د. مزاهر القدالنافذة الانتاج الحيوانيقبل أن يصبح الإنتاج الحيواني علمًا يُدرَّس في الجامعات، كان حكايةً قديمة بين الإنسان والحيوان؛ حكاية بدأت بالحاجة إلى الغذاء، ثم تطورت مع المعرفة حتى أصبحت اليوم علمًا واسعًا تتقاطع فيه علوم التغذية والوراثة والإدارة والتكنولوجيا والاقتصاد ، وتلتقي جميعها عند سؤال واحد: كيف ننتج غذاءً أكثر أمانًا وجودة، بكفاءة أعلى، وبأقل هدر ممكن للموارد؟منذ أن بدأ الإنسان في استئناس الحيوان قبل آلاف السنين ، لم تكن علاقته به مقتصرة على الحصول على اللحم أو اللبن أو الجلد؛ فقد أصبح الحيوان جزءًا من حياته واقتصاده واستقراره . ومع تراكم المعرفة وتطور العلوم، انتقلت تربية الحيوان تدريجيًا من الخبرة المتوارثة إلى الممارسة المنظمة ، ثم إلى علم له مناهجه وأدواته وتخصصاته .ومع تطور علوم الوراثة والتغذية وفسيولوجيا الحيوان والإدارة والرعاية ، لم يعد تحسين الإنتاج قائمًا على زيادة أعداد الحيوانات فحسب ، بل أصبح قائمًا على رفع كفاءتها ، وتحسين البيئة التي تعيش فيها ، وتوفير احتياجاتها الغذائية ، واختيار السلالات المناسبة ، والاستفادة من التقنيات الحديثة.ومن هنا أصبح الإنتاج الحيواني علمًا متكاملًا لا يقف عند حدود تربية الحيوان ، وإنما يتعامل مع منظومة إنتاج تبدأ من الحيوان وتنتهي بالغذاء الذي يصل إلى الإنسان . وفي السودان… كانت الحكاية أقدم من الكليات لم يكن السودانيون في حاجة إلى قاعات جامعية ليتعرفوا إلى الحيوان ؛ فقد ارتبطت تربية الماشية منذ قرون بأنماط الحياة والثقافة والاقتصاد في مناطق واسعة من البلاد. لكن الانتقال من الخبرة التقليدية إلى العلم المنظم كان محطة أخرى في مسيرة طويلة .ومع تطور التعليم الزراعي والفني والجامعي ، بدأ الإنتاج الحيواني يجد طريقه إلى المؤسسات التعليمية والبحثية، ثم أخذ التخصص شكله الأكاديمي بصورة أكثر وضوحًا عبر أقسام ومعاهد وكليات متخصصة.وتعد جامعة الخرطوم إحدى المحطات المهمة في هذه المسيرة؛ إذ تشير المصادر المؤسسية للجامعة إلى تأسيس قسم الإنتاج الحيواني بكلية الزراعة عام 1963، ثم إنشاء معهد الإنتاج الحيواني عام 1982، وصولًا إلى كلية الإنتاج الحيواني عام 1992. وفي مسارات أخرى ، تطور التعليم المتخصص في مؤسسات التعليم الزراعي والفني ، وصولًا إلى كلية علوم وتكنولوجيا الإنتاج الحيواني بجامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا في العام 1991 ، كما أنشئت كلية الإنتاج الحيواني بجامعة الجزيرة في مدينة المناقل عام 1994 . ومع اتساع التعليم العالي ، انتشر تخصص الإنتاج الحيواني في عدد كبير من الجامعات السودانية ، في كليات مستقلة وأقسام وبرامج متخصصة . ولم تكن هذه المؤسسات مجرد قاعات لتخريج الطلاب ؛ فقد خرجت أجيالًا من المتخصصين الذين واصلوا دراساتهم العليا ، وانخرطوا في البحث العلمي والتدريس والإدارة والإنتاج ، وتبوأ بعضهم مواقع أكاديمية وقيادية ، بينما امتدت خبرات آخرين إلى مؤسسات ومنظمات وقطاعات إنتاجية داخل السودان وخارجه .وهنا تبدأ حكاية أخرى تستحق أن تُروى : حكاية الإنسان الذي يقف خلف هذا العلم . الا وهو اختصاصي الإنتاج الحيواني . ليس اختصاصي الإنتاج الحيواني مجرد شخص يعمل في مزرعة ، ولا تنحصر مهمته في متابعة الحيوان وإطعامه.