تقرير – إسماعيل حسابوشهدت منصات التواصل الاجتماعي خلال الأيام الماضية موجة واسعة من الجدل والقلق، عقب تداول مقاطع فيديو وصور تُظهر تراجعاً ملحوظاً وانحساراً لمناسيب المياه في مجرى نهر النيل وبعض تفرعاته داخل الأراضي السودانية؛ حيث أثارت هذه المشاهد مخاوف الشارع السوداني، وسارع الكثير من المغردين والناشطين إلى ربط هذا الانحسار بشكل مباشر ببدايات عمليات ملء أو تشغيل سد النهضة الإثيوبي وتأثيره على تدفقات النيل الأزرق، المورد الرئيسي لنهر النيل بنسبة تقارب 60%. وفي محاولة لقطع الشك باليقين، أصدرت الإدارة العامة للخزانات بوزارة الزراعة والري السودانية بياناً فنياً مفصلاً لإحاطة الرأي العام والجهات ذات الصلة بالموقف المائي الراهن حتى منتصف يوليو 2026م.وعلى عكس ما روّجت له بعض المقاطع من مخاوف حول جفاف النهر، حمل البيان مؤشرات إيجابية قوية تؤكد أن الوضع المائي العام في البلاد لا يزال مستقراً ومطمئناً، حيث أوضحت الوزارة أن أحدث القراءات والتحليلات الفنية تشير إلى أن إيراد النيل الأبيض ومناسيبه تسجل معدلات أعلى من المتوسط العام ومن مستويات العام السابق، كما تعكس مناسيب وتصريف خزان جبل أولياء استقراراً إيجابياً يفوق متوسطات الأعوام السابقة، في الوقت الذي تسجل فيه جملة إيراد النيل الأزرق مستويات مائية جيدة تتجاوز المتوسط العام ومعدلات العام الماضي.وفي المقابل، أقرّت الإدارة العامة للخزانات برصد انخفاض مؤقت في الوارد اليومي لبحيرة خزان الروصيرص خلال الفترة من 7 إلى 9 يوليو 2026م، حيث انخفض الوارد من 207 إلى 129 مليون متر مكعب يومياً، أي بنقص بلغ 76 مليون متر مكعب في اليوم. هذا النقص انعكس مباشرة على حركة التصريف خلف الخزانات، حيث انخفض التصريف خلف خزان الروصيرص بمقدار 100 مليون متر مكعب يومياً، وخلف خزان سنار بنحو 82 مليون متر مكعب يومياً خلال الفترة من 7 إلى 10 يوليو 2026م. وقد أدى هذا التراجع إلى هبوط مؤقت في مناسيب النيل بعدد من المحطات الرئيسية، ورغم هذا الهبوط، طمأنت الوزارة المواطنين بأن المناسيب بالمناطق الواقعة شمال الخرطوم لا تزال أعلى من مستوياتها المسجلة خلال العام السابق حتى تاريخ 15 يوليو 2026م.وعن الأسباب المباشرة لهذا التراجع، أكدت الإدارة العامة للخزانات أن هذا الانخفاض المؤقت في مناسيب النيل يعود بصورة مباشرة إلى تراجع وارد النيل الأزرق نتيجة انخفاض تصريف سد النهضة الإثيوبي خلال تلك الفترة. وأوضحت أن انحسار وفيضان مياه النيل وفروعه يُعد في أصله ظاهرة طبيعية، إلا أن قيام سد النهضة أدى بالفعل إلى تغيير في هيدرولوجيا النهر، وتؤكد الوزارة أن هذا المتغير الجديد يتم التعامل معه بكفاءة من خلال التشغيل الفني للخزانات وإجراء المعالجات التشغيلية اللازمة لضمان استقرار الإمدادات المائية والمحافظة على المناسيب المطلوبة.