دخلت أزمة القطاع الصحي في ليبيا مرحلة جديدة، الأحد مع انتهاء مهلة حراك القطاع الصحي والنقابات للسلطات للاستجابة لمطالب العاملين، وسط تهديد بخطوات تصعيدية قد تصل لاستقالات جماعية. وكان الاتحاد قد حدد اليوم موعدا نهائيا أمام مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة وحكومة الوحدة الوطنية ووزارة الصحة والجهات التنفيذية والرقابية والقضائية، مطالبًا بقرارات واضحة وملزمة وجداول زمنية معلنة لتنفيذ المطالب، بدلًا من استمرار إحالتها بين المؤسسات واللجان. 9 مطالب على طاولة الحكومةوتتركز مطالب العاملين في القطاع الصحي على معالجة أوضاع المرتبات والعلاوات والمزايا الوظيفية، إلى جانب إقرار علاوات الخطر والعمل في المناطق النائية، ومعالجة ملف التأمين الصحي.كما يطالب الحراك بتحسين أوضاع المستشفيات والمرافق الصحية، وتوفير الأدوية والمستلزمات والأجهزة الطبية والاحتياجات التشغيلية، فضلًا عن معالجة الاختناقات الوظيفية وحماية الكوادر الطبية والإدارية والتسييرية. ويطالب العاملون كذلك بإشراك النقابات والاتحادات المهنية في القرارات المتعلقة بالقطاع وحقوق العاملين، ومعالجة أسباب خروج الكفاءات الصحية إلى القطاع الخاص أو مغادرتها البلاد.وتقول الجهات المنظمة للاحتجاجات إن التحرك لا يستهدف تحقيق مكاسب شخصية، بل يأتي في إطار المطالبة بتحسين ظروف العمل وإصلاح المنظومة الصحية ورفع مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين. الاستقالات الجماعية على الطاولةومع انتهاء المهلة اليوم، أبقى اتحاد حراك القطاع الصحي جميع الخيارات النقابية والمهنية والقانونية مفتوحة، محذرًا من اتخاذ إجراءات تصعيدية متدرجة قد تصل إلى استقالات جماعية للعاملين الراغبين في ذلك، على أن تتم وفق القوانين المنظمة لعلاقة العمل.وفي المقابل، أكد الاتحاد أن تحركات العاملين ستظل سلمية ومهنية ونقابية وغير مسيسة، مشددًا على أن العاملين في القطاع الصحي ليسوا خصمًا للدولة، وإنما يمثلون جزءا أساسيا من مؤسساتها. كما وضع الحراك خطوطا حمراء تتعلق بالخدمات الطبية الأساسية، مؤكدا أن الحالات الطارئة والمنقذة للحياة وأقسام العناية المركزة والغسيل الكلوي والأورام والنساء والولادة والأطفال ومصارف الدم ستبقى خارج نطاق أي إجراءات يمكن أن تؤثر في تقديم الرعاية الطبية. اتهام أمني داخل مستشفى طرابلس الطبيوبالتزامن مع انتهاء المهلة، ظهر تطور جديد في العاصمة طرابلس قد يزيد من حدة التوتر بين الحراك والجهات الرسمية.فقد اتهم اتحاد حراك القطاع الصحي، في بيان نشر اليوم، عناصر قال إنها تابعة لمركز شرطة الفرناج بإزالة لافتات الاعتصام من داخل مستشفى طرابلس الطبي.وطالب الاتحاد وزارة الصحة وإدارة المستشفى والجهات الأمنية بفتح تحقيق عاجل وشفاف في الواقعة، وتحديد الجهة التي أصدرت توجيه إزالة اللافتات. كما رفض ما وصفه بتحويل المؤسسات الصحية إلى مجال للتضييق على العاملين أو ممارسة ضغوط عليهم بسبب مواقفهم النقابية والمهنية السلمية. ولم يتضح، وفق المعطيات المنشورة حتى الآن، موقف رسمي من مركز شرطة الفرناج أو وزارة الصحة بشأن الاتهام، وهو ما يجعل التحقيق الذي طالب به الحراك عنصرًا مهمًا في تحديد ملابسات الواقعة. الأزمة تتجاوز المرتباتولا تقتصر أزمة القطاع الصحي على ملف الأجور. فقد تحولت المطالب خلال الأسابيع الماضية إلى حزمة أوسع تتعلق بظروف العمل ونقص الأدوية والمستلزمات والأجهزة الطبية، فضلًا عن التأمين الصحي والاستقرار الوظيفي وحماية العاملين.