هجر العصافير اوكارها … أين اختفت الطيور المستوطنة في السودان؟

Wait 5 sec.

تقرير :اخلاص نمر …(كنت أمارس نشاطي المحبب في إطعام الطيوروتوفير الماء ،فهذه عادة نشأت معي منذ الصغر، وكانت أشجار منزلنا تمثل هدوء العودة المسائية، للصغار والعش، كنت استمتع بأصوات شقشقتها ،حتى لحظة سكونها،والليل يرخي سدوله).هكذا ابتدرت الناشطة النسوية ورئيسة جمعية المعرفه السودانية غادة كدودة حديثها وترتيب عمل يومها الراتب ،قبل أن تنطلق الرصاصة الأولى في الخرطوم،والتي لم ترحم الإنسان والحيوان والبيئة ،اختفى الامان والهدوء وأصبحت الخرطوم وكل السودان،لا حديث له غيرالدماء والنزوح والجوع والاغتصاب.استيقظت الخرطوم صباح السبت الخامس عشر من أبريل 2026على صوت الرصاص،وكان السؤال الوحيد على لسان الجميع ،بعد تبادل الرسائل على وسائل التواصل الاجتماعي،هل سنصبح ضحايا للرصاص الذي نسمعه الان ؟**اصوات ..لم يكن السكان في الخرطوم وحدهم ،ممن أحاطت بهم أصوات البنادق والدخان والأبخرة المتصاعدة، بل كانت حيوانات العاصمة على اختلاف أشكالها وأنواعها ومسمياتها، في الشوارع والمنازل تنكمش على نفسها ،عند سماع الرصاص ،وتهرب إلى أماكن متفرقة بحثا عن الأمان ،وبدأت الطيور والحمائم والعصافير،تفرد جناحيها بعيدا عن أشجار المنازل والحدائق العامة،بحثا عن أعشاش بعيدة ،وهنا تضيف كدودة –التي لم تفارق السودان طوال مدة الحرب(كانت الطيور أثناء الحرب ،ومع انعدام الماء، الذي أدى إلى موت الأشجار،ورغم محاولاتي لتوفيره لها بجانب الطعام، إلا أنها بدأت تغادر المكان في أسراب كبيرة،في كل يوم تختفي وينقص عددها،وما تبقى كنت اسمع صوته احيانا ،ولكن بنادق الجنجويد لم ترحمهم،إذ كانوا يصوبون بنادقهم مساء تجاه الأشجار ،الأمر الذي تسبب في فزعها وهروبها وماعدت استمتع بشقشقتها ).                      **ذكاء فطري …تميزالطيور الإنسان الخطرمن غيره ، فبعض الطيور تتجنب أشخاصًا بعينهم إذا سبق أن تعرضت منهم للأذى،كذلك تتعرف الطيور على أصوات المفترسات، مثل الصقور والقطط، وتطلق نداءات إنذار مختلفة بحسب نوع الخطر،كما أنها تجتهد في اختيار أماكن آمنة للتعشيش بعيدًا عن مصادر الإزعاج أو التهديد.فهي تغير سلوكها إذا شعرت بالخطر، مثل الصمت المفاجئ، أو الاختباء، أو الطيران في أسراب، أو مغادرة المنطقة مؤقتًا.**سلوك …يوضح الاستاذ عوض صديق رئيس نادي مشاهدة الطيور أنه طوال فترة إقامته في امدرمان أثناء الحرب،قد شاهد ورصد تغييرا كبيرا في سلوك الطيور المقيمة ،مثل اليمام الضاحك واليمام المطوق الذي أصبح صوته منخفضا ،وبدأ في بناء أعشاش جديدة في أماكن منخفضة في الأشجار كثيفة الاوراق ،لكن عصفور الدوري أو الجاو،أصبح قليلا خاصة في المناطق القريبة من مناطق الاشتباك،والرصاص الكثيف،مشيرا إلى أن طائر الصرد وبوطويرق والبلبل السوداني قد اختفت تماما من بعض الأحياء ،منوها إلى أن الطيور لاتحب الضوضاء ،وتهاجر لأطراف المدينة تحت تأثير الصدمة الصوتية .**تصنيف ..