يُذكر أن سد النهضة الإثيوبي يقع على النيل الأزرق على بُعد نحو 15 كيلومتراً فقط من الحدود السودانية، بسعة تخزينية تصل إلى 74 مليار متر مكعب. ومنذ بدء تشييده عام 2011م، تتفاوض إثيوبيا والسودان ومصر للوصول إلى اتفاق حول ملئه وتشغيله، غير أن المفاوضات ظلت تراوح مكانها بين الفشل والطرق المسدودة، رغم توقيع الدول الثلاث على “إعلان مبادئ” بالخرطوم في مارس 2015م والذي أكد على عدم الإضرار بمصالح دول المصب.وفي هذا الصدد، كشف الخبير الدولي والمستشار السابق بوزارة الري السودانية الدكتور أحمد المفتي، أن الانحسار الحالي لمياه النيل يُعد ظاهرة غير مسبوقة تختلف عن النظام الطبيعي الذي اعتاد عليه السودان لعقود. وأرجع المفتي في تصريحات صحفية، هذا الانحسار الحاد إلى تأثير سد النهضة على التدفقات الطبيعية للنيل الأزرق في ظل غياب التنسيق المسبق، محذراً من أن تشغيل خزان بسعة تتجاوز الإيراد السنوي للنهر بصورة آحادية سيؤدي حتماً إلى اضطرابات حادة تتأرجح بين الانحسار المفاجئ والفيضانات العارمة. ورأى المفتي أن اكتمال ملء السد لا يعني انتهاء التأثيرات، مشدداً على أن الوصول إلى اتفاق قانوني ملزم ينظم قواعد الملء والتشغيل ويراعي أمان السد والأمن المائي يظل هو الضمانة الأساسية لتفادي الأضرار المباشرة على دولتي المصب.وفي تحليلٍ هيدرولوجي ونقدي أكثر عمقاً للآلية الفنية، يرى وزير الري والموارد المائية السابق ورئيس اللجنة الفنية لمفاوضات سد النهضة البروفيسور سيف الدين حمد أن التراجع الراهن في المناسيب لم يكن مفاجئاً أو خارج الحسابات؛ موضحاً أن سد النهضة يعتمد في نمطه السنوي على تخزين نحو 25 مليار متر مكعب خلال فترة الخريف (من يوليو إلى أكتوبر) وتفريغها خلال فترة الانحسار (من يناير إلى يونيو) بين منسوبي 625 و640 متراً، مع وجود مخزون استراتيجي قدره 33 مليار متر مكعب كفيل بامتصاص تداعيات أي جفاف قد يمتد لسبع أو ثماني سنوات.وأوضح حمد في مقال أن تصرفات سد النهضة خلال الأشهر الستة الأولى من العام الجاري (2026) تراوحت بين 520 و200 مليون متر مكعب يومياً، وهي كميات فاقت الحاجة الفعلية للسودان للتوليد الكهرومائي والري خلال تلك الفترة، وكان يترتب على إدارة الخزانات استغلالها بتخزين قدر معقول في خزان الروصيرص لمواجهة التخزين الإثيوبي المعتاد في مطلع يوليو، وهو المتفق عليه ضمن الترتيبات الفنية بين البلدين منذ أكتوبر 2022م.وتساءل حمد عن أسباب إصرار السودان على اتباع نمط التشغيل التقليدي القديم بدلاً من ملاءمة برنامج تشغيل سدوده مع الواقع الهيدرولوجي الجديد الذي فرضه سد النهضة، مشيراً إلى أن المياه باتت تُحتجز في الخريف وتُطلق في فترة الشح. كما انتقد قرار دمج وزارة الري مع وزارة الزراعة، مؤكداً أنه ألقى بظلال سلبية واضحة على أداء قطاع الموارد المائية، وجعل الاستجابة المؤسسية لمستجدات الفيضان وتحديات سد النهضة دون المستوى الفني المطلوب.