إنه المتخصص الذي يتعامل مع منظومة الإنتاج من زوايا متعددة ؛ من تغذية الحيوان وتصميم العلائق ، إلى التربية والتحسين الوراثي ، والرعاية والإدارة ، وإنتاج الألبان واللحوم والدواجن والأسماك ، وفسيولوجيا التكاثر، وجودة المنتجات وتقنيات تصنيعها ، وغيرها من المجالات التي تتكامل لتصنع سلسلة غذائية واقتصادية واسعة .وفي قلب هذه المنظومة يقف اختصاصي الإنتاج الحيواني، قريبًا من تفاصيل الغذاء الذي يصل إلى موائدنا ، ومن قضايا الأمن الغذائي والاقتصاد والتنمية. يحمل علمه وخبرته وشغفه ، ويوظفها مع الآخرين في منظومة متكاملة هدفها أن يتحول المورد إلى إنتاج ، والإنتاج إلى قيمة ، والعلم إلى أثر . ثروة كبيرة… ومسؤولية أكبريمتلك السودان ثروة حيوانية كبيرة، إلا أن تحديد حجمها الحالي بدقة يظل تحديًا إحصائيًا، بسبب قدم بعض التعدادات وتفاوت التقديرات اللاحقة . وبحسب تقرير بعثة تقييم المحاصيل وإمدادات الغذاء التابعة لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO)، قُدرت أعداد الثروة الحيوانية في السودان بنحو 111.8 مليون رأس في التقديرات السابقة للحرب ، تشمل الضأن والماعز والأبقار والإبل .لكن قيمة هذه الثروة لا تقاس بعدد رؤوسها وحده ؛ فالحيوان يعني غذاءً وفرص عمل ودخلًا للأسر ، وصناعةً للألبان واللحوم والمنتجات الحيوانية ، وسلسلة واسعة من الأنشطة المرتبطة بالأعلاف والتصنيع والنقل والتسويق والخدمات. ومن هنا تصبح علوم الإنتاج الحيواني جزءًا من قضية أكبر : الأمن الغذائي والتنمية الاقتصادية والاستدامة و المستقبل .المستقبل لن يكون مجرد البحث عن أعداد أكبر من الحيوانات ، وإنما عن إنتاج أكثر كفاءة واستدامة . سيكون مطلوبًا تحسين السلالات ، ورفع كفاءة الأعلاف ، وتقليل الفاقد ، والتعامل مع تحديات التغير المناخي وشح الموارد ، وتطوير تقنيات إنتاج وتصنيع الألبان واللحوم ، وتحسين جودة المنتجات وسلامتها، والاستفادة من التكنولوجيا والبيانات والبحث العلمي . وسيتسع دور اختصاصي الإنتاج الحيواني كلما اتسعت هذه التحديات ؛ فالمستقبل لا يحتاج إلى المزيد من الأعداد فقط كما ذكرت ، وإنما يحتاج إلى معرفة قادرة على تحويل الموارد إلى إنتاج ، والعلم إلى قيمة جلية . ولعل أجمل ما في حكاية الإنتاج الحيواني أنها لم تنتهِ بعد ؛ فما بدأ منذ آلاف السنين بعلاقة الإنسان بالحيوان ، تحول إلى علم ، ثم إلى تخصصات ومؤسسات وكفاءات ،واليوم يقف أمام مستقبل مفتوح على التكنولوجيا والابتكار والأمن الغذائي. ومن هنا تبدأ «نافذة الإنتاج الحيواني»؛ نافذة نطل منها كل أسبوع على علمٍ واسع ، وأناسٍ صنعوا الفرق ، وتجارب تستحق أن تُروى ، وأسئلة المستقبل التي لا ينبغي أن نترك الإجابة عنها لغيرنا . من نافذة الأدب حين نحسن رعاية الأرض ، و ما عليها ، لا ننتج غذاءً فحسب ؛ بل نزرع في المستقبل حياة .وأسئلة المستقبل التي لا ينبغي أن نترك الإجابة عنها لغيرنا . من نافذة الأدب حين نحسن رعاية الأرض ، و ما عليها ، لا ننتج غذاءً فحسب ؛ بل نزرع في المستقبل حياة .The post الإنتاج الحيواني… من حكاية الإنسان الأولى إلى صناعة المستقبل appeared first on صحيفة مداميك.