عسكرة المجتمع.. حين يتحول السلاح إلى سلطة والإفلات من العقاب إلى قاعدة

Wait 5 sec.

مداميك: ندى رمضانلم تعد عسكرة الحياة المدنية في السودان تقتصر على انتشار القوات والحركات المسلحة في مناطق النزاع، بل امتدت إلى تفاصيل الحياة اليومية، من الشوارع والمؤسسات الحكومية إلى المدارس والأحياء السكنية. في ظل الحرب المتواصلة التي تسببت في تعدد مراكز القوة والسلاح وتراجع السلطة المدنية والقضائية، واتسعت بموجب ذلك مساحة استخدام القوة خارج القانون، ليجد المواطن نفسه أمام واقع تصبح فيه البزة العسكرية والسلاح والنفوذ أقوى من سلطة القانون.وكشفت جرائم وانتهاكات متعددة خلال هذه الفترة مظاهر مقلقة لهذا الواقع؛ من الاعتداء على مواطن نازح ومصادرة مصدر رزقه في مدينة الأبيض، إلى الاعتداء على معلم داخل مدرسة في أم درمان تحت تهديد السلاح، وصولاً إلى اتهامات باختطاف مدنيين واحتجازهم خارج نطاق القانون. وفي وقت يؤكد مراقبون وقانونيون أن هذه الوقائع لا تعكس مجرد تجاوزات فردية، وإنما تثير تساؤلات حول تراجع سيادة القانون واتساع دائرة الإفلات من العقاب في ظل الحرب وانتشار السلاح وتعدد القوى المسلحة.اعتداءات داخل المجال المدنيفي مدينة الابيض عاصمة ولاية غرب كردفان أثارت واقعة اعتداء عناصر امن يعملون كموظفين في المحلية على شاب غضبا شعبيا، بعد اعتقاله وهو يعمل في درداقة لإعالة اسرته ومصادرة الميزان الذي يعمل به وحلق شعره بغرض اذلاله واهانته، ولم تتوقف مظاهر استخدام القوة ضد المدنيين عند هذه الحادثة، إذ شهدت مدرسة التدريب النموذجية بنين بالحارة الثالثة بمحلية كرري في أم درمان، قبل يومين، حادثة اعتداء على أحد المعلمين داخل حرم المدرسة.وقالت لجنة المعلمين السودانيين إن أحد المعلمين تعرض للصفع أمام المعلمين والتلاميذ، قبل أن يقوم ولي أمر التلميذ، وهو ضابط سابق برتبة لواء ومعتمد سابق لمحلية كرري، بإشهار سلاحه وتهديد من حاولوا التدخل، إلى جانب توجيه عبارات مهينة للمعلمين.وبحسب إفادة اللجنة، بدأت الواقعة عقب تعامل أحد المعلمين مع تلميذ بسبب سلوك داخل المدرسة، قبل أن يحضر ولي الأمر ويتطور الأمر إلى اعتداء وتهديد بالسلاح.واعتبرت اللجنة أن الحادثة انتهاكاً لحرمة المؤسسة التعليمية وكرامة المعلم وأمن التلاميذ، مؤكدة أن الصفة الرسمية السابقة لا تمنح صاحبها حصانة من القانون ولا تبرر استخدام القوة أو التهديد بالسلاح داخل مؤسسة تعليمية.وطالبت بفتح تحقيق عاجل ومستقل وشفاف، والاستماع إلى المعلمين والتلاميذ وأولياء الأمور والشهود، واتخاذ الإجراءات القانونية بحق المعتدي، والتحقيق بصورة خاصة في واقعة إشهار السلاح والتهديد بإطلاق النار.وحذرت اللجنة من أن أي محاولة للتستر على الحادثة أو تسويتها بعيداً عن القانون من شأنها تعزيز ثقافة الإفلات من العقاب وفتح الباب أمام تكرار الاعتداءات، مشددة على أن «كرامة المعلم ليست قابلة للمساومة».اتهامات بالاحتجاز والتعذيبوفي حادثة أكثر خطورة، أوردت إفادات متداولة اتهامات لضابط يتبع للقوات المشتركة ومجموعته المسلحة باختطاف عدد من المدنيين في ضواحي أم درمان، واحتجازهم على خلفية اتهامات بالتعاون مع قوات الدعم السريع.وبحسب الإفادات، اقتيد عدد من المدنيين قسراً إلى أحد المنازل الذي جرى تحويله إلى موقع للاحتجاز والاستجواب والتعذيب خارج نطاق المؤسسات العدلية، قبل العثور على جثث ستة من المفقودين، فيما تعرض آخرون، وفق الإفادات، للتعذيب وسوء المعاملة.