مهدي داود الخليفةحين يشاهد العالم عشرات الآلاف من المغاربة يحاولون الوصول إلى سبتة، فإن السؤال الحقيقي لا ينبغي أن يكون: كيف عبروا؟ وإنما: لماذا خاطروا؟لقد اعتاد الرأي العام أن يربط الهجرة بالحروب والصراعات المسلحة، كما حدث في السودان وسوريا واليمن. لكن ما جرى في سبتة يذكرنا بحقيقة أخرى لا تقل أهمية، وهي أن الشعوب قد تهاجر أيضًا في ظل الاستقرار النسبي، عندما تفقد الثقة في المستقبل، أو تشعر بأن الكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية وفرص الحياة الكريمة أصبحت بعيدة المنال.فالمغرب، مقارنة بكثير من دول المنطقة، يتمتع باستقرار سياسي ومؤشرات تنموية أفضل من غيره، ومع ذلك شهدت حدوده مع سبتة واحدة من أكبر محاولات العبور الجماعي. وهذا يدفعنا إلى تجاوز التفسير الذي يحصر المشهد في “الهجرة غير النظامية”، والنظر إليه باعتباره رسالة اجتماعية وسياسية تستحق التأمل.فالإنسان لا يغامر بحياته من أجل البحر أو الحدود، بل يهرب غالبًا من الإحساس بانسداد الأفق. إنه يبحث عن الكرامة، وعن تعليم جيد، ورعاية صحية تحفظ إنسانيته، وقضاء نزيه، وفرص عمل عادلة، ومجتمع يكافئ الكفاءة لا الواسطة.ولعل من أهم مفاتيح فهم هذه الظاهرة أنها ترتبط أيضًا بجيل جديد هو جيل Z؛ الجيل الذي نشأ في عصر الثورة الرقمية ولم يعد يقارن واقعه بما عاشه آباؤه، بل بما يشاهده يوميًا عبر الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي. إنه يقارن جودة التعليم، ومستوى الخدمات الصحية، وفرص العمل، والحريات، ونوعية الحياة في مختلف دول العالم، فتتسع الفجوة بين طموحاته وما يجده في واقعه.هذا الجيل لا يبحث فقط عن وظيفة، بل عن فرصة لتحقيق الذات، وعن بيئة تحترم كرامته وتمنحه الأمل. ولذلك، عندما يشعر بأن مستقبله يبدو أكثر وضوحًا خارج وطنه منه داخله، تصبح الهجرة خيارًا مطروحًا، حتى في غياب الحرب أو المجاعة.ومن هنا، فإن المقاربة الأمنية، مهما بلغت فعاليتها، لا تستطيع وحدها معالجة الظاهرة. فالجدران والأسلاك الشائكة والدوريات الأمنية قد تؤخر العبور، لكنها لا تعالج أسبابه. فالوطن لا يُحمى بالحدود فقط، وإنما بقدرته على إقناع شبابه بأن مستقبلهم يبدأ من داخله لا من خارجه.ولهذا تصبح المحاسبة جزءًا من الحل. فعندما تتراجع ثقة المواطنين في مؤسساتهم، يصبح من المشروع مساءلة السياسات التي أوصلت الشباب إلى هذه المرحلة من الإحباط. فنجاح الدول لا يقاس فقط بمعدلات النمو الاقتصادي، وإنما أيضًا بقدرتها على توزيع ثمار التنمية بعدالة، وإنتاج الأمل قبل إنتاج الأرقام.وفي الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل خصوصية سبتة ومليلية، فهما ليستا مجرد نقطتين حدوديتين، بل تمثلان قضية تاريخية وسيادية بالنسبة للمغرب، بينما تعتبرهما إسبانيا جزءًا من أراضيها وحدود الاتحاد الأوروبي. لذلك فإن بعض محاولات العبور تتداخل فيها الدوافع الاقتصادية والإنسانية مع الخلفية التاريخية والرمزية للنزاع، مما يجعل تفسير المشهد أكثر تعقيدًا من اختزاله في سبب واحد.لكن، مهما تعددت الدوافع، فإن مشاهد الغرق والوفيات وإعادة آلاف المهاجرين تؤكد أن الهجرة ليست انتصارًا لأحد، بل هي في كثير من الأحيان إعلان صامت عن أزمة ثقة بين الإنسان ووطنه.إن الرسالة التي ينبغي أن تستوعبها الحكومات ليست تشديد الحراسة على الحدود فحسب، بل الاستثمار في الإنسان. فالإنسان عندما يجد العلاج اللائق، والتعليم الجيد، وفرصة العمل، والعدالة، والكرامة، يصبح أكثر تمسكًا بوطنه وأقل رغبة في مغادرته.لقد تغيرت معادلة الهجرة في القرن الحادي والعشرين؛ فلم تعد المسافة بين الوطن والمهجر تُقاس بالكيلومترات، بل بالفجوة بين طموحات الشباب وما يتيحه لهم وطنهم من فرص وعدالة وكرامة.ولعل أجمل ما يلخص هذه الحقيقة هو القول: “لا تسألوا الطيور لماذا هاجرت، بل اسألوا الظروف التي أجبرتها على الرحيل.” فالناس لا تبحث فقط عن المال، بل تبحث عن وطن يمنحها الأمل، ويصون كرامتها، ويجعلها تؤمن بأن الغد يمكن أن يكون أفضل من الأمسThe post ليست الحروب وحدها من تُهجِّر الشعوب… ماذا تقول لنا سبتة؟ appeared first on صحيفة مداميك.