وتصنف الطيور في السودان من حيث الهجرة والاستيطان،إلى طيور مستوطنة (مقيمة)وهي الطيور التي تقضي طوال فترة حياتها ،وتتزاوج وتربي صغارها وتستقرفي بيئات السودان المختلفة طول العام ،دون أن تهاجر هجرة واسعة النطاق ،أما الطيور المهاجرة ،فهي الطيور التي تتواجد في السودان بشكل مؤقت خلال فترة محددة في السنة،وتأتي ضمن مسارات الهجرة الكبرى قادمة من اوربا وآسيا خلال فصل الخريف والشتاء.**عش مستدام.. بلا تلوث ..وتفضل الطيور أنواعا معينة من الأشجار لبناء أعشاشها،بناء على توفيرها للحماية من المقترحات والظل والغطاء النباتي ووفرة الغذاء،مثل شجرة السنط والطلح والحرازوالهجليج والنخيل والدوم والجميز والموالح والمانجو في المزارع ،وتتفادى الطيور التلوث بتغيير مكانها و مغادرته ،إذا قلت جودة البيئة فيه،وتقول الدكتورة تهاني الحاج أستاذة الحياة البرية بكلية البيئة والموارد الطبيعية بجامعة بحري،(أن التلوث الكيمائي أو الضوضاء ،يدفع الطيور إلى هجر أماكنها ،إلى مناطق أقل تلوثا،فالغرابيات مثلا تميز الأطعمة الملوثة وتتجنبها.).** تنوع …ويمتاز السودان بتعدد انواع الطيور،في تنوع ملحوظ ،وتعيش في كل مكان بداية من الصحراء كالحبارى والحداة الأصفروالقبرة والهدهدية،وفي شبه الصحراء تعيش القطا والقبرة المتوجة،كما تعيش بعض الطيور في المناطق السهلية والغابات ومناطق السافنا والبحر الأحمر،كذلك يوجد في السودان الزرزوريات وشمعي المنار،التي تنتشر في الأشجار والاحراش.** ملاذ آمن …برزت محلية كرري كملاذ آمن أثناء الحرب التي استعرت في قلب العاصمة الخرطوم،وتوجه العديد من السكان من محليتي بحري والخرطوم إلى كرري هربا من الرصاص والقصف المتواصل،وتشرح لنا هنا العقيد شرطة حياة برية منال بحيري ،مدير الإدارة العامه للتنوع الاحيائي في قوات الحياة البرية،(كرري فعلا كانت الملاذ الآمن للسكان والطيور،ولقد لاحظت خلال موسم خريف 2023 ،لجوء أعداد كبيرة من الطيوروالطيور المائية ،إلى برك المياه التي تكونت في عدد من أحياء الثورة بمحلية كرري ). وتشير بحيري إلى أن المشهد يعكس تماما اثر النزاعات المسلحة على سلوك الحياة البرية، حيث تبحث الطيور كما الإنسان عن بيئات أكثر أمنا واستقرارا،توفر لها الغذاء والماء،ومقومات البقاء.** توازن بيئي…ومشهد استثنائي ..تعد منطقة سنجة من أغنى مناطق سنار بالتنوع الحيوي ،إذ وفرت الغابات الطبيعية ،وضفاف النيل الازرق والأراضي الزراعية ،بيئة مثالية لأكثر من مائة نوع من الطيور المقيمة منها والمهاجرة ،مثل اللقالق والبلشونات ،وابي منجل والوراواروالبوم والحمام البري والبط البري،ويبين الاستاذ محمد عثمان ابكر ،أن أسراب الطيور كانت تضفي على منطقة سنجة مشهدا بيئيا فريدا ،يعكس سلامة النظام البيئي وتوازنه ،لكن تغيرهذا الواقع بصورة كبيرة ،حيث تعرضت مساحات من الغابات للتدهور والحرائق والقطع الجائر ،كذلك ارتفعت مستويات الضوضاء ،وتضررت مصادر المياه والغذاء، الأمر الذي أدى إلى نقص بين في إعداد الطيور واختفى بعضها ،ولكن ظهرت في منطقة القويزات جنوب سنجة خلال الأيام الماضية ،مشهدا بيئيا استثنائيا ،تمثل في ظهور أعداد كبيرة من طائر الزرزور،وحلقت في تشكيلات مختلفة غطت السماء ،وهذا يعد مؤشرا مشجعا لبدء تعافي الموائل الطبيعية وعودة مظاهر الحياة البرية ..