مجدي إسحقتمتلئ الأسافير في حوارات حول موقف الحزب الشيوعي من التحالفات والعمل المشترك. لاشك إن الحوار ظاهرة إيجابية في جوهرها لكن يجب الوقوف بصورة موضوعية لقراءة فلسفة، مفهوم وأساليب التحاور حتى نحدد إن كان يقود خطى التغيير نحو الأمام أم أنها ممارسة في ظاهرها الوعي ولكنها لا تسهم في ذلك بقدر ما هو مبذول من جهد و زمن.سنبدأ من البدايات وهادينا علم النفس التحرري ونتطرق لقضية التحاور في ذاتها وأهمية التأسيس لهذه الممارسة بصورة موضوعية حتى لا تقود لنتائج سالبة وحتى لا يصبح الحوار دائرة تستهلك القوى وتقود فقط للتمترس في المواقف. حيث أن أي تحاور لا يساهم في تحريك الوعي ويقود لخطوات في دروب التغيير سيكون استنزافا وخصما على قوى التغيير وجهدها المبذول.إن الهدف من الحوار بين قوى التغيير هو البحث عن نقاط الالتقاء والتحرك نحو الهدف و ذلك من خلال فتح أبواب التواصل الفكري الذي يحترم التباين ويستوعب نقاط الالتقاء والاختلاف.إن الحوار بين قوى التغيير عادةً لا يقود إلى الوقوع في دوامة الوعي الزائف، ولكنه قد يقع في ظاهرة (شلل التحليل) أو دوامة التحليل المفرط، حيث نجد أن الطرفين يسعيان إلى كشف التناقضات وامتلاك الوعي الموضوعي. ويحلم كل طرف بأن يقود الآخر إلى نقطة الهداية والانتباه إلى الأخطاء، ثم الاعتراف بضعف التجربة والعودة إلى جادة الطريق.نجد أن هذا التوقع يقع بعيدا من دائرة الوعي الموضوعي. حيث البدايات الخاطئة للحوار قد تصبح ممارسة صحيحة متعثرة ليس لانها سباحة عكس التيار بل سباحة في دائرة لا تحقق تقدما ولا تحركا نحو الهدف ليس جهلا بالسباحة وأبجديات الحوار بل نتاجا لصعوبة تحديد الهدف. ان انتظار أن يصل هدف الحوار إلى نقطة الوعي الموضوعي الكامل الذي يكشف بضوئه نور الحقيقة ويعري كل نقاط الاختلاف والتناقضات هو هدف نبيل قد لا يسهل تحقيقه بالحوار وحده. حيث نجد الحلم بأن يقود الحوار الطرف الآخر بأن يقبل بالدفوعات والأطروحات المقدمة ويرى التناقض ويرى الحقيقة التي كانت خافية عليه. إن تحقيق هذا الهدف (الحلم) والوصول بالآخر إلى مرحلة الوعي الموضوعي الكامل الذي يكشف الأخطاء فيقوم بالاعتراف ويعيد النظر في مواقفه هو توقع يحكمه التفاؤل وليس الأمل الموضوعي مما يجعله أقرب إلى الخيال .إن الوصول إلى الوعي الموضوعي وامتلاك المعرفة المتكاملة عن واقع التجربة يجب أن يبدأ بتفكيك مفهوم الوعي في أساسه، والتأكد من أن الوصول إليه لا يمكن أن يحدث فقط من خلال الحوار الفكري وعكس التناقضات الفلسفية.أن علم النفس التحرري يعتبر أن دائرة الوعي تبدأ من الحقل العاطفي والادراك الانطباعي الابتدائي الذي يعتمد على المشاعر، وهو الحقل الذي يقود غالباً إلى الوعي الزائف.قد ينتقل العقل العاطفي من الحقل الابتدائي إلى الحقل المنطقي النقدي، ومنه إلى حقل الوعي الموضوعي، ثم يصل إلى مراحل الوعي الفعال الذي يستوعب الوعي الموضوعي ويراجعه ويطوره بالممارسة والتطبيق، وهو المستوى المنشود.