حامد بشريمع نهاية الالفية الماضية وبداية هذا القرن، تكاثرت هجرة السودانيين إلى أوروبا وأمريكا وأستراليا ونيوزيلندا مروراً بجزيرة كوبا. الهدف الأساسي من هذه الهجرات الانعتاق من الحكم الاستبدادي والبحث عن فرص عيش وعمل أفضل مع تأمين تعليم للنشئ. وفي الفترة الأخيرة مع العولمة، ظهرت إلى السطح ظاهرة جديدة تتمثل في السعي لإنجاب أطفال من أب وأم سودانية أو احدهما، في دول اوربية أملاً في الحصول على جنسية تلك الدول وضمان اجتماعي، مما يعني الاستغناء كليةً عن المواطنة السودانية.ولتحقيق هذه الأهداف لم يخطر على بالنا كمهاجرين، عامل لا يقل أهمية وهو ضرورة الاندماج في هذه المجتمعات التي تختلف عنا في كثير من أوجه الحياة. فالاندماج يتطلب في المقام الأول إجادة لغة البلد واسهام في عجلة التنمية واستيعاب حضارات وعادات وتقاليد هذه المجتمعات والانخراط فيها واحترام قوانين وقيم المجتمع الجديد التي تدعو إلى المساواة والعدالة والديمقراطية وحق الأبناء في الاختيار مع مراعاة خلفيتنا الثقافية. وليس النظر إلى هذا المجتمع بفوقية واستعلاء وكأننا نملك مفاتيح هذا الكون، مع العلم بأن حالنا يغني عن السؤال حتى أصبحنا نتسول في طرقات المدن وأزقتها المختلفة.علي الرغم من أن هذا المقال لا يمتّ بصلة مباشرة للواقع اليومي الذي يعيشه سودانيو المهجر، الا أني رأيت من الضرورة التطرق لأحدي الظواهر التي أصبحت تؤرقنا وتطوّق أعناقنا كمهاجرين، خاصةً وأن أعداد القادمين لهذه البلدان من السودان في ازدياد مضطرد. وفي الجانب الآخر قد يساهم طرح هذه الظاهرة في نبذ العنصرية والنعرة القبلية التي ما زالت تسيطر على عقلية جزء مقدّر من السودانيين والسودانيات حتى وهم خارج السودان.سأتناول تجربة المهاجرين في كندا والمسكوت عنه فيما يتعلق بالعلاقات الإنسانية والعاطفية للشباب والشابات الكنديين من أصول سودانية واختلافاتها وتقاطعاتها مع الخلفية الاجتماعية للوالدين. بداية لابد من الإشارة والانتباه إلى أن البيئة التي عشنا فيها فيما قبل الحرب وأثناءها تسببت في قصور وتشويه في فهم العلاقة مع النوع الآخر، فما بالك أذا كان هذا الآخر ينتمي إلى تقاليد وثقافة وبيئة ومجتمع وعادات تختلف عنا معشر السودانيين. هذه البلدان التي هاجرنا اليها بمحض إرادتنا استقبلتنا كمهاجرين ومواطنين رغم اختلاف سحنتنا وديانتنا، والمدهش أنها استقبلتنا بصدر رحب حتى أن بعضنا أنجب فيها ذرية حين رفضتنا تلك الدول التي ننتمي اليها بحكم الموروث الديني والثقافي.المساواة والتعليم المختلط بهذه المجتمعات، على عكس ما تطبعنا عليه حيث يبدأ في مراحل مبكرة، مما يساعد على التربية السليمة التي تلعب دوراً محورياً في فهم الآخر. وعلي الرغم من إيجابيات التربية السودانية في بيئتها، الا أنها في كثير من ممارساتها لا تصلح في بلدان الغرب الأوربي. عليه، من الضروري أن نكون مستعدين ذهنيًا ونفسيًا لهذه النقلة، وأن نتكيف معها فيما يتعلق بالتربية الجديدة المكتسبة للأبناء والبنات.