الاقتصاد يحسم الحرب: لماذا لم يعد استمرار القتال ممكناً في السودان؟

Wait 5 sec.

بقلم: مبارك المهدي *كثيراً ما تُقاس الحروب بعدد الجنود والسلاح والذخائر، لكن التاريخ يعلمنا أن العامل الحاسم في الحروب الطويلة ليس القوة العسكرية وحدها، وإنما قدرة الدولة والمجتمع والاقتصاد على تحمل كلفتها. فالحرب ليست معركة بين جيوش فقط، بل هي أيضاً معركة إنتاج وتمويل وعملة وطنية وخدمات عامة وعلاقات خارجية. وعندما تتآكل هذه المقومات تصبح مواصلة الحرب أكثر صعوبة من إنهائها.عندما اندلعت الحرب كان الدولار يساوي نحو 500 جنيه سوداني، أما اليوم فقد اقترب من خمسة آلاف جنيه، أي أن العملة الوطنية فقدت نحو 90% من قيمتها، بينما ارتفع سعر الدولار بأكثر من 840%. وهذا ليس مجرد رقم في سوق الصرف، بل تعبير عن أزمة عميقة أصابت الاقتصاد والدولة والمجتمع معاً.قبل الحرب بلغ حجم الواردات نحو 11.5 مليار دولار سنوياً، بينما لم تتجاوز الصادرات أربعة مليارات دولار ظلت تحويلات المهجريين لاهاليهم تغطي العجز البالغ 7.5 مليارات دولار. وكانت الجمارك والرسوم المرتبطة بالتجارة الخارجية تمثل أحد أهم مصادر الإيرادات الحكومية. لكن الحرب عطلت التجارة والإنتاج والاستثمار، فتراجعت الإيرادات العامة بصورة حادة بينما ارتفعت النفقات العسكرية إلى مستويات غير مسبوقة.بقي الذهب المورد الرئيسي للعملات الأجنبية، إلا أن تمويل الحرب وشراء الذهب عبر التوسع في طباعة العملة أدى إلى تضخم متسارع وانهيار مستمر في سعر الصرف. كما حرم تهريب الذهب الاقتصاد من موارد مهمة كان يمكن أن تدعم ميزان المدفوعات والنشاط الإنتاجي.إن أخطر ما في الأزمة الحالية ليس انهيار سعر الصرف وحده، وإنما تآكل الدخول الحقيقية للمواطنين. فالمعلمون والأطباء والجنود والشرطة وموظفو الدولة يتقاضون رواتبهم بالجنيه السوداني، بينما ترتفع الأسعار بصورة متواصلة. وقد فقدت المرتبات نحو 90% من قيمتها الحقيقية، الأمر الذي جعلها عاجزة عن تلبية الاحتياجات الأساسية للأسر. وليس من قبيل المصادفة أن تشهد البلاد إضرابات واسعة وسط المعلمين وغيرهم من العاملين في القطاع العام.كما أدت الحرب إلى إضعاف مؤسسات الدولة وانشغالها بالعمليات العسكرية على حساب الخدمات العامة والرقابة والمحاسبة، فانتشر الفساد بصورة غير مسبوقة. ولا تزال الكهرباء والمياه والخدمات الصحية تعاني من تدهور شديد، بينما تعيش مناطق واسعة من البلاد في ظلام دامس وتتفشى الأوبئة والأمراض نتيجة تراجع الخدمات الأساسية.وفي الوقت الذي تحتاج فيه البلاد إلى زيادة الإنتاج الزراعي لمواجهة أوضاع النزوح والمجاعة، يواجه المزارعون أزمة حقيقية مع بداية الموسم الصيفي بسبب نقص التمويل وارتفاع أسعار الوقود والأسمدة ومدخلات الإنتاج الأخرى، الأمر الذي يهدد الأمن الغذائي للبلاد.ولا يقتصر أثر انهيار الجنيه السوداني على الأسواق والأسعار فقط، بل يمتد إلى المؤسسات الحاملة للسلاح نفسها. فعندما تفقد الرواتب معظم قيمتها الحقيقية، وتصبح غير قادرة على إعالة الأسر، تتعرض المؤسسات النظامية لضغوط معيشية متزايدة تؤثر على كفاءتها وانضباطها وقدرتها على أداء مهامها. وقد أثبتت تجارب دول عديدة أن الانهيار الاقتصادي الطويل يؤدي تدريجياً إلى إضعاف تماسك المؤسسات النظامية، ومع انتشار السلاح وتراجع قدرة الدولة المالية والإدارية تزداد مخاطر الانفلات الأمني وتعدد مراكز القوة. وإذا استمر هذا المسار فإن البلاد قد تواجه مرحلة يصبح فيها الحفاظ على النظام العام أكثر صعوبة، وتتزايد فيها احتمالات الفوضى وانفراط عقد الدولة.بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب أصبح واضحاً أن تكلفة استمرار القتال تفوق بكثير أي مكاسب متوقعة منه. فكل يوم إضافي من الحرب يعني مزيداً من التدهور الاقتصادي، ومزيداً من تآكل قيمة العملة، ومزيداً من الفقر والنزوح وتراجع الخدمات والإنتاج.لقد أثبتت السنوات الثلاث الماضية أنه لا يوجد حل عسكري لهذه الحرب، كما أثبتت الحقائق الاقتصادية أنه لا توجد قدرة مالية تسمح باستمرارها إلى ما لا نهاية. إن استمرار الحرب لم يعد يهدد الاقتصاد وحده، بل يهدد الدولة والمجتمع ومؤسسات الأمن والاستقرار نفسها.إن الاقتصاد السوداني يبعث اليوم برسالة واضحة إلى جميع الأطراف: لا يوجد منتصر في حرب تدمر الدولة وتستنزف المجتمع، والطريق الوحيد لإنقاذ السودان هو وقف الحرب والانتقال إلى سلام عادل يؤسس لجيش مهني قومي واحد وحكم مدني ديمقراطي مستقر، يعيد بناء مؤسسات الدولة، ويحقق التنمية والعدالة، ويصون وحدة السودان وسيادته، ويفتح الباب أمام نهضة وطنية جديدة تنقل السودان من دائرة الحرب والانهيار إلى آفاق السلام والاستقرار.* كاتب وسياسي سودانيThe post الاقتصاد يحسم الحرب: لماذا لم يعد استمرار القتال ممكناً في السودان؟ appeared first on صحيفة مداميك.