هل تأتي التسوية السياسية بعد نهاية المعارك في شمال كردفان؟

Wait 5 sec.

عبد المجيد قرشيمن المرجح أن تشكل المعارك الدائرة في شمال كردفان محطة مفصلية في مسار الحرب السودانية، إلا أن الاعتقاد بأن التسوية السياسية ستبدأ فور انتهائها قد يكون تبسيطًا لمشهد أكثر تعقيدًا. فالحروب لا تنتهي دائمًا بانتهاء معركة واحدة، وإنما عندما تصل الأطراف المتحاربة إلى قناعة بأن كلفة استمرار القتال أصبحت أكبر من المكاسب المتوقعة منه.تمثل شمال كردفان أهمية استراتيجية وعسكرية كبيرة، فهي حلقة وصل بين وسط السودان وغربه، كما أنها تؤثر بصورة مباشرة في خطوط الإمداد والاتصال المؤدية إلى دارفور. ولذلك فإن نتائج المعارك فيها ستنعكس على موازين القوى، وستحدد إلى حد كبير شكل المرحلة التالية، سواء كانت استمرارًا للعمليات العسكرية أو انتقالًا إلى طاولة التفاوض.إذا تمكن الجيش السوداني من تحقيق تقدم ميداني كبير وترسيخ سيطرته على شمال كردفان، فقد يرى أن الوقت لا يزال مناسبًا لمواصلة العمليات العسكرية، خاصة إذا اعتقد أن بإمكانه تحقيق مكاسب إضافية في دارفور أو مناطق أخرى. وفي هذه الحالة قد تتأخر المفاوضات، لأن الطرف المتقدم عسكريًا غالبًا ما يفضل تحسين موقعه قبل الدخول في أي تسوية.أما إذا انتهت المعارك دون حسم واضح، أو دخل الطرفان في مرحلة استنزاف طويلة، فإن فرص العودة إلى المسار السياسي ستزداد. فالتجارب الدولية تثبت أن التسويات غالبًا ما تبدأ عندما تدرك الأطراف أن النصر العسكري الكامل أصبح بعيد المنال، وأن استمرار الحرب لن يؤدي إلا إلى مزيد من الخسائر البشرية والاقتصادية.ولا ينبغي إغفال العامل الدولي والإقليمي، إذ إن المجتمع الدولي والدول المؤثرة في الملف السوداني تنظر إلى الاستقرار بوصفه أولوية، وستواصل الضغط من أجل وقف إطلاق النار وبدء عملية سياسية شاملة متى ما تهيأت الظروف. غير أن نجاح أي مبادرة لن يعتمد على الضغوط الخارجية وحدها، بل على استعداد القوى السودانية نفسها لتقديم تنازلات متبادلة ووضع مصلحة الوطن فوق الحسابات العسكرية والسياسية الضيقة.إن التسوية السياسية الحقيقية لا تعني مجرد وقف إطلاق النار، وإنما تتطلب معالجة جذور الأزمة السودانية، وبناء دولة تقوم على المواطنة وسيادة القانون، وإعادة بناء المؤسسات، وإطلاق عملية مصالحة وطنية شاملة، وتهيئة الظروف لعودة النازحين واللاجئين، وإنعاش الاقتصاد، وإجراء حوار سياسي يشارك فيه جميع السودانيين دون إقصاء.لذلك، يمكن القول إن نهاية معارك شمال كردفان قد تكون بداية مرحلة جديدة، لكنها ليست بالضرورة نهاية الحرب أو البداية الفورية للتسوية السياسية. فإذا تغير ميزان القوى بصورة تدفع جميع الأطراف إلى الاقتناع بأن الحل العسكري لم يعد ممكنًا، فإن الباب سيفتح أمام مفاوضات أكثر جدية. أما إذا اعتقد أي طرف أنه ما زال قادرًا على تحقيق مكاسب إضافية في الميدان، فمن المرجح أن تستمر العمليات العسكرية قبل الوصول إلى التسوية المنشودة.وفي نهاية المطاف، سيظل السلام المستدام رهينًا بإرادة السودانيين أنفسهم، لأن أي اتفاق لا يحظى بقبول وطني واسع لن يكون سوى هدنة مؤقتة، بينما تحتاج البلاد إلى مشروع وطني جامع يضع حدًا للحرب ويؤسس لدولة مستقرة وآمنة تتسع لجميع أبنائها.The post هل تأتي التسوية السياسية بعد نهاية المعارك في شمال كردفان؟ appeared first on صحيفة مداميك.