أماني الطويلهذه كلمات تحاول أن تمارس تقييما موضوعيا لمسار السياسات المصرية الأخيرة إزاء السودانيين في مصر، في ضوء إرث تاريخي طويل، جعل من مصر ملاذا شبه دائم لجيرانها المنكوبين، وفي ضوء متغيرات إقليمية ودولية، تفرض نفسها اليوم على أي تقدير موقف بشأن هذا الملف الحساس.مصر التي احتضنت على مدى عقود موجات متعاقبة من اللاجئين، من الفلسطينيين إلى اللبنانيين إلى العراقيين إلى السوريين، وقبل هؤلاء وبعدهم السودانيين في أكثر من محطة منذ الاستقلال وحتى اليوم، لم تكن تتعامل مع هذا الملف من موقع المانح المتفضل، بل من موقع من يرى في الجوار الجغرافي امتدادا طبيعيا لذاته، وهو ما عبرت عنه علاقة النيل الجامعة بين القاهرة والخرطوم منذ فجر التاريخ. هذا الإرث هو رأس المال الرمزي الأهم الذي راكمته مصر في محيطها، وهو أصل استراتيجي لا يقل أهمية عن أي أصل عسكري أو اقتصادي، لأنه يمنحها موقعا أخلاقيا يصعب على أي منافس إقليمي منازعتها فيه بسهولة.من هنا، فإن أي تقييم للسياسات الأمنية الراهنة تجاه السودانيين، الذين تجاوز عددهم في مصر الملايين منذ اندلاع الحرب في إبريل ٢٠٢٣، لا يمكن أن يتم بمعزل عن هذا الإرث، فالمقارنة هنا ليست مع نموذج أوروبي أو أمريكي في التعامل مع اللجوء، بل مع نموذج مصري تاريخي راكم شرعيته من خلال الانفتاح لا الانغلاق.الإجراءات الأمنية، التي شهدتها الأشهر الأخيرة، والمرتبطة بتكثيف الرقابة في المناطق ذات الكثافة السودانية العالية مثل، فيصل وحدائق الأهرام ودهشور، لها بلا شك مبرراتها من الناحية الأمنية البحتة، خصوصا في ضوء وجود متوقع لعناصر تشكل مخاطر أمنية، وهو أمر غير مقبول إطلاقا من زاوية الأمن القومي المصري. غير أن الطريقة التي تنفذ بها بعض هذه الإجراءات، وما يصاحبها أحيانا من ترحيل لأشخاص معظمهم من الشباب، يملكون أوراقا ثبوتية واضحة منها تسجيلهم لدى مفوضية اللاجئين، تحمل أثرا سلبيا غير مقصود على الجهود السياسية المصرية الداعمة للسودان ووحدة أراضيه، وعلى صورة مصر لدى قطاع من النخب السياسية السودانية والجمهور العام الذي يشكل اليوم أحد أهم قنوات التأثير في الرأي العام في السودان، بل في التخوم الإفريقية لمصر والسودان معا.هذا التناقض الظاهري بين ضرورات الأمن العام من جهة، والإرث التاريخي للاستضافة من جهة أخرى، ليس وليد اللحظة المصرية وحدها، بل هو انعكاس لمتغير عالمي أوسع نطاقا، يتمثل في صعود تيارات اليمين في أكثر من عاصمة غربية وشرقية، وما رافقه من تصاعد خطاب معاد للهجرة واللجوء بشكل عام. هذا المناخ العالمي، وإن كانت أسبابه الاقتصادية والسياسية في أوروبا وأمريكا مختلفة تماما عن السياق المصري، إلا أنه أفرز نبرة شعبوية، تسربت جزئيا إلى بعض القطاعات في مصر، عبر منصات التواصل الاجتماعي، خصوصا حيث باتت تظهر بين الحين والآخر ممارسات محدودة، لكنها موجودة، من خطاب كراهية أو تنمر ضد السودانيين، تقابلها في المقابل ممارسات مماثلة ضد المصريين من جانب بعض الأصوات السودانية الغاضبة.