يوسف الغوثفي خضم الفوضى السودانية التي اختلط فيها الحابل بالنابل، وتاهت فيها البوصلة بين مطرقة الفرقاء وسندان الأزمات، أصبحت السياسة سوقاً مفتوحة لكل من هب ودب، حيث تبرز بين الفينة والأخرى شخصيات تظن نفسها مفاتيح للحل، بينما هي في حقيقة أمرها مجرد خوازيق خرجوا من تنظيماتهم الضيقة إلى سوق السياسة العريضة، فأصابهم الذهول وضاعت منهم الحجج، فلم يجدوا منجاة من فضح أنفسهم قبل أن يفضحوا غيرهم.يتجلى المثل الشعبي السوداني(الشافع دة ما شافع مرقة) في أعمق معانيه لمن عاش عمره في زاوية ضيقة من الحياة، لم يختبر العالم خارج جدرانه، ولم يمارس السياسة يوماً بطرقها الحقيقية، بل اكتفى بلقب شاغر ومنصب وهمي.وعندما قذفته الأيام إلى ساحة الصراع، ووجد نفسه فجأة بين فرقاء يتناحرون وقضايا مصيرية لم تُحسم، ارتبكت عيناه وتاهت منه البوصلة، فلم يجد منجاة من التصرف بسذاجة الطفل الذي يهرف بما لا يعرف، ويردد ما لا يفقه، فيفضح نفسه أمام الجميع.لاعتبار انه لم يصغِ للكبار قبل أن ينطق، ولم يتعلم التريث قبل أن يقرر، فكانت تصريحاته متناقضة، ومواقفه متقلبة، وأفعاله خرقاء، حتى صار مثلاً يُضرب في كل مجلسان هذا المثل، بمعناه العميق، ينطبق على عدد كبير من سياسي المشهد السوداني الراهن وعلي راسهم مني ..ان ذلك الرجل الذي قضى معظم عمره السياسي كامناً في زوايا السلطة، بعيداً عن صخب المعارك ودهاليز القرار الحقيقي. لم يذق طعم المسؤولية الجادة، ولا خبر كيف تُدار الدول في لحظات الخطر.كان طوال سنواته مجرد ظلٍ لسلطة أكبر منه، يستهلك الهواء المكيف ويشرب الماء البارد، بينما تُصنع القرارات المصيرية من حوله دون أن يكون له فيها ناقة او جمل.لم يتعلم من السياسة إلا اسمها، ولم يعرف من الحكم إلا لقبه،عاش في قوقعة ضيقة لا تتسع لأكثر من انتظار دور لا يأتي. ثم جاءت رياح الحرب لتفجر قوقعته وتقذف به إلى سوق السياسة العريض، فخرج منه ذلك الشافع الذي لم يسبق له أن رأى العالم خارج جدران مكتبه، فاختلط عليه كل شيء،،الخصم والصديق، الجيش والميليشيا، الشرق والغرب. فأصبح يمد يده هنا وهناك، ويقول كلمة وضدها، ويتحالف مع الجميع ولا يفي لأحد،لم يعد يفرق بين من يشتري ومن يبيع، فضح نفسه أمام السودانيين بتصريحاته المتناقضة وولاءاته المتقلبة.ان تاريخ ذلك الرجل الذي لم يزل مقيماً في دهاليز السلطة، ملئي بالمساخر والعحائب فقد كان سابقا مساعد لرئيس الجمهورية ابان حكم الانقاذ،، وقد كان حينها عبارة عن زخرفة بلا وظيفة، وقد اعترف بنفسه بأنه لم يمارس هناك أي قرار، بل كان مجرد متفرج على صناعة السياسة من بعيد،لم يمسك بملف ولم يوقع قراراً، قط ،كان يستهلك الوقت والهواء البارد في انتظار دور لا يأتي.وكأنما وضعوه هناك ليراقب من بعيد كيف تُدار الدولة، بينما تُشعل الحروب وتُعقد المؤامرات من حوله دون أن يكون له فيها أي دورر، ولا حتى رأي يذكر. فكان وجوده أشبه بزينة بلا قيمة، أو تمثال في قاعة فارغة، يمر الوقت عليه وهو لا يدري ما يجري خارج جدرانه المكيفة، إلى أن جاءت رياح الحرب لتخرجه من مكيفه الهانئ إلى عاصفة القتال. فكان خروجه كارثة كبرى، كخروج ذلك الشافع من داره إلى سوق الزحام، لا يحسن المشي بين الكبار ولا يعرف كيف يتحدث مع الاخرين ..