في كل بقاع الأرض، وكندا ليست استثناءً، يحرص الوالدان على تربية الأبناء تربية سليمة كما نصت عليها كل الديانات بما فيها المجتمعات الوثنية وعبدة الأصنام. ومع الظروف الاقتصادية التي تزداد تعقيدًا، نجدهم في المجتمعات الغربية غير كثيري الإنجاب بغرض توظيف جلّ إمكانياتهم وطاقاتهم لتربية الأبناء. وفي مراحل عمرية متقدمة، حين يمر الأطفال بتغيرات فسيولوجية في مراحل النمو وتبدأ الهرمونات في النشاط وتصحبها الرغبة في العلاقة بين النوعين، يبدأ توجس الوالدين من عواقب هذه العلاقة ويزداد حرصهما لتفادي المخاطر التي قد يتعرض لها الأبناء والبنات نتيجة عوامل خارجية وداخلية. وعلى الرغم من أن التربية الجنسية تبدأ في المدارس الابتدائية في سن مبكرة كجزء من المقرر الدراسي، إلا أن المخاوف تبقى حقيقية، وتجاهلها قد يكون غير حميد.لذا تبدأ مراقبة وإرشادات الوالدين بخطوات مختلفة، بدءاً من عدم ترك الأبناء والبنات على انفراد لفترات طويلة مع أقرانهم، مروراً بفحص ومراقبة المحادثات الهاتفية، ومشاركة الأطفال في أنشطتهم الرياضية المختلفة، ومشاركتهم في الألعاب الإلكترونية، ومشاهدة البرامج التلفزيونية بصورة جماعية. باختصار، التفرغ شبه الكامل لهم في هذه الفترة املاً في الخروج إلى برّ الأمان. وفي هذه البيئة وحتى لا نكون مخطئين في حق أطفالنا، جزءاً من مسؤولية التربية تقع على عاتق المجتمع الرأسمالي. فالرأسمالية البشعة عكست أخلاقياتها وبصماتها على الجميع بخطي قد تكون حثيثة وقد تبطئ في بعض الأحيان، والوالدان ليسا معصومين. لقد صرنا جميعاً نتعامل وفق قوانين التطور الرأسمالي.العلاقات الحميمة قد تبدأ من المرحلة الثانوية، وفي بعض الأحيان قبل ذلك، وتعتمد على البيئة التي ينشأ فيها الطفل. وهي لا تشكل هاجسًا في هذه الدول مقارنةً بالدخول في عالم المخدرات، وهي من الأمراض الاجتماعية الخطيرة التي تواجه هذه المجتمعات وتحتاج إلى مراقبة دقيقة من قبل الوالدين. أما فيما يتعلق بالحّمل والإنجاب خارج مؤسسة الزواج، فهو لا يُعدّ وصمة عار، وإنما قرار شخصي يتحمل الفرد تبعاته. أثناء إقامتي وعملي في هذا البلد تعاملت مع رؤساء ومديري أقسام وأصحاب شركات مرموقة شيدوا أسرًا ورُزقوا بأحفاد ويعيشون في سلام وأمان ولهم مساهمات كبيرة في المجتمع، وكل ذلك من غير زواج مكتوب. ومنطقهم في ذلك أن تكاليف الزواج عالية، والبعض الآخر يرى أن هذا العقد المكتوب لا يعني لهم شيئًا. ولست أدعو لهذا المسلك، لكن من الضروري الاستعداد الذهني والنفسي للقادمين الجدد لهذا المجتمع.نمط الزواج الغالب في المجتمع الكندي يختلف عن مجتمعاتنا. فهو هنا محض اتفاق بين شخصين التقيا في دروب الحياة المختلفة، وفي بعض الأحيان عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي كما ظهر مؤخرًا، وقررا أن يعيشا سويًا فيما تبقى من عمرهما. وليس للوالدين نصيب في الاختيار، والأفضل لهما مباركته. وإذا رأى بعضهم ضرورة إقامة مراسم لهذه المناسبة، فتقام في مؤسسة مدنية تشبه المجالس البلدية أو الريفية بحضور عدد