هذه الحالة من الاستقطاب الشعبوي المتبادل، وإن كانت هامشية، إذا ما قورنت بعمق العلاقة التاريخية بين الشعبين، إلا أنها تخلق ضغطا نسبيا على صانع القرار المصري، وتفرض عليه هامشا أضيق للمناورة في صياغة سياسات أكثر انفتاحا، كان يمكن تبنيها في ظروف مختلفة.وهنا تكمن نقطة الدفاع الحقيقية عن مصر، فالمطلوب ليس تبرئة كل إجراء أمني من النقد، ولكن فهم أن صانع القرار المصري يتحرك اليوم في مساحة أضيق، مما كانت عليه في عقود سابقة، بفعل تضافر عوامل داخلية، منها الضغط الاقتصادي الذي تعيشه مصر نفسها، ويجعل من استيعاب ملايين إضافية من اللاجئين تحديا لوجستيا وماليا حقيقيا، لا يمكن التقليل منه، وعوامل خارجية منها هذا المناخ العالمي المعادي للجوء الذي يمنح غطاء نفسيا، لمن يتبنى خطابا مشابها محليا.غير أن هذا الفهم لا يعفي من ضرورة مراجعة آليات التنفيذ، فبين أن تكون السياسة صحيحة من حيث المبدأ الأمني، وأن يكون تنفيذها موفقا من حيث الأثر السياسي والإنساني، مسافة وفجوة باتت كبيرة يجب على الإدارة المصرية ردمها. فالإعلان الشفاف عن أي حوادث جنائية منسوبة إلى سودانيين عبر القنوات الرسمية لوزارة الداخلية، أسوة بما يحدث مع الجرائم، التي يرتكبها مصريون، من شأنه أن يقطع الطريق على التوظيف الشعبوي لمنصات التواصل الاجتماعي، ويرفع مستوى الوعي، بدلا من ترك الساحة لتأويلات تتغذى عليها الصفحات الإثيوبية بكل مكوناتها الإسرائيلية المعادية لمصر لا الوقائع الفعلية على الأرض.وفي الوقت ذاته، فإن هناك متغيرا داخليا سودانيا لا يقل أهمية، من الضروري الانتباه إليه، وهو صعود نخب سودانية جديدة، سياسية واجتماعية وزانة ومؤثرة، أفرزتها الحرب ذاتها، وستكون هذه النخب في صدارة المشهد السياسي السوداني في المرحلة المقبلة على حساب الأحزاب التقليدية، التي أثبتت الحرب هشاشة بنيتها وانقساماتها الداخلية. هذه النخب الجديدة، التي تشكل جزء كبير منها في المهجر المصري، لم تنشأ بالضرورة من رحم العلاقة التاريخية التقليدية مع مصر، ولا من أية مشروعات ثقافية أو إعلامية، تعاملت مع هذه الأزمة في مصر أو السودان، بل تشكل وعيها السياسي في خضم أزمة اللجوء ذاتها، وفي ظل تفاعلها اليومي مع الإجراءات الأمنية المصرية، بحلوها ومرها. وهذا يعني أن صورة مصر في وعي هذا الجيل الجديد من الفاعلين السودانيين، الذي سيتصدر المشهد السياسي والاجتماعي في السودان لسنوات مقبلة، تتشكل الآن، في هذه اللحظة بالذات، من خلال التفاصيل اليومية لتعامل الأجهزة المصرية مع اللاجئين، أكثر مما تتشكل من خطاب رسمي عن عمق العلاقات وتاريخها.أما على الصعيد الإفريقي العام، فإن بروز سياسيات مصرية معادية للسودانيين، خصوصا الطلاب الذين تتأثر مساراتهم التعليمية ومستقبلهم بعمليات الترحيل، سوف يخنق مصر في هويتها في مكونها العربي فقط، ويحرمها من المكون الإفريقي الذي هو الرافع لمجمل السياسيات المصرية في إفريقيا بل للمستقبل المصري على الصعيد الجيو سياسي.