لقد جعل ذلك الرجل من التقلب منهجاً ومن الارتجال سياسة. يصرح بأنه شوية مع دول، ثم يلتفت في اللحظة ذاتها ليهمس وشوية مع دول؛ يقصد الجيش تارة وميليشيا الدعم السريع تارة أخرى.لا يدري من يقف معه ولا من يحاربه، مختلطاً عليه الأمر بين الدول، ضائعةً منه الحجج. وكأنه شافع في ملعب يركض خلف كل من يناديه، لا ولاء له ولا قرار، فقط تخبط طفولي يعكس حالة البيت السوداني الذي خرج منه دون وعي ولا إدراك.وفي نوبة غرور سياسي مفاجئة، قرر أن يمارس دور القائد العتيد، فأطلق تحذيراته المتعثرة بلهجة الرجل الذي يملك القرار، قالها بالإنجليزية ليزيدها فخامة وعظمة Don’t touch the brake ،، أي لا تلمس الفرامل. وهو الرجل الذي لم يعرف طوال حياته كيف يقود أي شيء، لا دبابة ولا سيارة ولا حتى سياسة، فهو لم يمسك بعجلة قيادة قط، ثم فجأة يوصي بعدم لمس المكابح في معركة ليس لها عنوان ولا طريق، ليضع نفسه في مشهد هزلي درامي ساخر…ولما ضاقت به الأرض السودانية ولم يجد مفراً من سؤال المحاورين عن وجود قواته في ليبيا، كان جوابه الطائر الخالد والذي خلده في ذاكرة السودانيين كأضحوكة العصر ،،نحنا نمشي وين بعد ما اتضايقنا في السودان؟نمشي السماء ذات البروج؟”فبهذه العبارة المرتجلة كشف عن كل ما كان يخفيه عن فشل استراتيجي لم يترك له موطئ قدم في أرضه، وعن عقل سياسي وجد أن الأرض السودانية بأسرها ضيقة به وبقواته، فلم يتبقَ أمامه إلا أن يحلق في الخيال ويبحث عن مملكة في السحاب، وكأن إدارة دارفور يمكن أن تتم من فوق الغيوم، وكأنه ليس قائداً عسكرياً بل نبي صغير يبحث عن برج منيف يختبئ فيه. فجعل من آية قرآنية غطاءً لهزيمته، ومن السخرية سياسة، فأصبح لقب حاكم السماء ذات البروج ، هو التتويج الطبيعي لمسيرة من التخبط والارتباك، لقب لاصق به لا يمحوه الزمن، وهو خلاصة ما صنعه بيديه من فشل وضحك وهروب. وأثبت أنه الشافع الذي خرج ليفضح بيته، فلم يترك للسماء مرجعاً ولا للأرض قراراً.والآن، وإذ بهذا الشافع العجوز يظهر على طاولة الآلية الخماسية في أديس أبابا، يجلس بين دول ومنظمات إقليمية ودولية لها ثقلها وهيبتها ،،اجتمعت كلها لمناقشة مصير السودان. وإذا بمناوي بينهم يحاول أن يرتدي ثوب القائد الوطني، يحمل رسائل الوجع والحزن بلهجة المتألم وهو الذي لم يستطع أن يحمي إقليمه من الحرب، وكان أول الهاربين إلى الظل، يتشدق بوحدة السودان وهو الذي قال بأفعاله إنه لا يجد مكاناً للسودان في قلبه فقرر أن يحلق في السماء. لكنه في الحقيقة لا يملك إلا أن يكون شافع مدللاً وضعوه على كرسي الكبار،سيظل جزءاً من الخماسية لكنه ليس جزءاً من الحل، بل مجرد نكتة ثقيلة في اجتماع يبحث عن جدية مفقودة ..سوف يظل ذلك الرجل ومن هم علي شاكلته مجرد ظلاً لظلالهم والسودان لا يقبل باطفال الكهولة ..The post مناوي ما شافع مرقة appeared first on صحيفة مداميك.