محدود من الأصدقاء والصديقات، وقد تعقبها حفلة عشاء لعدد محدود لا يتجاوز أصابع اليدين والقدمين. وفي رأيهم، الاحتفال بالزواج دعوة لحضور أصدقاء وصديقات العرسان، وليس احتفالًا وفرحًا للآباء والأمهات وذوي القربى. أما مساهمة الوالدين في مدّ يد العون للأنجال، فيتم الاتفاق حولها مسبقًا وتختلف من حالة إلى أخرى؛ فقد تكون المساعدة بدفع سلفة لتكاليف الدراسة الجامعية، أو دفع المقدم لشراء مسكن للمتزوجين الجدد، أو دفع تكاليف الزواج وشهر العسل.الملاحظ في هذه الطقوس والارتباط الأبدي أنه لا يتم الاستفسار عن أصل وفصل العريس أو العروس، ولا حتى عن القُطر أو الديانة أو العمر، ولا حديث عن القبيلة. فقد مُحيَت ومسحت كل هذه الفوارق المبتدعة. والعامل الأساسي هو الإنسانية والحب الذي لا ميزان له ولا معيار ولا وطن. وعلى الرغم من كل هذه التجارب، نجد أن بعض الأسر السودانية التي تعيش في هذه الدول تفرض على أبنائها وبناتها محاذير معينة لاختيار شريك الحياة. ومن ضمنها – بكل أسف – السؤال عن أي أقطار العالم ينتمي هذا الشاب أو الشابة، مع العلم بأننا جميعًا أصبحنا كنديين. والشرط الثاني: هل هو أو هي مسلم/ة؟ وللمفارقة يتم تفضيل العربي أو العربية على الآخر المسلم/ة، خاصة إذا كان من ذوي الأصول الإفريقية. فالعصبية العرقية تعلو على الديانة حتى في كندا. وهنا تظهر بوضوح الثقافة البالية التي تتغلغل في العقل الباطن لمعظمنا بمظهر الاستعلاء الإثني، كجزء من ثقافة مأزومة تعشش في عقلنا الجمعي كما عبّر عنها كمال الجزولي في “الرزنامة” (الأنا والآخر والمسكوت عنه). هذا الحاجز الوهمي في تفضيل رغبات الوالدين ومحاولة فرضه على الأبناء والبنات جعلنا مصدر تهكم، وخلق مشكلة عبرت عن نفسها بعزوف أبنائنا وبناتنا عن الزواج وفقدان فرص الإنجاب والتربية. إنها جريمة أخلاقية واجتماعية يتحمل وزرها الآباء والأمهات.تجربة الزواج الأميريوللمفارقة، عندما نوى ابننا أمير الزواج من شابة التقي بها أثناء الدراسة الجامعية، أحضرها لنا في المنزل للتعرف عليها. والدتها ذات أصول باكستانية، وقد حضرت مع والديها إلى كندا وعمرها لم يتجاوز السابعة، أما والدها فذو أصول أيرلندية وأرمينية ويونانية. ودار بين الأبن ووالدته الحديث التالي: ما طبيعة عملها؟ هل تحب ركوب الدراجات؟ هل تملك رخصة قيادة؟ هل تجيد السباحة وركوب الأمواج؟ هل تتزحلق على الجليد؟ هل تحب السير لمسافات طويلة؟ ما أنواع الرياضة التي تمارسها؟ الإجابة على هذه الأسئلة توضح مدى تطابق اهتماماتها مع اهتمامات الأبن. فعدم وجود اهتمامات وهوايات مشتركة قد يكون سببًا في خلق مشكلات مستقبلية، لذلك من الأفضل أن تجمع شريكي الحياة مساحات مشتركة من الاهتمامات خوفًا من أن يصيبهما الملل والضجر في فترات غياب أحداهما عن المنزل.﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ الآية 13 من سورة الحجرات.The post ملامح من المجتمع الكندي – الحلقة 13 : المسكوت عنه في تجربة الاغتراب appeared first on صحيفة مداميك.