الدعوة إلى الحوار السوداني: محاولة لكسب الوقت أم بداية حقيقية لإنهاء الحرب؟

Wait 5 sec.

عبد المجيد قرشيمنذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، لم تتوقف المبادرات الإقليمية والدولية التي تدعو إلى وقف القتال والعودة إلى طاولة التفاوض. تعددت المنابر، واختلف الوسطاء، وتكررت البيانات التي تتحدث عن وقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، وإيصال المساعدات الإنسانية، ثم الدخول في عملية سياسية سودانية شاملة. ومع ذلك استمرت الحرب واتسعت رقعتها، الأمر الذي جعل قطاعًا واسعًا من السودانيين ينظر إلى أي دعوة جديدة للحوار بكثير من الحذر، بل ويسأل سؤالًا مشروعًا: هل الدعوة الحالية إلى حوار سوداني حقيقي هي بداية جادة لإنهاء الحرب، أم أنها مجرد محاولة لكسب الوقت وإعادة ترتيب المواقف السياسية والعسكرية؟هذا السؤال يصبح أكثر أهمية في ظل التطورات الأخيرة. ففي الوقت الذي تتحدث فيه القوى الإقليمية والدولية عن عملية سياسية، لا يزال التصعيد العسكري مستمرًا. ففي 12 أغسطس 2026 شهدت مدينة الأبيض هجمات جديدة بالطائرات المسيّرة والعمليات البرية، في وقت تشير فيه التطورات الميدانية إلى حشود وتحركات عسكرية في إقليم كردفان، بينما يظل إقليم دارفور ساحة رئيسية للصراع. هذه المفارقة بين الحديث عن الحوار واستمرار العمليات العسكرية هي التي تجعل التشكيك في النوايا مفهومًا.لكن في الوقت نفسه، لا يمكن القول إن كل ما يجري مجرد مناورة سياسية بلا مضمون. هناك تحرك دولي وإقليمي منظم بدأ يتطور خلال الأشهر الماضية. فقد أكدت الآلية الخماسية التي تضم الاتحاد الأفريقي وإيغاد والأمم المتحدة والجامعة العربية والاتحاد الأوروبي دعمها لعملية سياسية سودانية شاملة وذات قيادة وملكية سودانية، مع التشديد على حماية المدنيين وإيصال المساعدات الإنسانية ومعالجة الأسباب الجذرية للحرب. كما عقدت الآلية مشاورات مع قوى سياسية سودانية في أديس أبابا خلال الفترة من 3 إلى 5 يونيو 2026 بهدف تقريب المواقف وتهيئة الأرضية لمسار سياسي أوسع.إذن هناك جهود حقيقية، ولكن وجود المبادرة لا يعني بالضرورة أن الأطراف السودانية نفسها وصلت إلى قناعة نهائية بأن الحرب يجب أن تتوقف. وهنا يكمن جوهر المشكلة. فالحروب لا تنتهي لمجرد وجود وسطاء أو انعقاد مؤتمرات. تنتهي عندما تصل الأطراف الرئيسية إلى قناعة بأن تكلفة استمرار القتال أصبحت أكبر من المكاسب التي تتوقع تحقيقها في الميدان، وأن التسوية السياسية أصبحت أكثر فائدة من استمرار الحرب.الواقع السوداني حتى هذه اللحظة لا يقدم دليلًا قاطعًا على أن جميع الأطراف وصلت إلى هذه القناعة. فالجيش السوداني أبدى استعدادًا للتعامل مع مقترحات سلام دولية، لكنه وضع شروطًا أساسية تتعلق بانسحاب قوات الدعم السريع من المدن والمناطق التي سيطرت عليها. وفي يوليو 2026، أظهرت وثائق اطلعت عليها رويترز أن الجيش وافق على أجزاء مهمة من مقترح أمريكي، من بينها هدنة إنسانية لمدة تسعين يومًا والتفاوض حول وقف لإطلاق النار والانتقال لاحقًا إلى حكم مدني، لكنه تمسك بمطلب انسحاب الدعم السريع بصورة أوسع من المناطق التي يسيطر عليها.وفي المقابل، أبدى الدعم السريع استعدادًا لهدنة إنسانية، لكنه رفض مطالب الانسحاب من المناطق التي يسيطر عليها، وهو ما يكشف أن الخلاف ليس فقط حول مبدأ وقف الحرب وإنما حول الشروط التي ستحدد شكل السودان وموازين القوة بعد الحرب.