إن مرحلة الوعي النقدي هو الذي يسعى إلى كشف التناقضات والأخطاء، ويكتشف العلاقات التي تربط أجزاء المواقف والأفكار، لكن رغم أهميته قد يقع في تضخيم نقاط الاختلاف والتركيز على ما هو خاطئ أكثر من اهتمامه بفهم الواقع، مما يجعله في كثير من الأحيان يفشل في تقدير موازين القوة، فينحصر في نخبوية فكرية ومثالية سياسية.لذا تأتي أهمية الوعي الموضوعي الذي يربط الأفكار بالواقع داخل سياقها التاريخي والاجتماعي، حيث يمكن من خلاله فهم الاختلاف في المواقف. خير مثال لتوضيح ذلك نجد مثلا في واقع الحربإن الذي يجد أن منزله قد تم تدميره واستلابه ،فإن أول مستويات الوعي هو الوعي الانطباعي أو العقل العاطفي، حيث يسيطر الغضب والألم والحزن على الإنسان، فيصل إلى نتيجة مفادها أن قوات الدعم السريع هي التي نهبت منزله وسرقت كل مقتنياته.بعد ذلك، ومع هدوء سيطرة المشاعر، يبدأ في اكتشاف أن منزله قد تم نهبه بعد مغادرة قوات الدعم السريع للمنطقة. هنا يظهر عامل جديد يفكك المقولة الأولى، فيدخل العقل المنطقي الذي يضيف عامل الزمن إلى عامل الإمكانية، فيصل إلى نتيجة مفادها أن من نهب المنزل ليس قوات الدعم السريع، بل مجموعات من المواطنين الذين يسكنون أطراف المدن. غير أن العقل النقدي الذي يصل إلى هذه النتيجة ليس بالضرورة أن يقود إلى نتائج موضوعية، إذ رغم اكتشافه حقيقة كيفية الاستيلاء على المنزل، فقد يقوده ذلك إلى نتيجة غير موضوعية مثلا(أن القبائل التي تسكن أطراف المدن قبائل لا أخلاقية أو أنها مجبولة على السرقة والنهب.)تأتي بعد ذلك ضرورة مرحلة فهم الواقع في سياقه، وهنا تبرز أهمية الوعي الموضوعي الذي يجعله يتجاوز هذه النتيجة المغلوطة، فيفهم أن الشرائح الاجتماعية التي تسكن خارج العاصمة قد وقعت عليها درجات كبيرة من الحرمان وانقطاع الموارد، مما اضطر بعضها إلى نهب المنازل(ليس المقصود هنا تبرير عمليات النهب والاستيلاب)، وإنما فهم هذه العملية في سياقها التاريخي والاجتماعي، بحيث تكون النتيجة أن النهب والاستيلاب لم يكونا نتيجة لتركيبة عرقية، بل نتيجة لظروف الحرب والواقع الاجتماعي الذي أفرزته هنا يصل الأنسان مرحلة الوعي الموضوعي الذي يفهم الاحداث في منطقها وداخل سياقها.إن هذا التغيير في الوعي حتى ولو تم على مستوى الافراد بصورة سريعة متدرجة ولكنه لا يحدث هكذا على مستوى الشرائح الاجتماعية.حيث لن تجد خطابا معرفيا او حوارا سيقود لتغيير المواقف والرؤى السياسية والاجتماعية.إن وصول شريحة إجتماعية لمرحلة الوعي الموضوعي الكامل تمتلك كل أطراف الحقيقة هي فعل تراكمي تدريجي لا يتم فقط بكشف التناقضات ليسطع نور الوعي والمعرفة. هي عملية تراكمية تبدأ بالعمل على مقدار ما تكشف من عوامل وما ظهر من تناقض ليصبح الفعل والممارسة هي مدرسة الترقي في الوعي والتطور بالتجربة لاكتساب الوعي الموضوعي الكامل.