يوسف الغوث..كلما تعمقت الجروح في جسد أمة، كلما عادت إلى ذاكرتها البعيدة تبحث عن حلول كانت مضمرة في تفاصيل الحياة اليومية، وكأن الماضي يمد يده للمستقبل المتعثر ليساعده على النهوض،في السودان اليوم، حيث تلتقي نيران الحرب بانقطاع الكهرباء وغلاء المعيشة وانهيار الدولة، يحدث أن تعود أدوات الأجداد والجدات لتطل من جديد عبر نوافذ البيوت المتواضعة ،،ليس كزينة تراثية في صالة فخمة، بل كخيار أخير لمن لا يملكون ثمناً لشراء معدات كهربائية تغلت أسعارها، وفي هذا السياق بالذات يأتي الحديث عن المشلْعِيب، ليس باعتباره أثرا متحفيا ،،بل كشاهد حي على تحولات كبرى في حياة السودانيين، هذا الأثر الذي جعل المشعليب ينتقل من خانة التبريد الطبيعي في زمن السلام، إلى الديكور التراثي في زمن الكهرباء، ثم يعود مرة أخرى ليكون المبرد الاضطراري في زمن الحرب، وكأنه يكتب سيرة بلد كله يتأرجح بين أصالته المدمرة وحاضره المسروق. في صميم الذاكرة السودانية،يظل المُشَلْعِيب حاضراً كأحد أبرز شهادات الابتكار الشعبي، هذا الإرث العبقري الذي لم تُبتكره المصانع، بل ولدته حكمة الأجداد وبراعة أيديهم، هو أكثر من مجرد أداة حفظ طعام، إنه قصة التصاق الإنسان السوداني بأرضه وتحديه للطبيعة الحارة بعقل متفتح، وقبل أن تغزو الثلاجات الكهربائية البيوت ويصبح التبريد مجرد ضغطة زر، كان المشلْعيب أو المعلاق يتربع في قلب الراكوبة أو التكل، حارساً أميناً للقوت، وثلاجة طبيعية لا تحتاج كهرباء ولا تصدر ضجيج، فالمُشَلْعِيب هو أداة تراثية سودانية فريدة، عبارة عن سلة شبكية تُصنع يدوياً على شكل مخروطي أو هرمي مقلوب، تغلَق قاعدته السفلية بينما تعلوه حبال طويلة قوية من حبال القنب أو الجلد، تصنع غالباً من سعف النخيل الذي يُجدل بنسق هندسي دقيق يسمح بمرور الهواء، وكانت النساء تزيّنه أحيانا بألوان زاهية مستخرجة من الطبيعة لإضفاء لمسة جمالية على المنزل، سر فعاليته يكمن في مبدأ فيزيائي بسيط، فهو يعتمد على التهوية المستمرة حيث تسمح فتحاته الشبكية للهواء بالمرور من كل الاتجاهات، مما يمنع الرطوبة من التراكم ويبطئ نمو البكتيريا والفطريات على الطعام، كما يعتمد على الارتفاع عن الأرض حيث يُعلق في سقف الغرفة أو المطبخ التقليدي حيث الهواء أبرد قليلاً وأكثر حركة، مما يوفر حماية مزدوجة تُبعد الطعام عن متناول الحشرات والزواحف والقوارض والقطط والكلاب،لقد كان المشلعيب الرفيق الدائم لبقايا الطعام الثمينة، حيث توضع داخله الأواني الفخارية المحتوية على الملاح وهو المرق السوداني الشهي، أو الروب أي اللبن الرائب، أو اللحم المفور، بالإضافة إلى الخبز وبعض الأطعمة الجافة الأخرى، وقد عبّر السودانيون عن أهمية المشلعيب في أمثالهم وأشعارهم، فمن أشهر ما قيل فيه المشلعيب دواء الكلب، وهذا المثل ليس مجرد نكتة، بل حقيقة عملية فتعليق