مداميك – إدريس عبدالله تجيء مناسَبة اليوم العالمي للشباب هذا العام محملةً بسياقات معقدة وواقع إنساني وسياسي بالغ القسوة في السودان. فبينما تحيي مجتمعات العالم هذه المناسبة للتأكيد على طاقات الشباب وأدوارهم التنموية والتأسيسية في صياغة المستقبل، يجد شباب وشابات السودان أنفسهم محاصرين بين مطرقة حرب الخامس عشر من أبريل الممتدة وسندان الإقصاء والتهميش السياسي التاريخي. لقد تحول الجيل الشاب عملياً إلى الفئة الأكثر استهدافاً وتأثراً بتداعيات القتال المباشرة؛ إذ سحقت الحرب أحلامهم، ودمرت طاقاتهم الانتاجية، وتعطلت بسببها مؤسساتهم التعليمية والبحثية، وتوقفت أرزاقهم، في وقت وجدوا فيه أنفسهم الوقود الميداني الرئيسي المعرض لضغوط الاستقطاب، والتجييش، والإكراه على أطراف النزاع المسلح.لكن هذا الواقع المأساوي، برغم قسوته، يوازيه وجه آخر أظهر الصلابة الاستثنائية والوعي المتجذر لدى الجيل الشاب في السودان؛ إذ شكّل هؤلاء الشباب الصخرة الصلبة التي تتكسر عليها أزمات البلاد اليومية وحالة الانهيار الشامل. فعبر غرف الطوارئ، والمبادرات الإنسانية المستقلة، وشباك التضامن المدني والشبكات التطوعية في مختلف الولايات ومناطق النزوح، قدم الشباب السوداني أنموذجاً فريداً في الاستجابة الإنسانية وإدارة الأزمات الميدانية، ونجحوا في تقديم الخدمات الطبية، والمساعدات الغذائية، وتأمين الممرات الآمنة للمواطنين في أحلك الظروف ووسط غياب وتغيب شبه تام لمؤسسات الدولة والأجهزة الرسمية.تتفق الرؤى والتحليلات القادمة من قلب الحركة الشبابية، والحقوقية، والمبادرات المدنية على أن الخروج من هذا المأزق الوطني المظلم لن يتحقق عبر المسكنات أو عبر مساحات “التمثيل الرمزي” و”المشاركة التجميلية” أو الإكتفاء بـ “حضور الديكور” على طاولات التفاوض الإقليمية والدولية. إن معالجة الأزمة السودانية تتطلب تفكيك بنية الحكم والإدارة القديمة التي أنتجت الحروب، والانتقال بالمشاركة الشبابية إلى مساحة “الشراكة الحقيقية والجوهرية” في اتخاذ القرار وصناعة المستقبل؛ بوصف الشباب الكتلة السكانية الأكبر وزناً، والأكثر تضرراً من دمار الحرب، والصاحب الأصيل للمصلحة في التأسيس لسلام عادل ومستدام.وفي مستهل هذه القراءة التحليليّة الشارحة، يسلط أبو القاسم فضل السيد، رئيس لجنة الشباب بتحالف قوى الثورة “صمود”، في حديثه الخاص لـ «مداميك»، الضوء على المحورية الاستراتيجية لحضور الشباب في المشهد السياسي الحالي، مؤكداً أن أهمية مشاركة الشباب والشابات تتصل اتصالاً مباشرةً بمسار العملية السياسية وإنهائها للحرب، لكونهم الفئة الأكثر استهدافاً وتأثراً بتداعياتها، وهو ما يعيد تقديمهم كركيزة أساسية لا غنى عنها في مرحلة التعافي وإعادة البناء بعد وقف القتال.ويوضح فضل السيد أن التجربة السودانية المتراكمة في مختلف مراحل الحراك السياسي والمجتمعي أثبتت أن المبادرات الشبابية لعبت دوراً محوريًا في كل المحافل والمحطات الحاسمة من تاريخ البلاد الحديث. ويرى أن الوضع يختصر في حقيقة جليّة ذات أبعاد مستقبلية: «إن الشباب هم أصحاب المصلحة المباشرة في مستقبل السودان؛ وأي قرارات تُتخذ بعد الحرب ستحدث تغييراً جذرياً في شكل الدولة، ونظام التعليم، وفرص العمل، والبنية الاقتصادية، ومبادئ العدالة». ويضيف موضحاً أن أكثر ما يخشاه المواطنون والفاعلون في السنوات القادمة هو إعادة إنتاج الأزمة الوطنية ذاتها وإعادة استنسال أسباب الحرب عبر إقصاء الشباب عن دوائر صنع القرار وموائد السياسة.