حيث يجب ان يكون هدف الحوار هو الوصول إلى مرحلة الوعي الموضوعي الكافي حيث لا تكتمل كل أركان وعوامل القضية المطروحة والتي لا تكتمل إلا بالانتقال إلى محاولة العمل بما تكشف من وعي محدود لفترة زمنية وتاريخية و ذلك بتحريك الوعي وبالانتقال به إلى ما يعرف بالوعي الفعال وهو العمل بما تم اكتسابه من الوعي الموضوعي الكافي بالممارسة والتجربة حتى يتم فيها تطوير مستوى الوعي الموضوعي و مراجعة كل قضايا الخلاف على مستوى الواقع مما يقود بالممارسة لمراجعة الفكرة وتطوير الوعي الموضوعي حتى يصل به إلى الوعي الموضوعي المكتمل الذي تم مراجعته بالممارسة والتجربة.إن الوعي الفعّال هو الوعي الموضوعي الذي تتم ممارسته واختباره ومحاولة إثباته أو تعديله بل إن محاولة الوصول إلى الوعي الموضوعي في بعض الأحيان لا يمكن أن تتحقق دون الوصول إلى الوعي الفعّال وممارسة التجربة، لأن الوعي الموضوعي المجرد والكامل قد لا يكون قابلاً للتحقق أو الوصول إليه في مرحلة واحدة فكرية ومعرفية دون الممارسة التي تساهم في الانتقال به لصورته المكتملة..إذاً يمكن القول إن الوعي النقدي هو المرحلة الأولى التي تكشف التناقضات، بينما يعمل الوعي الموضوعي على مستويين؛ مستوى أول يتمثل في الوعي الموضوعي الكافي الذي يسعى إلى تفسير هذه التناقضات وفهمها بالقدر الذي يسمح بالانتقال إلى الوعي الفعّال، ومستوى ثانٍ يتمثل في الوعي الموضوعي المكتمل الذي لا يكتمل إلا بتحويل هذا الفهم إلى فعل تغييري، بحيث تصبح الممارسة وسيلة لاكتشاف نقاط الضعف وكشف إمكانيات التطوير، وصولاً إلى بناء وعي موضوعي أكثر اكتمالاً.إذن فإن العلاقة تصبح علاقة بين وعي نقدي ووعي موضوعي غير مكتمل ووعي فعّال تتم فيه الممارسة، حتى يكتمل الوعي الموضوعي المطلوب.وهنا قد نقع في مشكلة فلسفية عميقة إذا انتظرنا اكتمال الوعي الموضوعي بصورة كاملة، إذ ليس بالضرورة أن يكون ذلك متاحاً في القضايا الاجتماعية والسياسية المعقدة.لذلك فإن انتظار اكتمال الوعي الموضوعي من خلال اكتشاف التناقضات الفلسفية باستعمال الوعي النقدي قد يقود إلى ما يعرف بـ(شلل التحليل)، حيث يكون هناك استغراق في التحليل، وعجز عن التفاعل مع الواقع، وتمسك بالموقف، وتأجيل للعمل، وخوف من الوقوع في الخطأ. عندها يصبح التحليل في حد ذاته قيداً يمنع التحرك إلى الأمام.هنا يؤكد علم النفس التحرري أن من أخطاء قوى التغيير الاعتقاد بأن الفعل الثوري يجب أن ينتظر اكتمال الوعي الموضوعي، والاعتقاد بأن جميع المتغيرات يمكن معرفتها، والنظر إلى الواقع باعتباره مسألة نظرية يمكن فيها اكتشاف الحقائق كاملة قبل الممارسة. وينشأ هذا الخلط من تصور أن الوعي الموضوعي الكافي يجب الانتظار عليه حتى يصبح وعياً موضوعياً متكاملاً حتى يتم التحرك والعمل. في الفعل. أن العلاقة بين مستويات الوعي أكثر ديناميكية من ذلك، فالوعي النقدي يكشف التناقضات ويحلل المشكلات، والوعي الموضوعي يقدم فهماً أولياً للسياق ويحدد الإمكانيات والقيود، بينما الوعي الفعّال هو الذي يختبر الفرضيات في الواقع، وهو الذي يكشف الجوانب التي لم تكن منظورة في الوعي الموضوعي الأولي، وهو الذي يقود إلى اكتمال الوعي الموضوعي من خلال التجربة والممارسة وإنتاج معرفة جديدة.