**هجر .. وتأقلم اضطراري .. أثناء الحرب هجرت طيور كثيرة أعشاشها وخفت تغريد أكثر من 80% من الطيور، ويشير عوض صديق إلى أن موسم 2023،و 2024 كان اسوأ موسم لتفريخ الطيور مؤكدا أن امدرمان فقدت ما أسماه ب (الساوندتراك )إذ غابت اصوات العصافير تماما . وتتفق الدكتورة تهاني الحاج مع الاستاذ صديق في التأثير السلبي للحرب على الطيور المستوطنة ،مبينة أنها فعلا واجهت تداعيات النزاع المسلح ،وتنوعت استجابتها بين سلوكيات التأقلم الاضطراري والنزوح البيئي، والهجرة الداخلية،والفرار من أماكن القصف ،واللجوء إلى الأرياف، منوهة إلى الاضطراب في تكاثرها وفقدان الاعشاش ،نتيجة الازعاج المستمر،والتلوث الصوتي والحرائق.**صورة رقمية…ويوضح دكتور محمد صالح دفع الله خبير الاستشعار عن بعد قائلا( نظم الاستشعار عن بعد توفر مصدر معلومات مثالي ورخيص لتقييم عودة الطيور بعد الحرب، من خلال رصده وتقييمه لحالة الغطاء النباتي، إذ توفر نظم الاستشعار عن بعد صور رقمية مكانية، قادرة على رصد وتقييم الغطاء النباتي، وذلك لأن نظم الأقمار الصناعية الضوئية، تستطيع تقييم حالة الغطاء النباتي من خلال رصد وتسجيل الطاقة الصادرة من الغطاء النباتي، في الأطوال الموجية الخضراء وتحت الحمراء، التي تميز الغطاء النباتي عن غيره من الأجسام على سطح الأرض، ولذلك فإن نظم الاستشعار عن بعد توفر معلومات مكانية جيدة عن حالة الموئل الطبيعي للطيور من ثم البناء على ذلك بعودة الطيور إلى أعشاشها.). ويفند دفع الله حديثه بأن الطيور كغيرها من الكائنات، تعتمد على الموئل الطبيعي الذي يناسبها، ويوفر الموئل الطبيعي للطيور السكن والغذاء والحماية، ويعتبر الغطاء النباتي من أشجار وشجيرات وحشائش هو أحد المكونات الأساسية للموئل الطبيعي للطيور، حيث تعتمد الطيور علي الغطاء في توفير المسكن من ناحية مواد البناء “الأوراق، الألياف، الحشائش”، وتوفير الغذاء من ثمار وحبوب، ولذلك فإن عودة الغطاء النباتي للخرطوم هو مؤشر مادي لعودة الطيور إلى بيئتها الطبيعية. ** حلول ومقترحات..وعن الحلول المقترحة يؤكد صديق لابد من زراعة اكبر عدد من الأشجار في الأحياء لجذب عودة الطيور ثانية،و تفعيل مناطق هادئة في الحدائق بعيدا عن ضجيج السكان ،مع نشر التوعية بعدم صيد الطيور في هذه المرحلة الحرجة،ويختم قائلا (لدينا قاعدة بيانات،هي مرجع حقيقي لدراسة أثر النزاعات والحروب على التنوع الحيوي الحضري في السودان ).من ناحيته يؤكد محمد عثمان على أهمية التشجير كأحد الحلول لاستدامة البيئات الحاضنة للطيور في السودان ،بجانب تأهيل الغابات ،وحماية الموائل ،والحد من الصيد الجائرلتعود أسراب الطيور تحلق في سماء الوطن .The post هجر العصافير اوكارها … أين اختفت الطيور المستوطنة في السودان؟ appeared first on صحيفة مداميك.