ويتابع رئيس لجنة الشباب بتحالف “صمود” إفادته مشدداً على أن هذا الواقع يفرض استمرارية الكتل والشرائح الشبابية كأطر ديناميكية قادرة على إبراز قيادات جديدة وتطوير ممارسات فكرية وسياسية تتجاوز الأزمات التاريخية. فالشباب، بحسب تعبيره، ليسوا مجرد فاعلين عابرين في العمل السياسي، بل هم غارسين جذورهم عميقاً في مجتمعاتهم المحلية، والحراك الطلابي، والعمل الإنساني الميداني، ويمتلكون قدرة استثنائية على نقل نبض الشارع واحتياجات الناس الحقيقية إلى طاولة السياسة.ويشدد فضل السيد على أن وجود الشباب والشابات معاً يمنح الرؤية السياسية الوطنية وضوحاً أكبر وعمقاً أوسع، حاسماً رفضه للتسليم بالحلول الشكلية أو المشاركة التي تُمارس كـ “ديكور” أو مساحات تجميلية لا تدفع بالقضايا الجوهرية إلى الأمام. ويختم بالقول إن عملية بناء الدولة تتطلب أفكاراً وأطراً وقيادات جديدة؛ إذ إن مرحلة ما بعد الحرب لن تكون مجرد وقف لإطلاق النار أو تقديم للمساعدات، بل عملية سياسية شاملة لإعادة بناء مؤسسات الدولة، والاقتصاد، وترميم جسور الثقة، مما يستوجب مشاركة الشباب والشابات كشركاء أصلاء في التفاوض، وصياغة الدستور، وتطبيق العدالة الانتقالية.ومن زاوية أكثر تفكيكاً لشرعية العمليات السياسية الهيكلية، تأخذنا أزادي عثمان، القيادية بالشبكة الشبابية لإنهاء الحرب والتأسيس للتحول المدني الديمقراطي، إلى رفض قاطع لاختزال التمثيل الشبابي في منح مقاعد معدودة للتجميل في الفعاليات أو لإضفاء شرعية زائفة على الأجسام السياسية. وتشير عثمان إلى أن هذا التواجد الهامشـي لا يبني تجربة سياسية ناضجة، ولا يمنح أي أطراف أو كتل مدنية شرعية أخلاقية أو سياسية أثناء الجلوس على طاولات اتخاذ القرار طالما أُبعدت الكتلة الشبابية الحقيقية.وتركز أزادي في تحليلها على محورين رئيسيين يجسدان أهمية ودواعي هذه المشاركة الجوهرية؛ أولهما استدامة السلام والقبول المجتمعي، إذ تؤكد أنه «لا يمكن صناعة اتفاق بعيداً عن الشباب؛ لأن الاتفاق المستدام لا يقتصر على كونه تسوية بين أطراف متحاربة، بل يجب أن يحظى بفرصة القبول المجتمعي. مشاركة الشباب في تصميم الاتفاق وتحديد أولوياته تمنحهم إحساساً بالملكية والمسؤولية، ما ينقل الوثيقة من إطار النخب إلى حماية مجتمعية شاملة تُجنب البلاد تكرار الحرب». وبحسب الوزن السكاني، يشكل الشباب أكثر من نصف المجتمع السوداني، مما يمنحهم حقاً أخلاقياً وسياسياً لحماية مخرجات العملية السياسية.أما المحور الثاني فيتمثل في تجاوز بنية الحكم القديمة؛ حيث تصف عثمان المشاركة الشبابية الفاعلة بأنها محاولة جادة لتجاوز أسلوب إدارة السودان القديم الذي اتسم باحتكار القرار من قِبل مجموعات صغيرة وفرض النتائج على باقي المجتمع، داعية لإدماج الشباب كعنصر ركيزي في إعادة بناء المؤسسات الوطنية، وتصميم مشاريع العدالة الانتقالية، وإصلاح القطاع الأمني والعسكري.وتشدد ازادي في سياق حديثها على محورية مشاركة الشابات، مشيرة إلى أن «المشاركة التي تقتصر على الرجال دون النساء هي مشاركة ناقصة كلياً وتضعنا مجدداً في دائرة الإقصاء. الشابات يمتلكن تجارب مريرة مع الحرب والنزوح والعنف، ما يمنحهن رؤى مختلفة للحلول». وتختتم بالقول إن السياسة في جوهرها ترتبط بالأرقام والكتل المؤثرة، وأن تمكين الشباب وإيجاد مساحات فاعلة لهم يمثل البديل الحضاري لإقناع الجيل الشاب بأن المطالب والحقوق تُحقَق بالحوار والسياسة وإحياء المساحات المدنية، وليس عبر السلاح.