وأضافت الإفادات أن قوة من جهاز الأمن والمخابرات داهمت الموقع وتمكنت من تحرير 13 محتجزاً، كانوا في حالة صحية وإنسانية متدهورة نتيجة التعذيب والجوع، ونُقلوا إلى المستشفيات لتلقي العلاج.وأشارت كذلك إلى أن بعض المحررين كانوا ضمن قوائم المفقودين الذين أبلغت أسرهم عن اختفائهم خلال الفترة الماضية، الأمر الذي أثار مطالب بالتحقيق في ملابسات الاحتجاز والاختفاء وتحديد المسؤولين عنها.وتظل هذه الاتهامات بحاجة إلى تحقيق مستقل يحدد المسؤوليات ويثبت الوقائع، إلا أنها تثير مخاوف واسعة بشأن استخدام تهمة التعاون مع أحد أطراف النزاع غطاءً للاختطاف والاحتجاز والتعذيب والتصفية الجسدية، فضلاً عن خطورة ممارسة جهات مسلحة لأدوار تتجاوز اختصاص المؤسسات العدلية داخل المناطق المدنية.العسكرة تضعف الدولة:ويرى أستاذ العلوم السياسية والدراسات الاستراتيجية بجامعة الزعيم الأزهري عمر يحيى في حديث لـ(مداميك) أن عسكرة الحياة المدنية في السودان لم تعد مرتبطة فقط بوجود القوات والحركات المسلحة، وإنما تحولت إلى ظاهرة تمتد إلى السياسة والمجتمع والاقتصاد، وأصبحت أحد العوامل التي أضعفت بناء الدولة وسيادة القانون ووفرت بيئة مواتية للإفلات من العقاب.ويقول يحي إن أحد أخطر مظاهر العسكرة يتمثل في تحول القوة والعنف إلى وسيلة للوصول إلى السلطة والمشاركة في الحكم، مشيراً إلى أن التجربة السودانية أظهرت في مراحل مختلفة حصول حركات مسلحة على مواقع سيادية وقيادية بعد استخدام القوة العسكرية والتفاوض من موقع السلاح.ويرى يحيى أن تكريس هذا النموذج يبعث برسالة خطرة مفادها أن امتلاك القوة يمكن أن يكون طريقاً أقصر من العمل السياسي والمدني للوصول إلى السلطة، الأمر الذي يشجع أطرافاً أخرى على تبني الخيار المسلح لتحقيق أهداف سياسية.ويضيف أن استمرار هذا النمط أدى إلى تراجع دور التنشئة السياسية والتربية الوطنية لصالح ثقافة التجييش والتدريب العسكري، وأسهم في إعادة تشكيل وعي قطاعات من المجتمع على أساس القوة والسلاح بدلاً من الحوار والتعدد وقبول الآخر. ويحذر يحي من أن تشكيل حكومات تضم حركات مسلحة وأحزاباً وقوى سياسية متباينة، من دون مشروع وطني ، قد يجعل عملية صناعة القرار أقل انسجاماً ويصعّب الوصول إلى سياسات قومية موحدة، كما يمكن أن يؤدي إلى استمرار التنافس المسلح داخل بنية الدولة نفسها.السلاح يوسع دائرة الإفلاتويربط أستاذ العلوم السياسية بين انتشار السلاح وضعف سيادة القانون واتساع دائرة الإفلات من العقاب، موضحاً أن الدولة التي تتعدد فيها مراكز القوة المسلحة تصبح أقل قدرة على فرض القانون بصورة متساوية على جميع الأطراف. لافتا الى ان وجود قوى مسلحة خارج السيطرة المؤسسية الكاملة للدولة يخلق تفاوتاً في تطبيق القانون، ويمنح بعض حاملي السلاح قدرة على مقاومة المؤسسات العدلية والأمنية أو تعطيل إجراءاتها، وهو ما يضعف ثقة المواطنين في العدالة ويدفع إلى اللجوء للقوة بدلاً من المؤسسات القانونية.ويؤكد أن الإفلات من العقاب ليس نتيجة منفصلة عن عسكرة المجتمع، بل يمكن أن يصبح أحد مخرجاتها المباشرة، فكلما تعددت مراكز القوة والسلاح، أصبح إخضاع جميع الأطراف للمساءلة أكثر صعوبة، خصوصاً مع تداخل المصالح السياسية والعسكرية والقبلية.