ولا تقتصر التداعيات على البُعد الفني للمياه؛ إذ يُحذر محللون بالقطاع الزراعي من أن توقيت هذا الانخفاض في مطلع يوليو يعد حساساً للغاية، كونه يتزامن مع تحضيرات الموسم الزراعي الصيفي. ورغم أن تطمينات الوزارة بشأن استقرار الإمداد المائي تبدد المخاوف الفورية للمزارعين، إلا أن استمرار التذبذب في مستويات مياه النيل الأزرق خلف خزان سنار والروصيرص قد يؤثر سلباً على طلمبات السحب ومشاريع الري الانسيابي، ما لم تكن هناك تدفقات تعويضية مجدولة بدقة.غير أن الخبير الزراعي ووزير الزراعة السابق الدكتور أبو بكر عمر البشرى، اعتبر أن سد النهضة في حد ذاته ليس سبباً دائماً للانحسار، إلا أن الخطورة تكمن في التشغيل الآحادي والتذبذب غير المتوقع لمستويات المياه، مؤكداً أن عدم القدرة على التنبؤ يربك التخطيط الزراعي، مما يجعل إبرام اتفاقات دولية ملزمة تنظم خطط الملء والتفريغ ضرورة لا مفر منها. وبحسب البشرى، فإن هذا الانحسار يمس مباشرة ثلاثة محاور حيوية؛ أبرزها كفاءة الري المروي وطلمبات السحب في المشاريع الممتدة على ضفاف النهر وصولاً إلى مشروع الجزيرة والمناقل، مما يرفع تكاليف الوقود والكهرباء ويتسبب في تأخير الجداول الزراعية وتراجع الإنتاجية، فضلاً عن خطورة التوسع في الزراعة المطرية الهشة، وارتفاع ملوحة التربة وتدهور أحزمة مكافحة التصحر.من جانبه، يرى الصحفي المتخصص في شؤون القرن الإفريقي عبد المنعم أبو إدريس أن ما أعلنته وزارة الري السودانية بشأن انخفاض واردات النيل الأزرق يعيد إلى الواجهة المطلب الجوهري للمفاوض السوداني بضرورة تبادل المعلومات والتنسيق المسبق. ويؤكد أبو إدريس أن هذا التطور الميداني يمثل جرس إنذار حول كيفية إدارة السدود السودانية، لا سيما خزان الروصيرص الذي يبعد نحو 100 كيلومتر فقط عن سد النهضة، داعياً الخرطوم إلى استغلال هذه المعطيات لإبراز المخاطر المباشرة أمام المجتمع الدولي وإرغام أديس أبابا على العودة لجدول التفاوض. وفي إطار المتابعة الدقيقة للموقف المائي، أكدت الوزارة أن هناك لجنة عليا دائمة تعمل على مدار الساعة تحت إشراف قيادة وزارة الزراعة والري برئاسة رئيس الجهاز الفني للموارد المائية لتقييم المستجدات واتخاذ القرارات التشغيلية المناسبة وفقاً للقراءات والتحليلات الفنية. واختتمت البيان بتوجيه رسالة طمأنة للمواطنين والمزارعين، مؤكدة أن الموقف المائي يخضع لرصد ومراقبة مستمرين، وشددت على أن تشغيل الخزانات السودانية يتم وفق أسس علمية وتشغيلية دقيقة تكفل سلامة المنشآت المائية، وتضمن تأمين الاحتياجات المائية ودعم نجاح الموسم الزراعي.ختاماً، تُظهر التطورات الأخيرة أن أزمة انحسار مياه النيل بالسودان لا تكمن فقط في التراجع المؤقت للمناسيب، بل في الغموض الذي بات يكتنف إدارة النيل الأزرق. وبين التطمينات الرسمية والمخاوف الفنية، تظل الحقيقة الثابتة هي أن استقرار الأمن المائي والزراعي في السودان لن يتحقق بالحلول التشغيلية المؤقتة، بل عبر الوصول إلى اتفاق قانوني ملزم يضمن التنسيق الشفاف والتبادل اللحظي للبيانات حول إدارة سد النهضةThe post ما حقيقة انحسار مياه النيل بالسودان وعلاقته بسد النهضة الإثيوبي؟ appeared first on صحيفة مداميك.