اللواء الركن (م) أسامة محمد أحمد عبد السلام يكتب: في ذكرى 11 أبريل: أخطاء الرئيس البشير وحزبه ولجنته الأمنية (الأخيرة)

Wait 5 sec.

يذهب المحللون الاستراتيجيون كلهم والسياسيون والمراقبون للأوضاع في السودان جلهم وحتى سواد السودانيين الأعظم من غير (المنتمين سياسياً) والذين حزبهم السودان واسمهم محمد أحمد السوداني أن سقوط نظام الإنقاذ كان دراماتيكياً وغير متوقعاً (وسهلاً) وسريعاً.. ذلك بالنظر لسطوة النظام وسلطته وحزبه وحاضنته الأكثر تنظيماً والأوفر كوادر بشرية في كل المجالات السياسية والإدارية والقانونية والتنفيذية هذا فضلاً عن ثلاثين سنة في السلطة ما يجعل مسألة (الاقتلاع) التي قال بها عوض أبنعوف في خطابه (الهزيل) في الحادي عشر من أبريل 2019م مسألة (غير مبلوعة) وبلغة الشباب حنكاً (غير سنين) إن لم يكن بيش لا تخطئ (نملأته) نظرة ناظر.. ولعل أحد مقاصد هذه المقالات التي هي محاولات للاجترار والاستذكار والعظة والاعتبار معرفة وتتبّع هذه الأسباب التي قادت للانهيار الكبير (والسقوط المدوي) فالأشجار المعمّرة الكبيرة تحدث دوياً عند سقوطها وهكذا كانت (شجرة المؤتمر الوطني) السلطوية..قلت لكم خواتيم لقائي السابق بكم في أن المدعو طه عثمان الحسين المكنّى بطه الدلاهة (وهو كذلك) بلا أدنى شك فأنت تدرك منه هذه الخصلة حتى وأنت تقابله لأول مرة في حياتك وأنت تلتقيه كل يوم بحكم عملك كما كنا مع السيد الرئيس البشير فك الله أسره وفرّج كربته وإخوته.. يدخل عليك (مشوّشاً) ملوثاً بلبسته الاشتراكية أو الكنغولية على أيام جهاز أمن النميري وينظر إليك ولكأنه ينظر في اتجاه آخر.. أدار (ملفات خطيرة) بالقصر الجمهوري وبيت الضيافة بغير قليلٍ من الخبث وليس من شخصٍ لديه معلومة موثوقة أكيدة (صادقة بعيد مداها) متى تم تجنيده لأجهزة المخابرات السعودية التي (منحته) للإماراتية بلا مقابل ولا بدل حتى ولو (عدة نسوان).. وهذا ليس مهماً ولا يقدّم (فائدة خبر) حسبما يقسّم علماء اللغة الكلام مما نقول به من حديثٍ إلى لازم الفائدة وفائدة خبر.. لكن الأهم منه كيف كانت أجهزة الدولة الأمنية من جهاز أمن ومخابرات واستخبارات عسكرية وشرطة بمختلف أنواعها وأمن خاص (وأمن شعبي) وغيرها (نايمة في العسل) تجاه التحسّس من (طه وإخوته) عملاء المخابرات وعيونها في مفاصل الدولة الحساسة كما (النقرس) يكاد يقعدها عن الحركة بل إنهم أسوأ فهم لم يقعدوها عن الحركة فقط بل أسقطوها تماماً وهذا سؤال محوري مهم ولكن لا إجابة له وعدم وجود هذه الإجابة في حد ذاته مشكلة.. زارنا الرئيس البشير بكمبالا وقد كنت لا أزال بموقعي ملحقاً عسكرياً بيوغندا وقد جاءت الزيارة بعد عمل أمني كثيف من قبل الملحقية العسكرية تكامل مع أدوار (دبلوماسية شخصية) قامت بها المرحومة نجوى قدح الدم وما كان لهذه الزيارة من أن تتم لولا كل ذلك.. المهم أن السيد الرئيس وبعد ان فرغ من (الشق الرسمي) جاءنا السفارة بحي ناكسيرو الشهير غير بعيدٍ من قصر الرئيس اليوغندي وجلس مع السفير وبقية الوفد فيما ذهبت بالضباط المرافقين للسيد الرئيس لمكتبي.. لحق بنا طه وتفسح