اذن فالوعي الموضوعي لا يُكتشف بالنقد والملاحظة والتحليل فقط، بل يُكتشف أيضاً بالممارسة والمراجعة والتعلم من النتائج. ولهذا فإن حركات التغيير قد تفشل بسبب ضعف الوعي الموضوعي، لكنها قد تفشل أيضاً بسبب انتظارها المستمر لاكتمال هذا الوعي قبل البدء بالفعل..هنا يتجسد الخطأ الجوهري حين تقوم قوى التغيير بتحويل الوعي الموضوعي من أداة تساعد على الإرشاد نحو طريق التغيير إلى شرط مسبق ومطلق للفعل. فعندما يحدث ذلك يتوقف التعلم من الواقع، ويتحول النقد إلى مراقبة، ويتحول الفهم إلى تبرير للجمود ..إن الوعي الموضوعي كما يراها علم النفس التحرري فهي علاقة دائرية؛ وعي نقدي يكشف التناقضات ويوجه الفهم، ووعي موضوعي يوجه الفعل دون أن يكون بالضرورة مكتملاً، ووعي فعّال يختبر هذا الفهم ويطوره بالممارسة، ويساهم في تطوير الوعي الموضوعي ويقود إلى اكتماله، ثم تعود نتائج هذه الممارسة لتغذي الوعي الموضوعي والوعي النقدي وعندها تصبح الممارسة ليست فقط ثمرة للوعي، بل أيضاً أحد أهم مصادر إنتاجه وتطويرهمن هنا تأتي أهمية الانتقال من يتم الحوار على مستوى من الوعي الموضوعي إلى الوعي الفعّال، لأنه يمنح الوعي الموضوعي فرصة الاكتمال عبر الممارسة والتجريب، ويحول المعرفة إلى ممارسة، والفهم إلى تنظيم، والإمكانات إلى برامج عمل، ويربط بين تطور الوعي والتغيير الاجتماعي.هنا يقدم الوعي الفعال الزمن والممارسة والتطبيق الذي يساهم بالانتقال بهذا الوعي الموضوعي المحدود بواسطة التجربة والممارسة لمساحات تطور من الوعي الموضوعي تساعده في النضوج واكتشاف كل العوامل من خلال التجربة والمراجعة.أن الوصول إلى الوعي الموضوعي الكامل في واقع الحوار الفكري فقط تقابله عقبات ذاتية وبقايا من وعي زائف تمنع الشرائح الاجتماعية للوصول إليه . حيث إن الحوار لا يبدأ من منطقة حياد عاطفي ومعرفي بل يبدأ وكله فرد له مخزونه العاطفي والنفسي الذي تجعله يدعم رأيا مسبقا. هذا الرأي المسبق يؤثر على الحياد الموضوعي لأنه يحاصر المتلقي بالمقاربات السالبة التي تجعل الفرد أكثر قابلية للانحياز للقضايا التي لديه فيها رأي مسبق و مشاعر محدده وساهمت في تشكيل هوية الفرد وتعريفه لذاته. لذا يقع في وهم الانحياز المعرفي الذي يجعله لا شعوريا يرفض فيه النتائج قبل أن ينظر إلى التفاصيل بل يكون هاجسه البحث في داخل المقال عن نقاط تثبت رأيه المسبق يدافع بها عن موقفه و عن أدلة تدعم فكرته الثابتة وشعور بالراحة لاكتشاف ما يثبت مصداقيته. عقلية ، دون أن تشعر تبحث عن نقاط يكتسبها من هزيمة الآخر وكشف ضعفه تشعره بالتوازن، مما تحول دون الوصول إلى نتيجة، محايدة وموضوعية.نجد أيضا بعض الظواهر الذاتية من القيود النفسية والمعرفية التي قد تساهم في محاصرة الوعي الموضوعي ومنعه من الاكتمال .