حمّور زيادةوصل الديمقراطي باراك حسين أوباما، ابن الطالب الأفريقي المهاجر، في عام 2009 إلى المكتب البيضاوي، ليتولّى المنصب الأهمّ في كوكب الأرض: رئيس الولايات المتحدة. وما إن جلس في كرسيّه حتّى طرقت بابه قوافل الآمال، وأُرسلت إليه الأحلام، وعُلِّقت على كتفيه الأمنيات. حُمِّل الرجل الذي استبشر به كثيرون مسؤولية مظالم لم يصنعها، وانتظروا منه إنصاف أصحابها لا خلقَ مظالمٍ جديدة.كانت الحماسة في أفريقيا والعالم العربي على أشدّها. فالرجل ابن مسلم أفريقي. هكذا أحبّ كثيرون أن يروه، وعشقوا صوره مع جدّته في قريتها في كينيا. لم يروه رئيسَ الولايات المتحدة، إنّما “ابننا” الذي وصل أخيراً إلى البيت الأبيض. بلغ التعلّق بأوباما مبلغاً جعل الشاعر العراقي أحمد مطر يسخر على لسانه من آمال منطقتنا: “قرع طناجركم في بابي/ أرهقني وأطار صوابي/ افعل هذا يا أوباما/ اترك هذا يا أوباما”.قبل باراك بسنوات، كان هناك موقف شبيه تجاه المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية محمّد البرادعي. وجد الرجل نفسه مسؤولاً عن عمليات التفتيش عن أسلحة الدمار الشامل (غير الموجودة) في العراق. اعتقد كثيرون وقتها أنّ الأمور مطمئنة. فالرجل عربي مصري، ولا بدّ أن يراعي “الأخ العراقي”. علّقوا على الرجل أمنيات تفرضها “أعراف” الأخوّة والمصير المشترك والأمّة الواحدة، لكنّها لا تلزم القوانين والتفويض والتكليفات الدولية. بدا أداء الرجل مخيّباً لآمال من ظنّوه “ابننا” في المؤسّسة الدولية. وتعجّبوا: إن لم ينصر أخاه العراقي فما فائدة الأخوّة؟تكرّرت خيبة الأمل بعدما علّق متحمّسون كُثر أحلامهم على قادم جديد اسمه إبراهيم تراوري. ضابط شاب من بوركينا فاسو، وُلِد في 1988، ينتمي إلى عائلة مسلمة. التحق بالجيش في عام 2010. وفي 2022، قاد انقلاباً عسكرياً أطاح الرئيس الانقلابي السابق هنري داميبيا. هكذا وجد النقيب الشابّ نفسَه يحكم دولةً كانت تُعرف قديماً بـ”فولتا العليا”، وأنهكتها الانقلابات والفقر.بدا تراوري الشابّ في أيّامه الأولى صورةً من صور قادة حركات التحرّر في القارّة؛ هاجم النفوذ الفرنسي، هاجم ماكرون وطرد القوّات الفرنسية. رفع شعارات السيادة والتحرّر من الوصاية الخارجية وسعى إلى التآخي الأفريقي. هل عاد عهد لوممبا ونكروما ونايريري؟ امتلأت منصّات التواصل بالأمل. مرحى! إنّها الستينيّات تعود من جديد. لكنّ أبطالنا لا يبقون دائماً في المقاس الذي نفصّلهم عليه. لهم مواقفهم وأفكارهم. مواقف لا تطلب موافقتنا، وأفكار لا نعرفها. إنّهم يتصرّفون، إنّهم يتكلّمون.تصرّف تراوري. اتجه سريعاً إلى موسكو، وعزّز حلفه مع روسيا لتملأ الفراغ الذي خلّفه الانسحاب الفرنسي، وأعلن أنّ بوركينا فاسو ليست في مرحلة ديمقراطية، بل في “ثورة شعبية تقدّمية”. ومن الجدير بالذكر أنّ تراوري انقلب على عسكري انقلب على رئيس منتخب جاء بعد سقوط حكم الرئيس كومباوري الذي قتل توماس سانكارا في انقلاب عسكري. فبوركينا فاسو لم تشكُ من الديمقراطية إلا لسنوات قليلة. لكن تراوري أراد أن ينهي أيّ أوهام لدى الحالمين بشيء مختلف. حلّ النقيب الثائر الأحزاب السياسية وعلّق مئات الجمعيات والمنظّمات.وتكلّم أيضاً. وفي أحدث ما صدر منه أنّه عاد إلى تاريخ الرقّ في أفريقيا، وقال إنّ القارّة عانت الاستعباد لأكثر من ألف عام على يد العرب (!)، وأتبع ذلك بإعلانه وقف ابتعاث طلّاب العلوم الدينية إلى الدول العربية. لم تكن المشكلة، في تقدير كاتب هذه السطور، في اتّهام العرب بالمشاركة في جريمة الرقّ، بقدر ما كانت في تكرار سردية الرجل الأبيض عن الجريمة التي استمرّت قروناً. ففي النصف الثاني من القرن العشرين شاعت الكتابات الغربية المعتمدة على الصور النمطية القديمة للتاجر العربي، التي تحاول توزيع مسؤولية جريمة الرقّ على أطراف عديدة. ممّا يخفّف من بشاعة التجارة المنظّمة عبر الأطلسي التي كانت مشروعاً أوروبياً منظّماً أفرغ الساحل الأفريقي من رأس المال البشري بأساطيل البرتغال وبريطانيا وفرنسا وهولندا وإسبانيا، لتُوجَّه الأيدي العاملة قسراً إلى مزارع السكّر والتبغ والقطن والبنّ والموز.يعيد تراوري الحديث ذاته الذي يدين المحتلّ الأوروبي، لكن يضع معه، على المقصلة، العربي الأفريقي. نعلم جميعاً من ينجو في محاكمات كهذه، ومن يتحمّل وزر الجريمة. لكن تراوري، الذي قرع بعضهم بابه بالطناجر، استبدل روسيا بفرنسا، ويريد أن يتقاسم عرب أفريقيا وزر الرقّ الممنهج مع شركة الهند الغربية الهولندية. العربي الجديدThe post عن تراوري واتهاماته appeared first on صحيفة مداميك.