وهذه النقطة تحديدًا تساعد على فهم لماذا يمكن أن يكون الحوار في الوقت نفسه فرصة حقيقية ومناورة سياسية. كل طرف يريد الدخول إلى أي عملية تفاوضية وهو في أفضل وضع ممكن. وفي الحروب الطويلة يصبح الميدان جزءًا من التفاوض؛ فالتقدم العسكري قد يستخدم لتحسين شروط التفاوض، والسيطرة على مدينة أو منطقة استراتيجية قد تتحول إلى ورقة سياسية على الطاولة. ولهذا قد نرى دعوات للسلام في الصباح، ثم عمليات عسكرية في المساء، دون أن يعتبر أحد الأطراف ذلك تناقضًا من وجهة نظره.لكن بالنسبة للشعب السوداني، هذا النوع من السياسة يحمل تكلفة كارثية. فالمواطن الذي فقد منزله أو نزح أو فقد أحد أفراد أسرته لا تعنيه كثيرًا المناورات السياسية، وإنما يريد وقفًا حقيقيًا للحرب. ولذلك يجب ألا يصبح الحوار مجرد وسيلة لتجميل المواقف أمام المجتمع الدولي بينما يستمر القتال على الأرض.هناك أيضًا عامل آخر يجعل السودانيين متشككين، وهو كثرة المبادرات السابقة التي لم تنجح في تحقيق وقف دائم للحرب. منذ بداية النزاع عُقدت لقاءات ومفاوضات في جدة وأديس أبابا والقاهرة وجنيف وغيرها، وصدرت بيانات عديدة، لكن التنفيذ ظل أضعف حلقات العملية. وبالتالي فقد تآكلت الثقة ليس فقط بين الأطراف السودانية، وإنما كذلك بين المواطن وهذه المبادرات.والسؤال الآن ليس كم عدد المبادرات الموجودة، وإنما هل توجد إرادة لتوحيدها في مسار واضح ومحدد؟هذه القضية مهمة للغاية لأن تعدد المبادرات قد يتحول من عامل مساعد إلى جزء من المشكلة. عندما يكون هناك أكثر من منبر وأكثر من وسيط، يستطيع كل طرف اختيار المبادرة التي تناسبه وتجاهل الأخرى، كما يمكن للدول الإقليمية والدولية أن تتحرك وفق مصالحها الخاصة. الاتحاد الأفريقي نفسه ظل يؤكد ضرورة تنسيق جهود الوساطة، وقد ناقش في أبريل 2026 ضمن الآلية الموسعة للسودان كيفية تنسيق العمل بين مبادرات الاتحاد الأفريقي ومسار جدة والجهود الدولية الأخرى.ولهذا فإن نجاح الحوار السوداني يحتاج أولًا إلى معالجة أزمة الوسطاء نفسها. السودان لا يحتاج إلى عشرة منابر تفاوضية متنافسة، وإنما يحتاج إلى عملية واحدة مترابطة: مسار عسكري لوقف إطلاق النار، ومسار إنساني لحماية المدنيين وإيصال الإغاثة، ومسار سياسي يناقش مستقبل الدولة السودانية.ومن المهم أيضًا الفصل بين التفاوض حول وقف الحرب وبين الحوار حول مستقبل السودان. الخطأ الذي وقع فيه كثير من المبادرات هو محاولة حل كل مشكلات السودان في عملية واحدة. النزاع السوداني يحمل داخله قضايا تراكمت لعقود: علاقة المركز بالأقاليم، توزيع السلطة والثروة، المؤسسة العسكرية، الحركات المسلحة، العدالة الانتقالية، الهوية، الحكم الفيدرالي، التنمية غير المتوازنة، ومشكلة بناء الدولة نفسها.لا يمكن حل كل هذه القضايا قبل وقف إطلاق النار.الأولوية يجب أن تكون لإسكات البنادق. بعد ذلك تبدأ العملية السياسية الأوسع. وإذا ربط وقف إطلاق النار منذ البداية بحل جميع القضايا السياسية، فقد يمنح ذلك الأطراف المتحاربة مبررًا لاستمرار القتال بحجة عدم الاتفاق على المستقبل السياسي.