ولا تقتصر آثار العسكرة، وفق يحي، على المجالين السياسي والأمني، بل تمتد إلى الاقتصاد، من خلال ارتفاع الإنفاق العسكري وتراجع الموارد المتاحة للتنمية والخدمات والإنتاج، فضلاً عن انتقال جزء من القوى العاملة من النشاط الإنتاجي إلى النشاط العسكري. محذرا من أن استمرار الحرب يحول أولويات الدولة من التنمية والإنتاج إلى الإنفاق على الحرب والأمن، بما يضعف قطاعات التعليم والصحة والبنية التحتية ويعمق الأزمة الاقتصادية والاجتماعية.كما يرى أن انتشار السلاح يغير طبيعة العلاقات داخل المجتمع، إذ يتحول في بعض المناطق إلى وسيلة لحسم النزاعات الفردية والقبلية وفرض النفوذ والحماية الذاتية، خصوصاً في ظل تراجع حضور مؤسسات الدولة. مشيرا الى أن هذا الواقع قد يقود إلى «عسكرة اجتماعية لا إرادية»، يصبح فيها امتلاك السلاح جزءاً من ثقافة الحماية والردع، وربما رمزاً للقوة والمكانة الاجتماعية.من القوة إلى السلطةويخلص يحي إلى أن العسكرة في السودان بدأت تاريخياً مرتبطة بالانقلابات العسكرية والصراع على السلطة، لكنها تطورت لتتداخل مع عوامل سياسية وقبلية واجتماعية، وأصبحت تتجاوز سيطرة المؤسسة العسكرية على الحكم إلى حضور السلاح داخل المجتمع المدني.ويقول إن أخطر ما في الظاهرة هو انتقال السلاح من أداة مرتبطة بالصراع إلى وسيلة للتنافس السياسي والاجتماعي، فيما تجمع بعض الحركات بين العمل العسكري والسياسي، بما يرسخ معادلة «التفاوض من موقع القوة». ويحذر من أن استمرار هذه المعادلة يبقي السودان في دائرة مغلقة: عنف ينتج سلاحاً، والسلاح ينتج نفوذاً، والنفوذ يفتح الطريق إلى السلطة، وغياب المساءلة يعيد إنتاج العنف من جديد.ويرى أن الخروج من هذه الدائرة يتطلب إعادة الاعتبار إلى التداول السلمي للسلطة، وترسيخ الديمقراطية، وتقوية مؤسسات الدولة المدنية والعدلية، إلى جانب معالجة انتشار السلاح بصورة شاملة. داعيا إلى إعادة بناء برامج التنشئة السياسية والتربية الوطنية ونشر ثقافة السلام بدلاً من التجييش والتدريب العسكري، وتأهيل منظمات المجتمع المدني للقيام بدورها في الرقابة والدفاع عن الحقوق.ويؤكد يحيى أن وجود دستور متوافق عليه يحمي الحقوق والحريات ويضمن المساواة أمام القانون يمثل أحد الشروط الأساسية لمواجهة الإفلات من العقاب، لكن الأهم، بحسب رؤيته، هو تطبيق القانون على الجميع دون استثناء، بغض النظر عن الموقع السياسي أو العسكري أو الاجتماعي.القانون في مواجهة النفوذومن جانبه، يرى المحامي والمدافع عن حقوق الإنسان عثمان البصري أن مواجهة الإفلات من العقاب تبدأ بالالتزام بالتسلسل القانوني في التعامل مع الجرائم، موضحاً أن الإجراءات الجنائية يفترض أن تتم عبر القانون الجنائي والنيابة المختصة والشرطة الجنائية.ويقول البصري لـ(مداميك) إن أي شخص أو جماعة تتعرض لاعتداء أو انتهاك يمكنها اللجوء إلى النيابة وتقديم البينة المبدئية التي تثبت وقوع الجريمة، وعند توافر الأساس القانوني تتخذ النيابة الإجراءات اللازمة، بما في ذلك إصدار أمر قبض في مواجهة المتهم، مشيراً إلى أن هذا هو المسار الذي يفترض أن يحكم عملية التقاضي ويحفظ حقوق المواطنين.