مهدي داود الخليفةيمر حزب الأمة القومي اليوم بواحدة من أدق وأخطر مراحله منذ تأسيسه، ليس فقط بسبب الحرب التي مزقت السودان وشتتت عضويته وقياداته بين الداخل والخارج، وإنما أيضاً بسبب تصاعد الخلافات داخل مؤسساته، وتنامي النزاع حول الشرعية والاختصاصات، بما ينذر بتحول الخلاف السياسي والتنظيمي إلى انقسام مؤسسي يصعب احتواؤه.وتأتي الدعوة الأخيرة إلى عقد اجتماع استثنائي للهيئة المركزية، وما صاحبها من تشكيل لجنة عليا للإعداد للاجتماع، في لحظة شديدة الحساسية؛ إذ لا تأتي في فراغ سياسي، وإنما في ظل خلافات عميقة حول طريقة إدارة الحزب خلال الحرب، وحول العلاقة بين مؤسساته واختصاصاتها.وهنا لا بد من القول بوضوح إن انتقاد القيادة الحالية للحزب ليس جريمة، بل هو حق مشروع وضرورة تنظيمية وسياسية. فقد كشفت السنوات الأخيرة أن القيادة الحالية، وبصرف النظر عن حسن النوايا، لم تكن دائماً في مستوى التحديات التاريخية التي واجهها حزب بحجم حزب الأمة، وأن بعض القرارات والمواقف أسهمت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في دفع قيادات وقواعد إلى تشكيل تيارات ومراكز نفوذ متنافسة.لكن الاعتراف بأخطاء القيادة لا يعني القبول بمعالجة الخطأ بخطأ أكبر منه.فإذا كانت القيادة قد أخطأت في إدارة الحزب، فإن العلاج لا يكون بتجاوز مؤسساته المنتخبة، أو نقل الاختصاصات من مؤسسة إلى أخرى، أو إنشاء ترتيبات موازية قد تنتهي، عملياً، إلى إنتاج حزب آخر تحت الاسم التاريخي نفسه.المسألة الأكثر حساسية في التطورات الحالية تتعلق بالهيئة المركزية، باعتبارها مؤسسة دستورية لا ينبغي التعامل معها باعتبارها جهازاً تابعاً لأي قيادة تنفيذية.وبحسب النصوص الواردة في دستور حزب الأمة القومي لسنة 1945 المعدل لسنة 2009، فإن المادة 16-1 تجعل الهيئة المركزية أعلى سلطة في الحزب بعد المؤتمر العام، بينما تمنحها المادة 16-2 اختصاصات مهمة، من بينها مراقبة أداء أجهزة الحزب وانتخاب المكتب السياسي والأمين العام.كما تنص المادة 16-3/هـ على أن رئيس الهيئة المركزية يدعو إلى اجتماعات الهيئة بالتشاور مع رئيس الحزب، فيما تنص المادة 16-4 على أن الهيئة تجتمع كل عام، ويجوز لرئيسها الدعوة إلى اجتماع طارئ بموافقة ثلث أعضائها.وبالتالي فإن جوهر المسألة ليس مجرد خلاف إجرائي حول من يوجه الدعوة، وإنما يتعلق باحترام بنية الحزب الدستورية وحدود اختصاص كل مؤسسة.فإذا كان الدستور قد أناط برئيس الهيئة المركزية الدعوة إلى اجتماعاتها، فإن نقل هذا الاختصاص إلى جهة أخرى يحتاج إلى سند دستوري واضح، وليس إلى مجرد تفسير سياسي للظروف أو للأزمة.ومن هنا ينبغي أن يكون الاحتكام إلى الدستور هو نقطة البداية، لا نتيجة تأتي بعد احتدام الخلاف.لا أحد يستطيع أن يجادل في أن حزب الأمة يحتاج إلى استعادة مؤسساته وحياته التنظيمية، وأن الحرب عطلت الكثير من هياكله. وربما أصبح اجتماع الهيئة المركزية ضرورة لمعالجة الأزمة.لكن السؤال الصحيح ليس فقط: هل يحتاج الحزب إلى اجتماع للهيئة المركزية؟بل: من يملك دستورياً الدعوة إليه؟ وكيف يتم تحديد عضويته؟ ومن يضع جدول أعماله؟ ومن يتحقق من صحة التوقيعات والنصاب؟ وكيف تضمن مشاركة أعضاء الهيئة الموجودين داخل السودان وخارجه؟هذه ليست تفاصيل إجرائية؛ إنها جوهر الشرعية.فالهيئة المركزية ليست لجنة تابعة للرئاسة، وإنما مؤسسة يفترض أن تمارس دوراً رقابياً وتنظيمياً مستقلاً. ومن ثم فإن انتزاع اختصاصات رئيس الهيئة المركزية وتحويلها إلى مجموعة داخل مؤسسة الرئاسة، ثم احتمال امتداد النهج نفسه إلى الأمانة العامة والمكتب السياسي، يعني عملياً إفراغ المؤسسات من مضمونها وتحويل الدستور من مرجعية حاكمة إلى نص قابل للتجاوز عندما تتعارض أحكامه مع موازين القوى.وتزداد المسألة خطورة عندما تتولى جهة سياسية طرف في النزاع مراجعة كشوفات العضوية، وإعداد جدول الأعمال، وإدارة الحشد التنظيمي والسياسي للاجتماع.فمن أخطر قواعد العمل الديمقراطي أن تكون الجهة التي تحدد من يحق لهم المشاركة هي نفسها الجهة التي تخوض معركة سياسية حول نتائج الاجتماع.ولا يمكن تجاهل واقع الحرب. فعضوية الحزب موزعة اليوم بين مناطق مختلفة داخل السودان، وبين دول اللجوء والمهجر، الأمر الذي يجعل عقد اجتماع واسع للهيئة المركزية تحدياً استثنائياً.ولهذا فإن عقد الاجتماع في مكان تسيطر عليه جهة عسكرية أو سياسية بعينها قد يطرح سؤالاً يتجاوز المكان إلى شرعية التمثيل نفسه.حزب الأمة القومي حزب قومي، وليس حزباً مرتبطاً بمنطقة نفوذ عسكري. ولا يجوز أن تتحول القدرة على الوصول إلى مكان انعقاد الاجتماع إلى امتياز تنظيمي، بينما يُحرم أعضاء آخرون من المشاركة بسبب النزوح أو الحرب أو ظروف اللجوء والهجرة.وأي اجتماع للهيئة المركزية في هذه الظروف يحتاج إلى ضمانات واضحة بشأن العضوية، والتمثيل الجغرافي، والمشاركة من الداخل والخارج، وآليات التصويت، بما يحول دون إقصاء أي تيار أو مجموعة بسبب ظروف الحرب.الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في الخلاف حول من يقود الحزب، وإنما في أن يتحول الخلاف إلى إعادة تشكيل كاملة لبنيته المؤسسية.فإذا أصبح من الممكن تجاوز رئيس الهيئة المركزية اليوم، فمن الذي يمنع غداً تجاوز الأمانة العامة؟ وإذا أمكن تجاوز الأمانة العامة، فما الذي يمنع تجاوز المكتب السياسي؟وعندما يصبح كل جهاز قابلاً للتجاوز متى اختلف مع القيادة، فما الذي يتبقى من الدستور؟عندها لن تكون المشكلة في تغيير الأشخاص، وإنما في تغيير طبيعة الحزب نفسه؛ حزب يحمل الاسم التاريخي، لكنه لا يعمل وفق مؤسساته وقواعده الدستورية، وإنما وفق مراكز قرار جديدة تستمد قوتها من موازين القوى السياسية المحيطة بها.وهنا يكمن الخطر الأكبر: أن يتحول حزب الأمة تدريجياً من حزب يسعى إلى الوقوف على مسافة واحدة من طرفي الحرب والدفع نحو الحل المدني، إلى طرف في الاستقطاب السياسي والعسكري الذي مزق السودان.لا يعني هذا رفض اجتماع الهيئة المركزية، بل على العكس؛ قد يكون الاجتماع ضرورياً، وربما يمثل فرصة تاريخية لإنقاذ الحزب، إذا تم التحضير له بتوافق حقيقي بين مختلف الأطراف والتيارات.