حيث نجد ظاهرة التمترس والالتزام والدفاع عن الموقف الأولي وهي سمة نفسية يكتسبها الانسان وتصبح من جهاز تفكيره. إن سمة التمترس تجعل الانسان لا شعوريا يرفض تغيير موقفه الاولي لما يعني ذلك من جهد نفسي ومعرفي ومستوى من النضج النفسي الذي يحتمل مشاعر الإحباط عند الاعتراف بالخطأ.أيضا يجب الا نغفل عن حقيقة أن القضايا الفكرية والمواقف ليس عمليات إختلاف فلسفي مجرد بل لها ارتباطاتها بمواقف ومفاهيم ومشاعر. يصبح التراجع عن هذه الأفكار سيأتي مصحوبا بحزمة من الخسائر الاجتماعية والنفسية والمعرفية بل فوق ذلك هنالك أثارها المادية المباشرة على حركة التغيير.ّ هذا الثمن الباهظ للقبول بالخطأ عادة يكون عائقا وعقبة يسعى الانسان والشرائح الاجتماعية البحث عن طرق حتى لا تقع في تكلفة الاعتراف بالخطأ.فوق ذلك يجب ألا ننسى دور العقل الجمعي حين تصبح بعض القضايا جزء من هوية المجموعة يصبح مراجعتها وإعادة تغيير أي نقطة ولو بسيطة تصبح في حد ذاته يصبح جرح نفسي لا يستطيع الجميع مواجهته. حيث نجد مثلا الذي أصبحت جزء من هويته النضال المسلح سيصبح من الصعوبة تغيير ذلك في حوار مهما عكس الحوار من مستوى التناقض المعرفي لأن الوعي بالقضية أصبحت انتماء وجزء من هوية ليس من السهل خلعها وتجاوزها في لحظة واحدة في التاريخ.يجب الانتباه انه ليس كل قضايا الوعي الموضوعي الذي تمنعه من الاكتمال هو فقط نتيجة حواجز نفسية ومعرفية بل قد يكون هنالك كثير من العوامل الموضوعية والعوامل التي قد لا تظهر أبعادها أو تحتاج إلى تفكيك أكبر و زمن لاكتشافها.إذن يمكننا ان نتوقع ذات يوم ان يقود الوعي الطرفين لتغيير قناعاتهم وحتما سيساهم الحوار في ذلك لكنه حتما لن ييحدث ذلك فجأة بأن يأتي يوما فجأة ليعلن الحزب الشيوعي في بيان أنه قد اكتشف خطأ عدم التحالف والجلوس مع الآخرين وبنفس المقدار لن نتوقع أن يقف الآخرين فجأة ذات ليعلنوا عن توبتهم من مواقفهم السابقة والعودة لخط التغيير الجذري.إذا يصبح البحث عن يقود الحوار إلى الوعي الموضوعي الكامل في خطوة واحدة هي رحلة البحث عن السراب .حيث كلٌّ منهما يبحث عن نقطة يستطيع من خلالها كشف التناقضات لدى الطرف الآخر، وينتظر تلك اللحظة التي يرى فيها الآخر الحقيقة الكاملة و فيها معترفاً بخطئه، ولكن هيهات أن يحدث ذلك بهذا التدرج والتصور.إذن رغم أهمية الحوار لكنه لن يقودنا وحده لهذه النهايات.إذن يجب علينا ليس إيقاف الحوار بل فقط أن تتغير أهداف الحوار وذلك بحثا عن نقاط الالتقاء وليس تعرية خطل نقاط الاختلاف. أحيث يصبح الهدف الوصول لمرحلة الوعي الموضوعي الكافي الذي يفتح الباب للوصول لمرحلة الفعل والوعي الفعال. هذا الوعي الكافي المكتسب رغم محدوديته(لا ينتظر التطابق والرؤية الكاملة لعوامل الاختلاف) لكن متفقا في بعض العوامل ومنفتح للتطوير من خلال الممارسة والتجربة مما يوسع من مقدرات استيعاب نقاط التباين ويتحرك به بالممارسة إلى مواقع الوعي الموضوعي المتكامل .