ومن ناحية أخرى، لا يمكن أن يصبح وقف إطلاق النار مجرد هدنة تعيد الأطراف خلالها تسليح نفسها ثم تستأنف الحرب. لذلك يجب أن تكون أي هدنة جزءًا من خريطة طريق واضحة تتقدم تدريجيًا من وقف العمليات العسكرية إلى ترتيبات أمنية ثم إلى عملية سياسية شاملة.وهنا يظهر معيار مهم جدًا للحكم على جدية الحوار: ما الذي يحدث في الميدان أثناء الحديث عنه؟إذا كانت الأطراف تزيد عمليات التجنيد، وتحشد القوات، وتستورد السلاح، وتوسع عمليات الطائرات المسيّرة، وتحاول السيطرة على مزيد من المدن، فإن ذلك يعني أن الخيار العسكري لا يزال حاضرًا بقوة في حساباتها، حتى لو شاركت في اجتماعات سياسية.أما إذا بدأنا نرى انخفاضًا فعليًا في العمليات العسكرية، وفتح طرق الإغاثة، وتبادل الأسرى، ووقف الهجمات على المدنيين، وظهور آليات مراقبة، فإن هذه ستكون إشارات أقوى بكثير من أي بيان سياسي على أن السلام أصبح خيارًا حقيقيًا.كردفان اليوم قد تكون واحدة من أهم ساحات هذا الاختبار. التطورات العسكرية الأخيرة حول الأبيض وغيرها تجعل الإقليم ذا أهمية استراتيجية كبيرة في ميزان الحرب. ولذلك فإن ما يحدث هناك خلال المرحلة المقبلة يمكن أن يؤثر بصورة مباشرة في المفاوضات.إذا شعر أحد الأطراف بأنه قادر على تحقيق اختراق عسكري كبير، فقد يؤجل تقديم التنازلات السياسية انتظارًا لنتيجة المعركة. وإذا وصلت الأطراف إلى حالة من التوازن والاستنزاف، فقد تصبح التسوية أكثر جاذبية.وهذه ليست ظاهرة سودانية فقط؛ كثير من الحروب الأهلية تنتهي عندما يصل المتحاربون إلى ما يمكن وصفه بنقطة الإنهاك المتبادل، حيث يدرك كل طرف أنه يستطيع منع خصمه من تحقيق نصر كامل لكنه لا يستطيع بنفسه تحقيق نصر حاسم بتكلفة مقبولة.لكن انتظار الوصول إلى تلك اللحظة في السودان سيكون مأساويًا، لأن ثمنه يدفعه المدنيون.هناك كذلك البعد الإقليمي والدولي، ولا يمكن الحديث عن جدية الحوار من دون مناقشته. الحرب السودانية لم تعد منذ فترة طويلة قضية داخلية خالصة. موقع السودان الجغرافي، والبحر الأحمر، ودول الجوار، والمصالح الاقتصادية والأمنية، جعلت الصراع محل اهتمام وتنافس إقليمي ودولي. وإذا كانت بعض الدول تدعو إلى السلام في العلن بينما تستمر قنوات الدعم العسكري بصورة مباشرة أو غير مباشرة، فإن فرص نجاح أي حوار ستكون محدودة.لا يمكن وقف حرب تتغذى من الخارج بمجرد مطالبة السودانيين بالتفاوض في الداخل. ينبغي أن يترافق المسار السياسي مع اتفاق إقليمي ودولي حقيقي على وقف تدفق السلاح والمال إلى أطراف الحرب. الاتحاد الأفريقي ظل يحذر من التدخلات الخارجية ويؤكد أن الحل العسكري غير قابل للاستمرار وأن الحوار السوداني الشامل ضرورة أساسية.أما القوى المدنية، فهي الأخرى أمام امتحان تاريخي. المطلوب منها ليس فقط أن تعلن رفض الحرب، وإنما أن تقدم رؤية عملية لدولة ما بعد الحرب. والانقسامات التي أصابت القوى السياسية والمدنية السودانية أضعفت قدرتها على تشكيل مركز سياسي مستقل قادر على الضغط على الأطراف العسكرية.بعض القوى أصبحت أقرب إلى أحد طرفي الحرب، وبعضها انقسم إلى تحالفات متنافسة، وبعضها فقد جزءًا كبيرًا من ثقة الشارع. وإذا انتقلت هذه الخلافات إلى طاولة الحوار، فقد نجد أنفسنا أمام نسخة جديدة من الصراع السياسي القديم الذي سبق الحرب.