الناس له في المجلس وبدأ يرسل رسائله (الخبيثة) وهو يقول (السيد العميد الركن أسامة محمد أحمد الملحق العسكري .. والله فقدناك وعمك دائماً يذكرك بالخير وإن شاء إنت طيب وووووووووووو .. ) فقلت له الحمد لله في نعمة وعافية وستر.. وجاءت القهوة والشاي ليقول فجأة (خلي بالك ضباط الحرس السيد العميد أسامة دة ح نجيبو قائد حرس فأحسن تحسّنوا علاقاتكم معاه) ثم أوشك أن يقول (ترا كلمتكم).. فما كان من المرافقين الضباط إلا الابتسام وقالوا له مرحب بيهو والله وأصلا هو ما غريب علينا وشئ من هذا القبيل من عبارات المجاملة وتلطيف الجو.. أما أنا (وأعوذ بالله من أنا) فقد كانت قناعتي راسخة ويقيني صادقاً بأن هذا (تهريج) وذر للرماد في العيون ولا أزال أتذكّر كيف تآمر هو ذات نفسه على إبعادي من ذات المكان كأول شخص اصطدم به وليبعد آخرين كثر منهم الأخ محمد عبد الله عبد الجليل والأخ ياسر عوض الله والأخ مجدي السماني (فك الله أسره).. لا أخفيكم أن واحدة من (هنات) الرئيس على قلتها أن (يستباح الحرس) هكذا وينقل إليه وينقل منه ولكأنه سلاح الكيمياء أو سلاح الصيانة ولكأنه ليس تلك الوحدة (الخاصة) بالغة الخصوصية والحساسية المؤتمنة على حديث الرئيس وضحكته ونكتته وجده وهزله وأموره الأسرية كافة.. السيد الرئيس كان يعتقد بل ويؤمن (بالنظام) ويعتبر أن (السيستم شغال) يعمل بكفاءة ولا مشكلة في النقل هنا وهناك طالما أن هيئة الاستخبارات تعمل بمبدأ الولاء والإخلاص له وبالتالي يستبعد جداً (نظرية التآمر) والحفر أياً كان نوعه بالإبرة أو حتى اللودر والقريدر.. هذا بخلاف النائب الأول علي عثمان محمد طه والذي لاحظ ذات يوم أن سائق الموتر الأمامي التابع لشرطة المرور وأذكر جداً أن اسمه عبد الناصر ليس في مكانه وقد حل به شخص آخر ما يعني أنه (نقل) في إطار (الحفر) والإبعاد والإحلال والإبدال.. فما كان منه إلا وان سأل فقيل له أنه نقل في نقلٍ روتيني فاستنكر ذلك وأنه لم يبلغ أو يستشار أو حتى يستأذن ويودعه العسكري ثم أمر به فأعيد وظل معه حتى 11 أبريل 2019م وعلى قول القحاطة العواليق (سقط معه).. ولعل هذه من (أولى المسامير) التي دُقّت في نعش الإنقاذ وأولى (الصواميل) التي حُلّت من ماكينة الدولة ليبعد كل شخص لديه رأي ورؤية ونقاش وجدال بحكم الوظيفة (والمانديت) هذا بخلاف أن كل شخص أقدم من طه في الموقع هو (مصدر خطر) لابد وأن يزال ناهيك عن علاقة الرئيس بضباط الحرس القدامى التي كانت متميزة للغاية..صدق حدسي تماماً وبعد عودتي من الملحقية كان الموقع الجديد (جاهزاً) وأعد (لاستقبالي) لأنقل من الاستخبارات إلى إدارة الموارد البشرية برئاسة الأركان المشتركة أحد الشخصيات التي كان يرهبها طه عثمان جداً ويحسب لها ألف حساب ولعله الوحيد الذي ليس لديه ما يقوله له حيث (يتلعثم ويتمتم) على التمتمة التي لديه الفريق أول ركن بكري حسن صالح النائب الأول للرئيس رئيس الوزراء.. لعل طه حاول الاستحواذ على الرجل ولكن مكانته لدى الرئيس وقوة شخصيته وعلم طه أنه لا (يستسيغه) رسخّت لهذا الأمر.. لكن الأخير مضى في الحفر والتآمر ونسج خيوط السقوط