لذلك فإن أي حوار لا ينبغي أن يكون هدفه الوصول إلى كشف جميع التناقضات والوصول إلى وعي موضوعي متكامل قبل الفعل، بل إن الوصول إلى حد أدنى من الوعي الموضوعي يسمح بالفعل هو المطلوب، لأنه يتيح للممارسة أن تطور الوعي وتختبر الفرضيات الأولية.مثلا في سياق الحوار الدائر بين قوى التغيير نجد أن الوعي النقدي يسأل عن نقاط التناقض، بينما يسأل الوعي الفعّال يبحث عن نقاط الالتقاء الممكنة التي يمكن أن تتحول إلى أرضية مشتركة للفعل.ولهذا نجد أن كثيراً من الحوارات السياسية تبقى أسيرة سؤال العقل المنطقي النقدي و من كان على صواب؟ ومن كان على خطأ؟بينما المطلوب هو الانتقال إلى سؤال الوعي الفعال المختلف في ما هو الحد الأدنى من العمل المشترك الذي يمكن أن يخدم أهداف التغيير؟حيث يتم انتقال الحوار من مسارب الوعي الموضوعي الذي يسأل عن الأسباب في كيفية يعمل الواقع؟الى الوعي الفعّال الذي يسأل كيف يمكن التدخل في هذا الواقع لتغييره؟إن بقاء الحوار محصوراً في المسار النقدي وحده قد يقود إلى أحد مسارين؛ إما نخبوية نقدية بارعة في كشف الأخطاء ولكنها عاجزة عن الفعل، أو تمترس ودفاع عاطفي غير قادر على الحركة ولكنها تعيد إنتاج الأخطاء نفسها.وفي واقع هذا الحوار يمكن القول إن الوعي النقدي يمنع الخداع ويكشف الأخطاء، والوعي الموضوعي يمنع التبسيط ويفسر عوامل التغيير وسياقاتها، بينما يمنع الوعي الفعّال العجز والتوقف والاستلاب في استلاب شلل التحليل وانتظار الحقيقة الكاملة..إن الحوار الدائر حول ما إذا كان الحزب الشيوعي مخطئاً أم محقاً، أو ما إذا كانت الحرية والتغيير مخطئة أم محقة، ينبغي أن يتحرك على مستويين. المستوى الأول تحليلي يتعلق بالتناقضات المعرفية وتحليلها، وهو مجال الوعي النقدي. أما المستوى الثاني فيتعلق بالنتائج التي قادت إلى هذا الاختلاف وعدم التحالف، وهو مجال الوعي الموضوعي والفعّال.إن علم النفس التحرري لا يفصل بين هذين المستويين حيث يجب ان يكون التفكير النقدي هدفا في ذاته وليس سقفا يبحث في التناقضات بل بابا للوصول لنقاط الإلتقاء.حيث الحوار يجب ان يكون هدفه الوعي الكافي الذي قد يبدأ من البحث عن نقاط الاختلاف ليس باعتبارها هدفا في ذاته بل هو مدخلا لتجاوز هذا الاختلاف من خلال العثور على نقاط الالتقاء.إن سؤال الخطأ والصواب كثيراً ما تحكمه نزعات العقل العاطفي والوعي الزائف فيضع سقف الحوار في البحث بين خيارات تنحصر بين التحالف الكامل أو القطيعة الكاملة بينما التفكير الموضوعي فيسأل ما هي المجالات التي يمكن الالتقاء عليها؟وما هي المجالات التي سيستمر فيها الخلاف؟وكيف يمكن منع هذا الخلاف من التحول إلى علاقة تناحرية مع المحافظة على حق الاختلاف والتباين؟فالوعي المنطقي والموضوعي والفعّال يتحرك من سؤال من المصيب ومن المخطئ؟إلى سؤال كيف نفهم أسباب الاختلاف؟لكن الوعي الفعال يتحرك في كيف نبني مساحة مشتركة رغم استمرار هذا الاختلاف؟