من هنا، فإن وزن السياسات الأمنية الراهنة يتجاوز بكثير حدودها الأمنية الظاهرة، ليصل إلى عمق الاستثمار المصري طويل المدى في السودان القادم، ذلك أن المصالح الاستراتيجية المصرية في السودان، من سد النهضة إلى أمن البحر الأحمر إلى وحدة الأراضي السودانية في مواجهة مشاريع التفتيت الإقليمية، لن تتحقق إلا عبر تحالف عضوي مع النخب السودانية الصاعدة، لا عبر علاقات تقليدية مع النخب السودانية التاريخية، التي هي بطبيعتها تسير في أطر محدودة.وهذا يقودنا إلى ضرورة التنسيق الاستراتيجي بين القاهرة والخرطوم في هذه المرحلة الحرجة، فالأوضاع الإقليمية المتسارعة، من التمدد الإثيوبي في القرن الإفريقي إلى التنافس الخليجي حول الملف السوداني إلى محاولات الضغط على الدور المصري في أي تسوية مقبلة، تفرض على الجانبين أن يضعا ملف اللاجئين في إطاره الاستراتيجي الصحيح، لا أن يترك عُرضة لتقديرات أمنية من القاهرة وتقديرات سياسية محدودة الأفق من الخرطوم وكلاهما منفصلان عن السياق السياسي الأشمل. فكل إجراء أمني مصري ينفذ بمعزل عن هذا الإطار الاستراتيجي، يخصم من رصيد مصر في السودان، بينما كل سياسة متوازنة تجمع بين الحفاظ على الأمن العام واحترام كرامة اللاجئ السوداني، تراكم لمصر رصيدا سياسيا لا يمكن أن تحققه أي مبادرة دبلوماسية أو قدرات أمنية، مهما بلغت من الذكاء.إن الدفاع الحقيقي عن مصر، يقتضي تفعيل مفوضية اللاجئين المصرية على وجه السرعة، ودعم السفير المسئول بجهاز فني يكون قادرا على مواجهة التحديات الراهنة من حيث الشمول لفروع في أنحاء الجمهورية، والفاعلية لمعالجة أوضاع ملايين من اللاجئين، والتنظيم لاستلام السيادة المصرية المطلقة في ملف اللاجئين.وفي الأخير، نعلم أن التحدي الأمني حقيقي ولا يجوز التقليل منه، وإن السياق العالمي المعادي للهجرة والظروف الاقتصادية المصرية يفرضون جمعيهم ضغوطا موضوعية لا يمكن تجاهلها، ولكن الأداء التنفيذي يحتاج إلى مراجعة تضع في حسبانها أن كل سوداني يعامل اليوم بكرامة في شوارع القاهرة، وأن كل سياسي سوداني يعيش آمنا في القاهرة، أو ينتقل منها وإليها في سلام سيكون قادرا على تفهم الضرورات الاستراتيجية بين البلدين، وقادرا على التفاعل الإيجابي معها، بل ومقاوما للتيارات السلبية ضد مصر في السودان.وهكذا، فإن كل خطأ في التنفيذ على الصعيد الأمني مع اللاجئين السودانيين، مهما بدا صغيرا، يمكن أن يتحول غدا إلى عبء استراتيجي يصعب تفكيكه، وذلك في لحظة تحتاج فيها مصر إلى كل رصيدها الإيجابي في السودان أكثر من أي وقت مضى.————————-نشر المقال غلي موقع مصر 360 يوم 1 أغسطس, 2026The post دفاعا عن مصر وليس عن غيرها (مسار السياسات المصرية الأخيرة إزاء السودانيين في مصر) appeared first on صحيفة مداميك.