الحوار الحقيقي لا يعني جمع أكبر عدد ممكن من الأشخاص في قاعة مؤتمر والتقاط صورة جماعية. الحوار الحقيقي يحتاج إلى تمثيل متوازن للقوى السياسية والمدنية والمجتمعية، وللنساء والشباب والنازحين واللاجئين، وممثلين حقيقيين عن الأقاليم التي تحملت العبء الأكبر من الحرب.كما يجب ألا يتحول الحوار إلى عملية لاختيار حلفاء أحد الأطراف وإقصاء الآخرين. إذا كانت النتيجة مكتوبة قبل بداية المؤتمر فلن يكون هناك حوار، وإنما محاولة لمنح شرعية سياسية لترتيبات تم الاتفاق عليها مسبقًا.ومن الأخطاء الخطيرة أيضًا أن يصبح الحوار وسيلة لتوزيع المناصب. السودان شهد خلال العقود الماضية اتفاقيات كثيرة تحولت سريعًا إلى محاصصة في السلطة بدلًا من معالجة جذور الأزمات. ولذلك فإن المواطن السوداني أصبح أقل اهتمامًا بمن سيحصل على الوزارة وأكثر اهتمامًا بالسؤال: هل ستوجد دولة تحميه أصلًا؟إن مستقبل الحوار يجب أن يناقش بناء دولة جديدة بمؤسسات تعمل بالقانون، وجيش قومي موحد، ومؤسسات أمنية مهنية، وقضاء مستقل، ونظام سياسي يضمن التداول السلمي للسلطة ويمنع ظهور جيوش موازية ومراكز قوة خارج الدولة.ولا يمكن كذلك تجاهل ملف العدالة. السلام الحقيقي لا يعني الانتقام، لكنه كذلك لا يعني مسح الجرائم من الذاكرة. الانتهاكات التي وقعت خلال هذه الحرب كبيرة، وهناك ملايين السودانيين الذين فقدوا أقاربهم وممتلكاتهم ومنازلهم. وأي اتفاق سياسي يتجاهل هذه الحقيقة سيكون اتفاقًا هشًا.العدالة الانتقالية والمحاسبة والمصالحة الوطنية ينبغي أن تكون جزءًا من عملية طويلة ومدروسة، لا أن تستخدم كشعارات سياسية ضد طرف دون آخر، ولا أن تلغى بالكامل تحت شعار السلام.ومن هنا فإن الخوف من أن يكون الحوار مجرد محاولة لكسب الوقت ليس خوفًا بلا أساس. هناك بالفعل أسباب تدعو إلى الشك. استمرار القتال بالتزامن مع الدعوات السياسية، ومحاولة الأطراف تحسين مواقعها العسكرية، والخلاف حول شروط الهدنة، وتعدد المبادرات الخارجية، والانقسامات المدنية كلها عوامل يمكن أن تجعل الحوار مجرد مرحلة أخرى من مراحل إدارة الحرب.لكن في المقابل، من الخطأ أيضًا رفض الحوار باعتباره مؤامرة قبل أن يبدأ. السودان وصل إلى مرحلة لا يمكن أن تقدم فيها الحرب حلًا مستدامًا. حتى لو تمكن طرف عسكري من تحقيق مكاسب كبيرة، فإن السيطرة العسكرية وحدها لن تعالج الجراح الاجتماعية والسياسية التي خلفتها الحرب، ولن تعيد ملايين النازحين واللاجئين، ولن تعيد بناء الاقتصاد والمؤسسات دون تسوية وطنية واسعة.ولهذا يجب دعم فكرة الحوار، ولكن ليس الحوار بأي ثمن أو بأي شكل.الحوار المطلوب هو حوار تسبقه إجراءات واضحة لبناء الثقة. وقف الهجمات على المدنيين، فتح الطرق والممرات الإنسانية، ضمان وصول الإغاثة، وقف التصعيد الإعلامي، الاتفاق على آليات لمراقبة وقف إطلاق النار، وإطلاق عملية تدريجية لتبادل الأسرى والمحتجزين يمكن أن تكون خطوات أولى.بعد ذلك يأتي الحوار السياسي السوداني الشامل.ويجب أن يكون هدف هذا الحوار مختلفًا عن اتفاقات اقتسام السلطة السابقة. المطلوب ليس الاتفاق على من يحكم السودان خلال السنوات القليلة القادمة فقط، بل الاتفاق على كيفية حكم السودان لعقود قادمة.كيف نؤسس جيشًا وطنيًا واحدًا؟كيف نمنع تكرار تجربة المليشيات؟كيف نوزع الموارد بين المركز والأقاليم بصورة عادلة؟كيف نبني المؤسسات بدلًا من حكم الأشخاص؟كيف نعيد بناء الخرطوم ومدن دارفور وكردفان والجزيرة وغيرها؟