وهنا تصبح أسباب الرفض أكثر أهمية من إدانة الرفض نفسه. إذ إن هذه الأسباب قد تتراوح بين ضعف الثقة، واختلاف التقديرات السياسية، والخوف من إعادة إنتاج التسويات القديمة، والخوف من الذوبان التنظيمي داخل التحالفات، والاختلاف حول الرؤية ووسائل التغيير.وعندما يتم النظر إلى هذه الأسباب بوصفها موضوعاً للفهم والمعالجة، يصبح بالإمكان مراجعتها واحدة تلو الأخرى، والبحث عن نقاط التقاء تساعد على تحاشي المخاوف التي تجعل أحد الأطراف يرفض التعاون أو التحالف.عندها يتحول الحوار من البحث عن المسؤول عن الخطأ إلى البحث عن كيفية تجاوز السلبيات. ويتحول من سؤال هل كانت هذه السلبيات موجودة؟ ومن يتحمل مسؤوليتها؟ إلى سؤال أكثر فاعلية ماهو المطلوب و كيف يمكن منع تكرارها مستقبلاً؟هذا يقود إلى جوهر القضية، وهو هدف الوعي الفعال الذي يبحث عن الحد الأدنى من العمل المشترك الذي يمكن أن يتم دون الوقوع في القضايا محل الخلاف.الوعي الفعّال لا يبحث عن الانتصار على الآخر، ولا عن تثبيت من هو المخطئ ومن هو المصيب، بل يبحث عن إدارة التناقضات داخل قوى التغيير ومنع تحولها إلى انقسامات معطلة. وهو يسعى إلى محاصرة التخوين والإقصاء واحتكار الحقيقة ونفي شرعية الآخر.ومن هنا فإن الموقف الأقرب إلى الوعي الفعّال لا يتمثل في الدفاع المطلق عن التحالف أو التبشير المطلق بالرفض وعدم التحالف، وإنما في تفكيك أسباب الرفض، والبحث عن معالجتها، والتأكيد على المصالح المشتركة، وإدارة الخلافات المتبقية بصورة تمنع تحولها إلى صراعات هوية أو صراعات أخلاقية، وتحافظ في الوقت نفسه على إمكانية العملإن أزمة حوار قوى التغيير لا تنشأ غالباً من غياب النقد، بل من بقائها أسيرة مرحلة النقد، وانتظارها الوصول إلى مرحلة من الوعي الموضوعي المكتمل، أو ظهور ما يشبه نور الحقيقة الذي يجعل الجميع يتجهون إلى خط واحد ودرب واحد للتغيير. غير أن الواقع أكثر تعقيداً من ذلك، فالوعي الموضوعي لا يبدأ كاملاً، بل يبدأ بانكشاف جزئي للواقع، فتظهر درجة من الوعي الموضوعي الكافي الذي يسمح بالانتقال إلى الممارسة والتجريب، ومن خلال الوعي الفعّال تتطور المعرفة وتُختبر الفرضيات وتُكتشف جوانب جديدة من الواقع، فيتوسع الوعي الموضوعي ويزداد اكتمالاً.إن علم النفس التحرري لا يمارس أستاذية ليحدد للآخرين نوع الحوار وطريقته ولكنه يقدم البعد النفسي لمفهوم الوعي وأهمية تدرجه بين الحوار والفعل محاولا أن يضيء الأسباب التي تجعل الحوار يستمر عمقا وكثافة دون أن يصنع واقعا جديدا من التقارب أو أرضية للتفاهم بل تكريسا وتعميقا للاختلاف.يسعى لتعرية خط الحوار النقدي الدائري الذي يبحث عن التناقضات يستنزف قوى التغيير.الى حوار الوعي الفعال الذي يسأل ماهي نقاط الالتقاء؟يحلم بحوار يزرع الوعي الذي يقلل التباعد ،يهدم التمترس ويقودنا سويا في دروب التغيير لنبني الوطن الذي يحتاج تضافرنا وتوحدنا حتى نزرع قيم التعاون، السلام والمحبة.The post علم النفس السياسي والتحاور حول موقف الحزب الشيوعي appeared first on صحيفة مداميك.