لكنه أشار إلى أن ظروف الحرب وحالة الطوارئ أوجدتا واقعاً مختلفاً، مضيفا ان السودان يشهد حالياً انتهاكات وصفها بالكبيرة تنسب إلى جهات أمنية وعسكرية وقوات متحالفة معها، معتبراً أن تدخل هذه القوات في إجراءات إنفاذ القانون أصبح أحد مسارات الإفلات من العقاب.وأوضح البصري أن القوات النظامية ليست الجهة الأصلية المختصة بإنفاذ القانون الجنائي، وأن وجود حصانات وضعف الجهاز العدلي يجعلان طريق التقاضي أكثر صعوبة، الأمر الذي قد يؤدي إلى وضع بعض الجهات في موقع يتجاوز سلطة القانون.وأضاف أن مظاهر العسكرة وانتشار القوة المسلحة أدت إلى امتلاك بعض القوات قدرة أكبر من الشرطة، وهي الجهة المنوط بها إنفاذ القانون، مشيراً إلى أن مجموعات مسلحة متحالفة مع الجيش، أصبحت في بعض الحالات تتدخل في عمل مراكز الشرطة وتنتزع منها أشخاصاً متهمين بارتكاب جرائم.ويرى البصري أن تداخل الدولة مع مجموعات مسلحة خارج المؤسسات العدلية يمكن أن يوفر لها سياجاً من الحصانة، وحذر من أن استمرار هذا الوضع، مع ضعف المؤسسات العدلية، يمهد لاتساع الإفلات من العقاب.سيادة القانون أولاًوفي رده حول نوع الآليات القانونية التي يفترض تفعيلها لمحاسبة من يستغل سلطته أو صفته الرسمية في ارتكاب انتهاكات بحق المدنيين، يرى البصري أن المدخل الأساسي يتمثل في تفعيل مبدأ سيادة حكم القانون، بحيث يكون جميع السودانيين، بمختلف مواقعهم وانتماءاتهم، سواسية أمام القانون وخاضعين لأحكامه.وأشار إلى وجود نصوص في القانون السوداني تتعلق بالاعتقال غير المشروع واستغلال السلطة، معتبراً أن تفعيلها، رغم التحديات التي تواجه المنظومة العدلية، يمكن أن يسهم في الحد من الانتهاكات. لكنه شدد على أن تطبيق هذه النصوص يتطلب إصلاح المنظومة العدلية، إلى جانب توافر الإرادة السياسية، بحيث يصبح القانون هو المرجعية العليا في الدولة.ويقول البصري إن استمرار تعدد مراكز القوة المسلحة، وعدم إخضاع جميع الأطراف للقانون، سيُبقي الإفلات من العقاب احتمالاً قائماً، مضيفاً أن «ما لم يتم فرض القانون وسيادته على كل الأطراف، سيظل الإفلات من العقاب وارداً ومتاحاً».إعادة بناء الدولةوتكشف هذه الوقائع والإفادات عن أزمة تتجاوز مجرد تجاوزات أمنية متفرقة؛ فحين يصبح السلاح حاضراً في المدرسة والشارع ومكان العمل، وحين تتداخل السلطات العسكرية والأمنية مع اختصاص المؤسسات العدلية، تتآكل الحدود بين الدولة والقوة، ويصبح المواطن أكثر عرضة للانتهاك وأقل قدرة على الوصول إلى العدالة.ولا يمكن معالجة هذه الأزمة بمجرد ملاحقة بعض الأفراد حسب مراقبين، إذ ترتبط جذورها بتعدد مراكز القوة، وضعف المؤسسات، وانتشار السلاح، وتراجع استقلال وفاعلية الأجهزة العدلية. ومن ثم، فإن استعادة سيادة القانون تتطلب إعادة بناء المؤسسات المدنية والعدلية، وضمان خضوع القوات النظامية والمجموعات المسلحة للقانون، ومراجعة أطر الحصانات، وتعزيز استقلال النيابة والقضاء، إلى جانب معالجة جذور انتشار السلاح حسبما يؤكد القانونيون.فالمعادلة لا تتعلق فقط بمن يحمل السلاح حسبما يعتبر مراقبون، وإنما بمن يملك سلطة استخدامه، ومن يحاسبه عندما يتجاوز القانون. وعندما يصبح النفوذ أقوى من العدالة، يتحول الإفلات من العقاب من استثناء إلى قاعدة، وتصبح عسكرة المجتمع واحدة من أخطر العقبات أمام إعادة بناء الدولة السودانية.The post عسكرة المجتمع.. حين يتحول السلاح إلى سلطة والإفلات من العقاب إلى قاعدة appeared first on صحيفة مداميك.