الطعام عالياً كان الحل الوحيد لمنع الكلاب والحيوانات الأليفة الأخرى من انتهاز فرصة الخلو وافتراس ما تبقى من طعام، مع دخول الكهرباء والثلاجات إلى كل بيت سوداني، تراجع دور المشلعيب الوظيفي لكنه لم يختفِ تماماً، بل تحول إلى رمز ثقافي وجمالي، حيث تستطيع أن تجده اليوم كعنصر ديكور في المطاعم والكافيهات السودانية الأصيلة، او كقطعة تراثية تُعلق في زوايا البيوت الحديثة تعبيراً عن الفخر بالهوية والارتباط بالجذور، وتحفة حرفية تباع في الأسواق الشعبية كتذكار للسياح والزوار، لكن لم تكن عودة المشلعيب إلى واجهة الحياة السودانية الحديثة مجرد حنين تراثي أو موضة عابرة، بل جاءت بقسوة الحرب العبثية فقد كانت الكهرباء إحدى أولى ضحايا الانهيار، فبعد أن قطعت خطوط النقل وخربت المحطات، غرقت أحياء كاملة في ظلام دامس لأسابيع وشهور، ومع انقطاع التيار لفترات طويلة، ماتت الثلاجات واحدة تلو الأخرى، وتعفن الطعام ، وهنا عاد المشلعيب من جديد، ليس اختياراً حراً، بل اضطراراً قاسياً، بعد أن أثبتت التكنولوجيا الحديثة هشاشتها أمام عنف الحرب،إن ما يجري اليوم في السودان هو مشهد كلاسيكي للمأساة إنسانية شاملة،، فالطبقة الفقيرة والوسطى هي التي تدفع الثمن الأكبر للانهيار، فبينما استطاع بعض الأغنياء وأمراء الحرب شراء مولدات ضخمة أو ألواح طاقات شمسية مستوردة وبأسعار خيالية، وبات الفقراء والعمال والموظفون الذين لم تصلهم رواتبهم يواجهون خياراً وحيداً فإما أن يتركوا طعامهم يفسد ويموتوا جوعاً، أو يعودوا إلى حلول أجدادهم التي ظنوا ان مكانها في متاحف التراث، ولعل الأسوأ من ذلك أن أسعار ألواح الطاقة الشمسية ارتفعت بشكل جنوني في زمن الحرب، إذ استغل التجار والمهربون حالة الطلب المتزايد،، فبات سعر اللوح الواحد يساوي راتب موظف لعدة أشهر، وتحولت فكرة الطاقة النظيفة من حلم مستقبلي إلى سلعة ترفيهية لا يملكها إلا الميسورون، وهذا هو عين ما يسميه المنظور المادي للتاريخ بأزمة فائض القيمة وتطابق أزمات الرأسمالية مع الكوارث الإنسانية، هكذا عاد المشلعيب، ليس كرمز طيب من التراث فقط، بل كفضيحة صارخة لنظام عالمي وسياسات محلية تترك الملايين عراة أمام تقلبات الطبيعة والحرب، وكدليل حي على أنه عندما تنهار الدولة وتستعر الصراعات، يعود الفقراء إلى اختراعات أجدادهم العبقرية ليس لأنها أفضل، بل لأنها الوحيدة المتبقية لهم في زمن غلاء التكنولوجيا ووحشية السلعة، فالمشلعيب الذي كان يحرس الطعام بالأمس من الكلاب والفئران، يعود اليوم ليحرسه من انقطاع الكهرباء وغلاء الواح الطاقة الشمسية وجشع التجار، وإن في ذلك لعبرة لكل من يؤمن بأن التقدم التكنولوجي الحقيقي هو ذاك الذي يصل للجميع، وليس حكراً على من اشتروا الحرب وربحوا من أوجاع الناس.The post المشلعيب،،،ثلاجة الفقراء في زمن الحرب appeared first on صحيفة مداميك.