وفي السياق ذاته، تقرأ المحامية والحقوقية وهاج كمال المناسبة عبر امتدادها النضالي والتاريخي؛ مشيرة إلى أن اليوم العالمي للشباب يكتسب أهميته الاستثنائية من قدرته على تسليط الضوء على الأدوار التاريخية والمفصلية التي لعبها الشباب السوداني في مواجهة الأنظمة الاستبدادية وتأسيس مسارات التغيير.وتستعيد وهاج شريط النضال الشبابي المتواصل، بدءاً من الصمود وتنظيم الشارع في ثورة ديسمبر المجيدة والتي تكللت بإسقاط النظام البائد، مروراً بتأسيس لجان المقاومة التي شكلت حائط صد لحماية الانتقال الديمقراطي والمؤسسات المدنية حتى تعثر المسار بالانقلاب، وصولاً إلى الموقف البطولي للشباب في حرب الخامس عشر من أبريل؛ حيث سارعوا إلى تنظيم أنفسهم في غرف الطوارئ والمبادرات الإنسانية ليقدموا المساعدات والإغاثة والمأوى للشعب السوداني في أشد المحكات والظروف قسوة.وتؤكد كمال أن هذه المجهودات الجبارة والتضحيات العظيمة لا بد أن تُتوَّج وتُعَزَّز بأن يكون الشباب جزءاً أصيلاً ومشاركاً فعالاً في العملية السياسية وفي دوائر صنع القرار القانوني والسياسي؛ لأنهم يمثلون الحاضر والمستقبل معاً. وترى الحقوقية السودانية أن تعزيز دور الشباب في اتخاذ القرار لا يحمي القضايا الوطنية فحسب، بل يعمل على ضخ دماء جديدة وفكر متجدد داخل شريان العملية السياسية، مما يمنح القوى الوطنية رؤية شاملة ومعمقة تتناول القضايا العامة وأزمات الشباب بصفة خاصة بروح العصر ومتطلباته.ختاماً، يعود بنا خالد ميشل، مسؤول الإعلام بالشبكة الشبابية للمراقبة المدنية، في حديثه الخاص لـ «مداميك»، إلى جذر المشكلة والمكونات البنيوية للأزمة السودانية؛ مبيناً أن تهميش الشباب واستبعادهم عن أروقة اتخاذ القرار خلال الفترة الانتقالية السابقة كان أحد العوامل الرئيسية التي خلقت حالة من الفراغ السياسي والاضطراب المؤسسي، وهي الخلخلة التي استغلتها أطراف سياسية وعسكرية للتمهيد للانقلاب، ومن ثم تفاقمت الأوضاع لتصل إلى انفجار الحرب الشاملة.ويوضح ميشل أن الشباب ليسوا مجرد “مستفيدين منتظرين” لثمار السلام كي يستمتعوا بها بعد تحققها، بل هم أصحاب مصلحة أصيلون ومباشرون في تشكيل واقع البلاد ومستقبلها. وإذا كانت الحرب الراهنة قد جعلت من الشباب وقودها وطاقتها الأكثر انخراطاً واكتواءً بنيرانها — سواء عبر الإجبار أو بفعل الظروف الاقتصادية والإنسانية المأساوية التي فرضت عليهم ذلك — فإن البديل المنطقي والأخلاقي يقتضي انخراطهم المباشر في عمليات صناعة السلام، وتفاوض وقف الحرب، وإعادة بناء الدولة.ويختم مسؤول الإعلام بالشبكة الشبابية للمراقبة المدنية إفادته باللفت إلى أن إشراك الشباب السوداني في العمليات السياسية وصناعة المستقبل ينسجم تماماً مع أحكام ومبادئ الميثاق الأفريقي للشباب، الذي يشدد على أهمية مشاركة هذه الفئة في الحياة السياسية، وتأكيد دورهم المحوري في مجالات السلم والأمن وإدارة النزاعات. ويدعو ميشل القوى السياسية، والمسهلين الدوليين، والوسطاء الإقليميين إلى ضرورة ألا تقتصر مشاركة الشباب على التمثيل الشكلي، بل يجب العمل على تثبيت “الأجندة الشبابية” كبند رئيسي، ثابت، وغير قابل للتجاوز أو التأجيل في أي عملية سياسية قادمة تستهدف إعادة تأسيس السودان على أسس ديمقراطية ومدنية مستدامة.The post في اليوم العالمي للشباب: شباب السودان من «وقود للحرب» إلى قادة للبناء وصناع للسلام المستدام appeared first on صحيفة مداميك.