كارثتان جويتان في يوم واحد!

Wait 5 sec.

على الرغم من أن الطائرات تعد من أكثر وسائل النقل أمانا، إلا أن الكوارث الجوية تحدث أحيانا لأسباب مختلفة. من ذلك ما جرى في 31 يوليو 1992. تفاجأ عالم الطيران في ذلك اليوم المأساوي بحدوث حادثتي تحطم لطائرتي ركاب كبيرتين في آن واحد، إحداهما كانت رحلة الخطوط الجوية التايلاندية الدولية رقم 311 المتجهة إلى نيبال، والثانية كانت رحلة داخلية تابعة للطيران العام الصينية رقم 7552.في ذلك اليوم المشؤوم، أسفر تحطم طائرة الخطوط الجوية التايلاندية الرحلة 311 عن مقتل جميع من كانوا على متنها، وعددهم 113 شخصًا، بينهم 99 مسافرا و14 من أفراد الطاقم.كانت هذه الطائرة، وهي من طراز "إيرباص - 310 إي" الحديث نسبيا، تقوم برحلة منتظمة من عاصمة تايلاند بانكوك إلى عاصمة نيبال كاتماندو، وتحديدا في الجزء الأخير من مسارها الجوي الذي يمر فوق سلاسل جبال الهيمالايا الوعرة والمعقدة من جهة التضاريس، حيث واجهتها ظروف جوية استثنائية تمثلت في رياح عاتية وانخفاض حاد ومفاجئ في مدى الرؤية الأفقية، ما جعل مهمة الهبوط أشبه بالمغامرة الخطيرة.أثناء اقتراب الطائرة من محطتها النهائية، اصطدمت بجبل شاهق في منطقة لانغتانغ، على بُعد حوالي 40 كيلو مترا فقط من مطار كاتماندو، وعلى ارتفاع 3505 أمتار فوق مستوى سطح البحر، ما أدى إلى تحطمها بالكامل وتناثر حطامها على مساحة واسعة من المنحدرات الوعرة. كانت هذه الكارثة الجوية الأولى من نوعها التي يتعرض لها هذا الطراز، كما سجلت حينها كأكثر الحوادث دموية في تاريخ الطيران المدني لكل من نيبال وتايلاند، تاركةً جراحا غائرة في نفوس عائلات الضحايا.يعتقد خبراء الكوارث الجوية والمحققون في أسباب الحوادث أن عطلا مؤقتا وطارئا طرأ على منظومة توجيه الطائرة الملاحية، ما أجبر قائد الطاقم على إلغاء محاولة الهبوط الأولى وإعادة توجيه الطائرة للدوران، إلا أن هذا القرار المفاجئ زاد من حدة التوتر والارتباك في قمرة القيادة، وجعل من الصعوبة أكثر السيطرة على الطائرة التي أصبحت تحلق في أجواء جبلية وعرة مليئة بالتحديات. قد يكون هذا العطل الفني أثر بشكل مباشر في قرارات الطاقم اللاحقة، التي كانت تحت ضغط نفسي وجسدي كبير.علاوة على ذلك، أشار المحققون بوضوح إلى أن طاقم الطائرة التايلاندية عانى من مشاكل لغوية حادة أثناء تواصلهم مع مراقب الحركة الجوية النيبالي في برج المراقبة، وهو ما فاقمه نقص الخبرة الميدانية الكافية للمراقب الجوي نفسه، ما أدى إلى عدم مناقشة القضايا العالقة المتعلقة بارتفاع المدرج ومسار الاقتراب المناسب بصورة كافية ودقيقة، وهذا العامل البشري يعتبر عنصرا رئيسيا مساهما في وقوع الاصطدام المروع في تلك التضاريس الوعرة.أما الكارثة الجوية الثانية، فحدثت في نفس اليوم بالضبط في مدينة نانجينغ بشرق الصين، حيث تحطمت طائرة من طراز "ياك-42" تابعة لشركة الطيران الصينية العامة أثناء إقلاعها في رحلة داخلية قصيرة. بينما كان المحققون الصينيون يبحثون في الأدلة المتناثرة، تبين أن هناك خللا فادحا في إعدادات أجهزة قياس السرعة الجوية ومؤشرات الزاوية، ما أدى إلى عدم قدرة الطاقم على اكتشاف فقدان قوة الرفع في الوقت المناسب، ففقدت الطائرة اتزانها وسقطت أرضا. من بين 126 