عمار الباقرمن يتابع التطورات الأخيرة في مسار الأزمة السودانية يلحظ أنها تتجه نحو نموذج الجيل الثالث من عمليات حفظ السلام، وهو نموذج تم تدشينه في هايتي من خلال بعثة الأمم المتحدة لتحقيق الاستقرار في هايتي (MINUSTAH) في سنة 2004م. وهو النموذج الذي يتم التعامل وفقه حالياً مع الأزمة في كل من ليبيا واليمن وعدد آخر من الدول التي تعاني من نزاعات مسلحة.في نماذج الجيلين الأول والثاني من عمليات حفظ السلام، كان التوصل إلى اتفاق سياسي بين الأطراف المتحاربة يُعتبر ركيزة الانطلاق الأساسية لعمليات حفظ وبناء السلام، سواء تبنّتها بعثات الأمم المتحدة لحفظ السلام أو تكتلات إقليمية مثل الاتحاد الأفريقي أو الاتحاد الأوروبي أو حتى دول.نموذج الجيل الثالث من عمليات حفظ وبناء السلام لم يعد يشترط التوصل إلى اتفاق سياسي بين المجموعات المتحاربة، ويستبدل ذلك بمفهوم خفض العنف المجتمعي (Community Violence Reduction – CVR)، والذي ينظر إلى الأطراف والكيانات المتقاتلة والمناطق التي تسيطر عليها ككيانات أمر واقع، ويتعامل معها وفق حزمة من الحوافز والعقوبات تهدف إلى خفض معدلات العنف والانتهاكات، مع الحفاظ على الأوضاع كما هي داخل المناطق التي تسيطر عليها هذه المجموعات، ودون أن تشغل نفسها بقضايا سياسية من قبيل التوصل الي اتفاق سياسي يصون وحدة التراب الوطني ويضع حداً نهائياً للنزاع في هذه الدول.من ينظر إلى سياسة المجتمع الدولي في عدد من الدول المجاورة مثل ليبيا واليمن، يتلمس بوضوح ظلال هذه السياسة، ومن أراد أن يتعرف على مآلاتها طويلة المدى، فلينظر إلى الصومال؛ حيث تمكنت عصابات القرصنة والجريمة المنظمة في هذا البلد من إنشاء حكومات أمر واقع في كل من أرض الصومال وبوتلاند، نازعت الحكومة المركزية في مقديشو واضعفتها، بل وتحولت إلى مهدد إقليمي لكل دول المنطقة.من الغرور بمكان الاعتقاد أن السودان سوف يكون استثناءً عما يجري في المنطقة أو عن مآلات الوضع في الصومال، خصوصاً وأن هذا النموذج يتيح فرصة أكبر للسيطرة على موارد البلاد وتهريبها واستغلالها لصالح الدول والشركات الكبرى، دون قيود قانونية تُذكر في ظل هذه الأوضاع الملتبسة، وما حادثة الذهب السوداني الذي وُجد بحوزة شركة فولكس فاجن الألمانية ببعيدة عن الأذهان.في تقديري المتواضع، أن ما يجري من تحركات نحو قيادة حوار سوداني/سوداني بالداخل هو قولة حق أُريد بها باطل؛ فهو، في حقيقة الأمر، حوار بين مجموعة من الأطراف السودانية تحت رعاية قوى إقليمية بامتياز، وبالتالي تكون مسألة الملكية الوطنية لهذا الحوار موضع تساؤل كبير.كذلك، فمن ينظر إلى هذا الحوار بتمعن، يجده يشبه تلك الحوارات التي ظلت تجري في كل من ليبيا واليمن، وجميعها حوارات سقفها احتواء الأزمة وخفض مستوى العنف المجتمعي، ولا تهدف إلى الوصول إلى اتفاق سياسي شامل ونهائي للأزمة، الأمر الذي يجعلها واحدة من فعاليات الجيل الثالث من عمليات حفظ السلام.لن يكون هناك اتفاق نهائي وشامل للأزمة السودانية دون وجود ضغط شعبي يمثل الغطاء السياسي والمرجعية الأخلاقية لأي اتفاق. فالتحركات الشعبية هي وحدها الكفيلة بالضغط على جميع الأطراف، بما فيها القوى الدولية والإقليمية، للتحرك الجاد نحو هذا الاتفاق. فالتحركات الشعبية سوف تجبر أولئك الممسكين بتلابيب السلطة على السعي بالجدية المطلوبة للتوصل لاتفاق سلام نهائي وشامل خوفاً من فقدانهم كراسي السلطة التي سوف تهتز بفعل التحركات الشعبية، كما ستجبر القوى الإقليمية على الانحياز الجاد لهذا الخيار، خوفاً على مصالحها التي تمثلها أطراف الحرب الدائرة اليوم.أما من ينتظر أن توفر له دوائر النفوذ الدولية والإقليمية منبراً مجانياً لعرض مطالبه، وبسط رؤاه نحو السلام الشامل والدائم، ففي تقديري أن هذه الدوائر قد تجاوزت هذا المربع منذ مدة ليست بالقصيرة.The post إلى أين يتجه مسار الأزمة السودانية؟ appeared first on صحيفة مداميك.