خيطاً خيطاً ليأتي يوم حزين جداً على الفريق أول بكري ربما لم يكن في حساباته مطلقاً أنه سيأتي.. فعلاقته بالرئيس لم تبدأ فجر الثلاثين من يونيو وهو بالقوات الخاصة يستقبل الرئيس ويذهبا سوياً ويدخلا القيادة العامة من بوابتها الشرقية ويستلمانها بعد تنوير العميد كجو.. بل تمتد لفترة بعيدة بسلاح المظلات وقد عمل بكري مع الرئيس في كتيبة واحدة وكان سكرتيراً للرئيس (أركانحرب) لتظل هذه العلاقة متميّزة راسخة وليظل بكري من العسكريين القلائل حول الرئيس قبيل سقوط النظام صديقاً صدوقاً وناصحاً أميناً.. فقد أصدر الرئيس قراراً في 23 فبراير 2019م أي فبل 45 يوماً من سقوط النظام أطاح بموجبه بالرجل من منصبيه وعيّن مكانه كنائب أول الفريق أول عوض أبنعوف مع الفارق الكبير بين الشخصيتين رغم ان أبنعوف أقدم من بكري حسن صالح.. كثير من المشفقين على الرئيس في الأيام الأخيرة أكدوا أن ذهاب بكري يعني سقوط النظام الذي لم يعد قادراً على التماسك واتخاذ القرارات الصحيحة بل على العكس أصبح أكثر قدرة على اتخاذ أكثر القرارات الخطأ.. ذهاب بكري سبقه ذهاب علي عثمان وآخرين ولعل هذا يدخلنا في (التشاكس الحزبي) داخل المؤتمر الوطني حيث كانت هناك عدداً من مراكز القوى والأجنحة المتصارعة ولعل (صراع الشوايقة) هو الأشهر والذي (سار به الركبان) حتى حسب الناس تسعة وزراء من ذات المنطقة ولم يكن يلقي لهذا الأمر بالاً أصلاً ولربما جاءت مصادفة.. هذا خلاف (جوقة فلان وشلة فلتكان) وكلٍ يريد الإطاحة بكلٍ وما علموا أنهم يطيحون بأنفسهم وأن (خرق السفينة) سيطال أثره الجميع ولن ينجو منه أحد.. لذا كان الحزب متفرّجاً على (سفينة الإنقاذ) وهي تغرق بعد أن كانت (لا تبالي بالرياح) بسبب الخلافات البينية ولربما قاد بعضهم وبحكم موقعه ونفوذه خلق (الأزمات) أمام حكومة معتز موسى في سلوك عجيب غريب.. ربما كانت حساباتهم أن أسوأ سيناريو للتغيير لن يكون كما حدث ورأوه بأم أعينهم معتمدين على (التجارب السابقة) وما دروا أن التآمر والكيد كانا يتسيّدان الموقف ولم تكون الأمور تمشي بنظرية (القصور الذاتي) مطلقاً.. إذن هي تراكمات وأخطاء هنا وأخرى هناك وتآمر من عملاء داخل السلطة وارتخاء أمني كبير وشراء وبيع كانت محصلتها ما رأينا من تسارع الاحداث التي قادت في النهاية لذهاب الرئيس ونظام الإنقاذ ثم جاءت أخطاء الانتقال الكارثية.. فقد كان التغيير بداية لحقبة أكثر سوءاً في فترة انتقال نقلت الناس من الأمن إلى الخوف ومن الشبع إلى الجوع ومن السلام إلى الحرب التي صنعت أسبابها فترة الانتقال ويتحمّل وزر إشعالها السياسيون قبل العسكريون والعسكريون قبل السياسيون.. ليس هذا مجال حديثٍ وتفصيلٍ ولكنها محصّلة ونتيجة أعتقد أنه يتفق معي فيها كثيرون دون النظر أو الاعتبار لأصوات (نشاز) حين تدعو على الجنجويد تقول اللهم عليك بهم وبمن (أنشأهم) فهؤلاء لا يجدي نقاشهم فتيلاً فكل شيء يمس (البشير والكيزان) حوله هو غاية ما يتمنون ويشتهون ويعتبرونه انجازاً في سفر ممارستهم السياسية (المعطوبة) التي لم تطعم الناس رغيف خبز ولم تحمهم من زخات رصاص التمرد.