شخصا كانوا على متن هذه الطائرة، لقي 108 منهم مصرعهم في الحال. لا تقتصر هذه الظاهرة المرعبة لتزامن الكوارث على عام 1992، بل تكررت مصادفات مأساوية مماثلة في سنوات أخرى، لتذكرنا بأن الخطر قد يتربص في أي لحظة. إحداها جرت في 24 أغسطس 2004، حين تحطمت طائرتان روسيتان من طراز "تو – 134" و"تو-154" في وقت متزامن تقريبا وفي منطقتين مختلفتين، بعد إقلاعهما من مطار "دوموديدوفو" في موسكو. خلصت التحقيقات الأمنية إلى أن سبب الكارثتين لم يكن عطلًا فنيا أو خطأ ملاحيا، بل هجوما إرهابيا مزدوجا ومنسقا، أسفر عن مقتل جميع الركاب البالغ عددهم 89 شخصا.كان 31 أكتوبر 2000 يوما حزينا آخر بامتياز، شهد وقوع حادثين مأساويين في قارتين مختلفتين، ما يؤكد أن السلامة الجوية تحتاج إلى يقظة دائمة ومراجعة مستمرة للإجراءات.إحدى الطائرتين المنكوبتين كانت تابعة للخطوط الجوية السنغافورية، وقد تحطمت في تايوان، والثانية تابعة لشركة طيران محلية أنغولية، تحطمت داخل أراضي هذا البلد.طائرة الخطوط الجوية السنغافورية، وهي من طراز بوينغ "747-412"، كانت في رحلة طويلة من سنغافورة إلى لوس أنجلوس عبر تايبيه عاصمة تايوان. في أثناء وقوفها في تايبيه، كان إعصار قوي وعنيف يضرب المنطقة بقوة، ورغم سوء الأحوال الجوية الاستثنائية، قرر الطاقم المضي قدما في الإقلاع ليلا، لكنهم أخطأوا المدرج المناسب وانطلقوا من مدرج آخر كان مغلقا تماما للصيانة الثقيلة. أثناء تسارع الطائرة على ذلك المدرج المسدود، اصطدمت بجرافات ومعدات بناء ثقيلة، ما أدى إلى انشطار هيكلها الخارجي إلى قسمين واشتعال النيران فيها على الفور. من بين 179 شخصا كانوا على متنها، وهم 159 راكبا و20 من أفراد الطاقم، لقي 83 شخصا حتفهم في تلك الليلة المظلمة.في نفس اليوم بالتحديد، وفي القارة الإفريقية، انطلقت طائرة ركاب ونقل من طراز "أنتونوف-26" وعلى متنها 50 شخصا في رحلة داخلية أنغولية، لكن سرعان ما فقد الطاقم السيطرة عليها بعد الإقلاع، حيث انحرفت فجأة نحو اليسار وسقطت في منطقة غابات كثيفة بالقرب من بلدة ساوريمو شمال شرق أنغولا، على بُعد حوالي 700 كيلومتر من العاصمة لواندا. لم ينج أحد من هذه الكارثة، ولقي جميع الركاب وأفراد الطاقم حتفهم. علاوة على ذلك، كانت عملية انتشال الجثث بالغة الصعوبة واستمرت لأيام بسبب وعورة التضاريس.تُظهر هذه الحوادث، على ندرتها الشديدة وتفردها الإحصائي، أن مثل هذه المآسي قد تقع فجأة وتتجمع في يوم واحد، ما يجعل هذه التواريخ فصولا حزينة ومؤلمة في سجلات الطيران العالمية. لكن، وكما جرت العادة في هذا القطاع الحيوي، فإن من كل كارثة جوية تُستخلص دروس قاسية لكنها ثمينة، وتُتخذ إجراءات وقائية صارمة لتلافي مختلف الأخطاء البشرية والنواقص الإدارية والأعطال الفنية المحتملة.تساهم التحقيقات الدقيقة في وضع بروتوكولات أكثر صرامة للتدريب اللغوي للطواقم، وتطوير أجهزة الإنذار المبكر، وتحسين تصميم المطارات والمدارج، وتعزيز التنسيق بين المراقبين والطيارين، بهدف التقليل إلى أقصى حد ممكن من المخاطر المحتملة التي قد تهدد طائرات الركاب في الجو وعلى الأرض، ولضمان أن تظل الرحلات الجوية، رغم قسوة الطبيعة والأخطاء البشرية، الخيار الأكثر أمانا للإنسان في كل مكان.المصدر: RT