وكان العاملون في القطاع الصحي قد نظموا في 28 سبتمبر وقفة احتجاجية أمام مقر حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس، بمشاركة أطباء وأطباء أسنان وطواقم طبية وطبية مساعدة وإداريين، في تصعيد تزامن مع تحركات احتجاجية في قطاع التعليم. وجاء ذلك بعد توتر شهدته وقفة سابقة أمام مقر الحكومة، حيث تحدث اتحاد الحراك عن تعرض عدد من العاملين الصحيين لاعتداء من القوة المكلفة بحماية مقر رئاسة الوزراء، مطالبًا بالتحقيق في الواقعة. الحكومة تتحرك في ملف التأمين والتسوياتفي المقابل، أظهرت الحكومة بعض التحركات في الملفات التي يطالب بها العاملون.ففي 27 سبتمبر، عقدت حكومة الوحدة اجتماعا لمناقشة آلية عملية لتنفيذ برنامج التأمين الصحي لموظفي قطاعي الصحة والتعليم، بحضور وزيري الصحة والتربية والتعليم، مع بحث الفئات المستهدفة والخدمات المشمولة والإجراءات المالية والإدارية اللازمة لتطبيق البرنامج. كما أعلن وزير الصحة محمد الغوج إنجاز 27 ألفا و451 تسوية وظيفية للعاملين في القطاع الصحي موزعة على نحو 300 جهة، مع فرز ملفات نحو خمسة آلاف عامل خلال عام 2026. لكن هذه الإجراءات لم تمنع استمرار الحراك، الذي يطالب بتحويل التعهدات والإجراءات الحكومية إلى قرارات تنفيذية واضحة مرتبطة بجدول زمني محدد.ضغوط مالية تعقد الاستجابة للمطالبوتأتي الأزمة الصحية في وقت تواجه فيه المالية العامة الليبية ضغوطًا متزايدة بسبب ارتفاع فاتورة المرتبات واتساع مطالب القطاعات العامة.وبحسب بيانات نقلتها تقارير اقتصادية حديثة، بلغ الإنفاق المسجل على الأجور نحو 46.9 مليار دينار حتى نهاية أغسطس 2026، مع تحذيرات من احتمال حدوث عجز في مخصصات المرتبات بنهاية العام إذا استمرت الاعتمادات الشهرية بالارتفاع. وتعني هذه المعطيات أن الاستجابة لمطالب العاملين في الصحة لا تنفصل عن النقاش الأوسع حول إصلاح منظومة الأجور والبدلات، ومعالجة الفوارق بين القطاعات والوظائف، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القوة الشرائية.ماذا بعد 4 أكتوبر؟مع انتهاء المهلة التي حددها اتحاد حراك القطاع الصحي، تقف الحكومة أمام اختبار جديد في احتواء الاحتجاجات، بينما يلوح العاملون بخيارات تصعيدية إذا لم يروا استجابة عملية لمطالبهم.وفي الوقت نفسه، فإن أي تصعيد واسع داخل القطاع الصحي يحمل حساسية خاصة، نظرًا إلى ارتباطه المباشر بالخدمات الأساسية للمواطنين، رغم تأكيد الحراك أنه سيستثني الحالات الحرجة والأقسام الطبية المنقذة للحياة.وتنتقل أزمة القطاع الصحي في ليبيا من مرحلة المطالب والإنذارات إلى مرحلة انتظار القرارات: إما أن تقدم السلطات إجراءات ملموسة وجداول زمنية لتنفيذ المطالب، أو أن يبدأ الحراك خطوات تصعيدية جديدة قد تضع المنظومة الصحية والحكومة أمام اختبار أكثر صعوبة خلال الأيام المقبلة.المصدر : RT