كيف نعيد ملايين السودانيين إلى مناطقهم؟وكيف نعيد بناء الثقة بين المجتمعات السودانية التي مزقتها الحرب؟هذه هي الأسئلة التي يجب أن تكون في قلب الحوار.وأعتقد أن أخطر سيناريو يمكن أن يواجه السودان هو أن تتحول الحرب إلى حالة تقسيم واقعي طويل الأمد، بحيث تصبح لكل منطقة سلطة وجيش واقتصاد وعلاقات خارجية مختلفة. استمرار هذه الحالة لسنوات يمكن أن يجعل إعادة بناء الدولة الواحدة أكثر صعوبة حتى إذا لم يحدث تقسيم رسمي.ولهذا فإن الحوار ليس ترفًا سياسيًا، وإنما أصبح مسألة مرتبطة ببقاء السودان نفسه كدولة موحدة.إن المجتمع الدولي يستطيع المساعدة، لكنه لن يصنع السلام بدلًا من السودانيين. وكذلك دول الجوار تستطيع ممارسة الضغط والوساطة، لكنها لن تستطيع بناء الدولة السودانية نيابة عن أهلها.وفي نهاية المطاف، السلام الحقيقي يأتي من أهل السودان.على السودانيين أن يدركوا أن الانتصار الحقيقي بعد هذه السنوات من الحرب لن يكون دخول مدينة جديدة أو السيطرة على طريق أو إسقاط خصم سياسي. الانتصار الحقيقي هو أن يتوقف الموت، وأن يعود المواطن إلى منزله، وأن يعود الطفل إلى مدرسته، وأن يعود المزارع إلى أرضه، وأن تستطيع الأسرة السودانية أن تعيش دون خوف من قذيفة أو طائرة مسيّرة أو مسلح.لذلك، هل الدعوة الحالية للحوار محاولة لكسب الوقت أم حقيقة؟الإجابة حتى الآن هي أنها تحمل الاحتمالين معًا.هناك تحرك سياسي ودبلوماسي حقيقي، وهناك مقترحات عملية للهدنة ووقف إطلاق النار والانتقال إلى مسار سياسي، كما أن المشاورات الدولية والإقليمية أصبحت أكثر كثافة خلال عام 2026. ولكن في الوقت نفسه، استمرار التصعيد العسكري حتى 12 أغسطس 2026 يعني أن خيار الحرب لم يسقط بعد من حسابات الأطراف.ولذلك لا ينبغي أن نحكم على صدق المبادرة من الكلمات، وإنما من الأفعال.إذا توقفت الطائرات المسيّرة والمدافع، وفتحت الطرق، ووصل الغذاء والدواء، وبدأت القوات تتراجع من المدن والمناطق المدنية، وظهرت آلية حقيقية لمراقبة وقف إطلاق النار، وشارك السودانيون في حوار واسع دون إقصاء أو وصاية، عندها يمكن القول إن السودان بدأ بالفعل السير نحو السلام.أما إذا استمرت الحرب، واستمرت التعبئة والتجنيد والتسليح، بينما تعقد المؤتمرات وتصدر البيانات، فإن الحوار لن يكون أكثر من شراء للوقت وإعادة ترتيب للمواقع قبل جولة جديدة من القتال.السودان لم يعد يحتمل جولة جديدة.لقد جُرّبت الحرب بما يكفي، وجُرّبت الشعارات بما يكفي، وجُرّبت الاتفاقيات الجزئية بما يكفي. والمرحلة القادمة تحتاج إلى شجاعة من نوع آخر؛ ليست شجاعة حمل السلاح، وإنما شجاعة تقديم التنازلات من أجل الوطن.فالدولة لا تبنى بانتصار طرف على طرف، وإنما باتفاق السودانيين على دولة تسع الجميع.وإذا كان الحوار القادم قادرًا على الوصول إلى هذه الغاية، فيجب إعطاؤه الفرصة ودعمه.أما إذا كان المطلوب منه فقط منح الأطراف وقتًا إضافيًا للاستعداد للحرب، فسوف يكون مجرد محطة جديدة في طريق طويل دفع الشعب السوداني ثمنه من دمائه وبيوته ومستقبله.الاختبار الحقيقي للحوار ليس ما سيقال على الطاولة، بل ما إذا كانت البنادق ستصمت خارجهاThe post الدعوة إلى الحوار السوداني: محاولة لكسب الوقت أم بداية حقيقية لإنهاء الحرب؟ appeared first on صحيفة مداميك.