجدان أبنائه.The post السودان انقسم أفقيًا ورأسيًا ومعنويًا… فهل نستطيع إعادة توحيده؟ appeared first on صحيفة مداميك.