أما عقد اجتماع تدعو إليه مجموعة منفردة، وتتحكم في ترتيباته وعضويته وجدول أعماله، في ظل انقسام واضح داخل القيادة، فقد يتحول من وسيلة لمعالجة الأزمة إلى أداة لتعميقها، ومن فرصة لتوحيد الحزب إلى خطوة عملية نحو إقصاء المجموعات المخالفة في الرؤية والموقف.ولذلك فإن الطريق الآمن يبدأ بالاحتكام إلى الدستور، والتحقق المحايد من صحة طلب الاجتماع والنصاب، وعدم انفراد أي طرف بتحديد العضوية أو جدول الأعمال، وتشكيل لجنة توافقية للإعداد للاجتماع، وضمان مشاركة أعضاء الهيئة من داخل السودان وخارجه، والاتفاق على جدول أعمال واضح، وعدم اتخاذ قرارات تمس مؤسسات الحزب إلا وفق النصوص الدستورية، وإنشاء آلية قانونية توافقية لحسم أي خلاف حول الاختصاصات قبل انعقاد الهيئة.فالهيئة المركزية ينبغي أن تكون جسراً للوفاق، لا ساحة للغلبة؛ ومؤسسة لاستعادة وحدة الحزب، لا أداة لإقصاء خصومه.والإنصاف يقتضي القول إن هذا المقال ليس دفاعاً عن القيادة الحالية. فالقيادة تتحمل مسؤولية كبيرة عن الوضع الذي وصل إليه الحزب، والإصلاح والتجديد والمحاسبة والمراجعة السياسية والتنظيمية كلها مطالب مشروعة.لكن الإصلاح لا يكون على أنقاض المؤسسات.فالقيادة التي أخطأت لا ينبغي أن تُستبدل بفوضى تنظيمية، والرغبة في التجديد لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لتجاوز الدستور.لقد مر حزب الأمة عبر تاريخه بأزمات وانقسامات وصراعات عميقة، لكنه ظل قادراً على البقاء لأنه كان أكبر من الأشخاص وأوسع من القيادات المتعاقبة.أما اليوم، فإن الخطر أكثر تعقيداً: حرب تهدد السودان، وأزمة داخلية تهدد واحدة من أهم مؤسساته السياسية.إن حزب الأمة لا يحتاج إلى اجتماع ينتصر فيه فريق على فريق، وإنما إلى اجتماع ينتصر فيه الحزب على أزمته.ولا يحتاج إلى شرعية تُصنع على عجل، وإنما إلى شرعية تحظى بثقة المختلفين قبل أن تحظى بأصوات المؤيدين.ولا يحتاج إلى إعادة توزيع للمواقع تحت ضغط الحرب، وإنما إلى حماية كيانه من أن يصبح امتدادًا للاستقطاب الذي يمزق السودان.إن اللحظة الراهنة ليست مجرد خلاف تنظيمي عابر، ولا معركة بين أشخاص على مواقع قيادية؛ إنها اختبار حقيقي لقدرة حزب الأمة القومي على أن يظل حزب مؤسسات، وأن يحتكم إلى دستوره عندما تشتد الخلافات، وأن يضع مصلحة كيانه فوق مصالح تياراته وقياداته.فإما أن تتحول الهيئة المركزية إلى فرصة تاريخية لإعادة بناء الثقة، وترميم الوحدة، وتصحيح المسار، وتجديد الشرعية على أساس توافقي؛ وإما أن تتحول، إذا أُديرت بمنطق الغلبة والإقصاء، إلى الشرارة الأولى لانفراط عقد حزب عريق ظل لعقود أحد ركائز الحياة السياسية السودانية.وفي هذه اللحظة الفارقة، لا يحتاج حزب الأمة إلى منتصرين في معركة داخلية، بقدر ما يحتاج إلى رجال ونساء يدركون أن أعظم انتصار يمكن أن يتحقق هو أن يبقى الحزب موحداً، مؤسسياً، مستقلاً، وقادراً على أداء دوره الوطني في إنقاذ السودان.“فاحفظوا حزب الأمة قبل أن يسألكم التاريخ: ماذا فعلتم بحزبٍ كان أمانةً في أعناقكم؟The post دعوة الهيئة المركزية لحزب الأمة؟ حين يتحول الخلاف التنظيمي إلى خطر على وحدة الحزب appeared first on صحيفة مداميك.