مهدي داود الخليفةإن إغلاق مستشفى السرطان الوحيد في الخرطوم ليس مجرد خبر عابر في سجل الحرب الطويل، بل هو مأساة إنسانية مكتملة الأركان. فخلف كل باب أُغلق، وكل جهاز توقف عن العمل، وكل سرير خلا من مريضه، تقف حكايات أناس كانوا يتشبثون بخيط رفيع من الأمل في مواجهة مرض لا يرحم.إن إغلاق مستشفى متخصص في علاج السرطان بسبب فاتورة صرف صحي ليس مجرد مشكلة مالية؛ بل هو سؤال أخلاقي كبير يجب أن يواجهه المسؤولون أمام الشعب وأمام ضمائرهم. كيف يمكن أن تصل دولة إلى مرحلة يعجز فيها أهم مركز لعلاج مرضى السرطان عن مواصلة العمل؟ وكيف يمكن أن يصبح توفير العلاج مسألة أقل أهمية من عشرات أوجه الصرف الأخرى؟ومن حق السودانيين أن يسألوا:كم من الأموال تُنفق على المناصب والامتيازات والسيارات الحكومية الفارهة؟كم من الأموال تُصرف على الوفود والأسفار والاجتماعات والمخصصات؟كم من الموارد تُهدر في أجهزة ومؤسسات لا تقدم للمواطن المريض جرعة دواء ولا سريراً في مستشفى؟وهل كانت تكلفة تشغيل هذا المستشفى أكبر من كل تلك المصروفات؟مرضى السرطان لا يخوضون معركتهم وحدهم؛ فكل مريض يحمل معه أسرة كاملة تعيش الألم والقلق والانتظار.أم تسهر الليالي بجوار طفلها،وأب يبيع ما يملك بحثاً عن جرعة دواء،وأشقاء يتقاسمون الخوف والدعاء.وعندما تنهار المؤسسات الصحية، لا ينهار معها العلاج فحسب، بل تنهار أحلام آلاف الأسر التي كانت ترى في المستشفى نافذتها الوحيدة نحو الحياة.لقد كشفت الحرب مرة أخرى أن الضحايا الحقيقيين ليسوا المتحاربين، بل المدنيون الأبرياء الذين وجدوا أنفسهم بين نار المرض ونار الصراع. فالسرطان لا ينتظر هدنة، ولا يؤجل انتشاره حتى تنتهي المعارك، ولا يميز بين مدينة وأخرى أو بين انتماء وآخر. ولذلك فإن تدمير البنية الصحية وإهمال الخدمات العلاجية يمثل وجهاً آخر من أوجه الكارثة الإنسانية التي يعيشها السودان.ومن هنا، فإن ما حدث لمستشفى السرطان بالخرطوم يجب ألا يدفعنا إلى اليأس، بل إلى تجديد العزم والإرادة للعمل. بل لعل هذه المأساة تجعلنا أكثر إصراراً على الإسراع في إنجاز مشروع مستشفى الأطفال للأورام الذي ناضلت من أجله الطبيبة المتخصصة في أورام الأطفال الدكتورة نضال عبدالفتاح محجوب، الطبيبة الانسانة والتي بذلت جهوداً كبيرة ومخلصة قبل اندلاع الحرب من أجل تأسيس صرح طبي متخصص يمنح أطفال السودان حقهم في العلاج والرعاية والحياة.لقد أدركت الدكتورة نضال عبدالفتاح مبكراً حجم المعاناة التي يواجهها الأطفال المصابون بالسرطان وأسرهم، وسعت بإصرار إلى تحويل الحلم إلى واقع، إيماناً منها بأن أطفال السودان يستحقون مؤسسة طبية متخصصة تواكب المعايير الحديثة في التشخيص والعلاج والرعاية النفسية والاجتماعية. واليوم، وبعد ما أصاب القطاع الصحي من دمار، أصبح هذا المشروع أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.إن بناء مستشفى متخصص لأورام الأطفال لم يعد مجرد مشروع طبي، بل أصبح مشروعاً وطنياً وإنسانياً وأخلاقياً. فهو رسالة تقول إن السودان، رغم الحرب والدمار، ما زال قادراً على حماية أطفاله والدفاع عن حقهم في الحياة. وهو استثمار في المستقبل، لأن الأمم تُقاس بمدى رعايتها لأضعف مواطنيها وأكثرهم احتياجاً.وعندما نطالب بوقف الحرب، فإننا لا نفعل ذلك فقط من أجل إنهاء القتال، بل لأننا ندرك حجم المآسي الصامتة التي تخلقها كل يوم؛ أطفال يفقدون العلاج، ومرضى يفقدون الأمل، وأسر تفقد أحباءها بسبب انهيار الخدمات الأساسية. إن السلام ليس مطلباً سياسياً مجرداً، بل ضرورة إنسانية لإنقاذ الأرواح واستعادة الحق في العلاج والتعليم والحياة الكريمة.ويبقى الأمل قائماً بأن تتحول هذه المأساة إلى دافع للعمل الجماعي، وأن تتكاتف جهود الأطباء والخيرين والمؤسسات الوطنية والدولية لإعادة بناء ما دمرته الحرب، وفي مقدمة ذلك إنجاز مشروع مستشفى الأطفال للسرطان، وفاءً لكل طفل ينتظر فرصة للحياة، وتقديراً لكل من حمل هذا الحلم وسعى لتحقيقه، وفي مقدمتهم الدكتورة نضال عبدالفتاح.فالأوطان لا تُبنى بالسلاح وحده، وإنما تُبنى أيضاً بالمستشفيات التي تعالج المرضى، وبالأيادي التي تمنح الأمل، وبالإرادة التي ترفض أن تستسلم للمأساة مهما اشتدت المحن.رحم الله من فقدوا حياتهم بسبب انهيار النظام الصحي، وحمى الله من ما زالوا يقاومون المرض والألم، ولعل صرخات هؤلاء المرضى تكون جرس إنذار يوقظ الضمائر قبل أن يسجل التاريخ صفحة جديدة من صفحات الفشل الإنساني في هذه الحرب العبثية.The post حين تُغلق أبواب الأمل: مستشفى السرطان في الخرطوم وواجبنا الأخلاقي تجاه أطفال السودان appeared first on صحيفة مداميك.