وجدي كاملعلاقتي بالكلاب علاقة مضطربة. أذكر أن سليمان النعروتي، جارنا من ناحية اليمين بحي صغار الموظفين شرق الخرطوم، استوقفني ذات صباح على باب بيته. كان مشهوراً بتجارة الكلاب وإهدائها لمن يحب من حينٍ إلى آخر.قال لي بصوت حنونٍ ومباشر:“أعرف أنك يتيم ووحيد. الله يرحم والدك يا بني – كان صديقا كبيرا لي كما تعرف – هكذا هي الحياة؟ ثم فجاة نظر لي بحزن يخاطبني وكانه تذكر امرا كان منسيا: دعني أهدي لك شيئاً مهمّاً”.كلماته لا تزال تطرق طبل أذني:“أنا أهديك اليوم جرواً، ولكنه مشروع كلب عظيم في المستقبل”.لم أصدق ما سمعت، ولا ما رأيت بعد لحظات، وهو يدخل ثم يخرج من بيته حاملاً الجرو. كدت أطير من السعادة وأنا أشاهده، جرواً أرقط، بدا وكأنه من سلالة النمور لا الكلاب. ابتسم الجرو في وجهي، وأنا أضعه على صدري وأركض به إلى داخل البيت، أخبر أمي:“أمي، أمي! عم سليمان أهداني هدية غالية… خمني ما هي!”لم تبتهج أمي كما توقعت، بل قالت وهي مقطبة الجبين:“الكلاب جميلة، نعم، في صغرها، لكنها تشبّ على الطوق حين تكبر، وتصبح لها قلوب كالحجارة وأسنان من معدن”.لم أكترث، وقلت لها:“انظري إليه يا أمي… عيناه تبتسمان ببراءة، لا أظن أن المستقبل سينال منها”كان خريفاً، والسحب خضراء كانهاعلى وشك الانهمار ، وقد خرج بعض الجيران إلى الشارع الضيق كأنهم بإنتظار ضيف لطيف ومبهج..كنت منحنياً بسعادة لا توصف وأنا أنظر إليه، متكئاً على جدار غرفتنا الوحيدة، ينظر لي بنصف إبتسامة.صار كثيراً ما يراني الناس أعتني به، أو أهيئه لمرافقتي في مشوار ما. قسم السيد، جارنا العجوز، الذي يقضي جل أوقاته في الشارع يراقب الناس دون كلل، بات يصيح بصوته الإذاعي العالي كلما رآنا:“الصغير والجرو”كنت في السابعة، وقليلة هي الأيام المتبقية لالتحاقي إلى المدرسة. وبدلاً من أن أكون فرحاً بذلك، كنت حزينا لأنني سأفارق الجرو لساعات.صرت أعود من المدرسة مشتاقاً لرؤيته، لألعب معه… وأهملت اللعب مع أطفال الحي، فقد صار الجرو هوايتي وأحلى أوقاتي. علمته أن يفهم أوامر بسيطة:تعال… اذهب… كُل… اشرب… اقفز…يوماً بعد يوم، كبر الجرو حتى أصبح كلباً كاملاً، وكنت أنا قد صرت تلميذاً في السنة الثانية الابتدائية. اشتهر الكلب بنظافته ونشاطه المتواتر في الشوارع الجانبية للحي، وكنتُ أنا أشتهر بملاحقته أينما ذهب كانه دليلي في إكتشاف الأشياء وحل ألغازها.حليمة، مغنية الحي ذات الصوت العذب، صارت تنادينا كلما رأتنا:“الاتنين!”وعندما سألتها ذات مرة عمّا تعنيه بذلك ، رفعت رأسها وغنّت بنحو أسمع المارة في تلك الأثناء: “الاتنين الليلة وين؟”وكان الصوت يتردد في الأزقة، يعلو فوق رؤوسنا، ولكني ولأحساس غامض بداخلي لم أتقبل مضمونه.ثم جاء اليوم الذي اختفى فيه الكلب. عدت من المدرسة أناديه، لكنه لم يظهر. التفت إلى أمي، وكانت غير مهتمة بندائي. جن جنوني، خرجت أبحث عنه في كل مكان… دون جدوى. اختفى دون أن أعرف سر اختفائه. سكنني حزن مقيم، ثقيل، لا يغادر.بعد سنوات، أسرّت لي أمي بقصة موته. قالت إنه خرج منتشيا في لحظةٍ عابرة من الباب الخلفي وكانه كان يترقب وصولي، أصابه سهم طائش، ثم فسرت، لقد دهسته سيارة مسرعة، ولم يتوقف سائقها، ولم يهتم بما فعل. اضطرت أن تأخذه وتلقي به في بئر البيت، تلك التي كنا نستعملها بدلاً عن المرحاض الحديث. كان الاعتراف ثقيلاً، أثقل من الغياب نفسه. ومنذ ذلك اليوم صار الحزن له شكل، وصوت، ونهاية.بعد نصف قرن، وأنا أعيش في مدينة أوروبية، بعد ان شردتني الحرب التي اندلعت بالخرطوم، لفت انتباهي شيء واحد: علاقة سكانها المتميزة بالكلاب. لا تكاد ترى رجلاً أو امرأةً دون كلب. بدات لي الكلاب صديقة هنا ، وحبيبة، ورفيقة وفية للجميع. يتحدثون معها، يتنزهون، يشترون لها ما طاب من الطعام، ويعاملونها كأنها بشر مثلهم. يصعدون معها الحافلات، ويعبرون الحدائق والوديان والطرقات.وذات مرة، قلت لجارتي “جيني”، وأنا مندهش:“علاقتكم بالكلاب غريبة… غريبة جداً.”ابتسمت بسخرية، وقالت:“الغريب ألا يكون لك كلب”منذ ذلك الحديث، ومع مشاهدتي اليومية لتلك الألفة، عاد كلبي إلى ذاكرتي، وطفقت أحن إلى طفولتي، أنا هذا العجوز الذي تجاوز منتصف الستين.صارت الكلاب تملأ غرف وممرات أحلامي. تمضي وتأتي من كل حدب وصوب. أركض وراءها، وأجدها تطاردني في الوقت ذاته، كلاب بألوان وأحجام وأشكال وتفاصيل متنوعة، وكأنها جميعها تذكرني بما فقدت ولم أنساه مطلقا.شيء واحد صار يشغلني: هل أذهب وأشتري جرواً لأستعيد طفولتي أو أعيدها وأملأ وحدتي؟ أم أن هناك حائلاً خفياً، جداراً ما نشأ بيني وبين تلك الرغبة المشتعلة؟كلما اقتربت من تطبيق فكرتي، تراجعت خطوة… كأن شيئاً يشدّني إلى الوراء، كأن يداً خفية، يدا غير مرئية ترتفع فوق رأسي، تذكرني بما حدث، أو بما لم أستطع أن أنساه، او أتحمله من جديد.——————————————حقوق النشر لصحيفة الأهرام المصريةThe post أربع أرجل للزمن appeared first on صحيفة مداميك.