تعقيب وملاحظات نقديه على بيان المكتب السياسي للحزب الشيوعي

Wait 5 sec.

بقلم: زكريا محمد أحمديلاحظ القارئ لبيان المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوداني (الصادر في 3 يونيو 2026) أنه يغفل الإجابة على السؤال المركزي والملحّ: كيف تقف الحرب عملياً؟ وما هي الأدوات الواقعية التي يملكها الحزب لوقفها؟وفي هذا السياق، تفرض جملة من الأسئلة المشروعة نفسها:• دور المجتمع الدولي والإقليمي: هل يمكن حقاً إيقاف هذه الحرب الكارثية دون مساعدة القوى الإقليمية والدولية، والضغط الفاعل على طرفي النزاع لإجبارهما على وضع حد للعدائيات؟• فخ إعادة الشراكة مع العسكر: هل يتضمن “إعلان نيروبي” ما يشير -من قريب أو بعيد- إلى إعادة الشراكة مع العسكر كما ورد في بيان الحزب؟ أم أن الإعلان تجاوز ذلك جذرياً بدعوته الصريحة لإبعاد طرفي الحرب تماماً عن الشأن السياسي والاقتصادي، وحل جميع المليشيات، وتأسيس جيش وطني مهني موحد يخضع بالكامل للسلطة المدنية؟• واقعية البديل المطروح: هل يمثل البديل الذي قدمه بيان الحزب لإعلان نيروبي خطة عملية قادرة على وقف الحرب “الآن” وبآلية واضحة؟ أم أنه مجرد برنامج سياسي واقتصادي فضفاض يستحيل تطبيقه قبل أن تضع الحرب أوزارها أولاً؟• أهمية الجبهة العريضة: هل توجد آلية أنجع لمجابهة الأجندة الإقليمية والدولية المتناقضة مع مصالح شعبنا وسيادة وطننا، دون تكوين جبهة سياسية ومدنية عريضة تضم كل القوى المناهضة للحرب للحد من هذه التأثيرات السالبة؟• جدلية العمل القيادي والقاعدي: هل الدخول في تحالفات سياسية ومدنية على المستوى القيادي يؤثر سلباً على نشاط الحزب في بناء جبهته الجماهيرية القاعدية حتى يرفض التحالفات الفوقية؟ أم أن التحالف على المستوى القيادي يجعل من الحركة الجماهيرية القاعدية رقيباً وأداة ضغط حية على قيادة التحالف لضمان تنفيذ ما تم الاتفاق عليه؟• وحدة القيادة في مخاطبة العالم: كيف يمكن للحزب مخاطبة طرفي الحرب والمجتمع الإقليمي والدولي بشكل مؤثر دون وجود قيادة موحدة تمثل كتلة تاريخية تجمع كل القوى المناهضة للحرب؟إن هذا البيان لا يقدم إجابات حقيقية على هذه الأسئلة، ولا يطرح بديلاً عملياً ينهي معاناة الجماهير في معسكرات اللجوء والنزوح، أو ينقذ من تبقوا داخل الوطن وتتهدد حياتهم يومياً مع توقف مصادر دخلهم. فالبيان بمجمله لا يعدو أن يكون حشداً لمبررات وحجج كان يمكن مناقشتها وتفكيكها داخليا مع أطراف إعلان نيروبي وليس خارجه، إذا كان الحزب الشيوعي جاداً بالفعل في دعوته لبناء الجبهة الواسعة.تنبيه استراتيجي: إن تفتيت وحدة القوى السياسية والمدنية المناهضة للحرب، والساعية للتأسيس للتحول المدني الديمقراطي، هو الهدف الاستراتيجي الأول لـ “الكيزان” (النظام البائد)؛ ونربأ بالحزب الشيوعي السوداني وبإرثه النضالي أن يأتي موقفه خادماً لهذه الاستراتيجية عبر تغليبه للصراعات الثانوية على الصراع الأساسي والمصيري.ملاحظة جوهرية حول العلمانية وفصل الدين عن الدولة:جاء في بيان الحزب التحفظ على ايراد قضايا مثل (نظام الحكم الفيدرالي وعلاقة الدين بالدولة) في إعلان نيروبي بحجة أن مكانها هو “المؤتمر الدستوري”.وهنا يبرز التناقض الأكبر: لقد نص إعلان نيروبي بوضوح على فصل الدين عن الدولة، وهي واحدة من أمهات القضايا التي ظل الحزب الشيوعي السوداني يناضل من أجلها ويقدم التضحيات عبر تاريخه الطويل.• أليس من الأجدر بالحزب الشيوعي أن يشيد بنجاح القوى السياسية والمدنية السودانية في جعل هذه القضية محل اتفاق وإجماع، بدلاً عن التحفظ عليها وإحالتها لمؤتمر دستوري غير معلوم الموعد أو الملامح؟• ألا يطرح هذا التحفظ سؤالاً شكياً مشروعاً وهو: هل تراجع الحزب الشيوعي عن مبدأ فصل الدين عن الدولة؟• وهل يعني هذا التحفظ ضمنياً عدم اعتراض الحزب على “الدولة الدينية” -التي هي النقيض التام لفكره- فيما لو تراجع عنها أو أجازها المؤتمر الدستوري المستقبلي؟إن موقف الحزب الشيوعي بات محيراً ومربكاً؛ فالأمر لم يعد مقتصراً على اتخاذ موقف سياسي يلتقي في محصلته النهائية مع أجندة “الكيزان” في إضعاف وحدة الصف المدني المناهض للحرب فحسب، بل إن التحفظ على إقرار مبدأ فصل الدين عن الدولة في إعلان نيروبي يمثل تماهياً فكرياً وسياسياً خطيراً معهم، سواء تم ذلك بوعي أو بدونه!فماذا تبقى من مبادئ الحزب الشيوعي السوداني، ومن فكره، وتاريخه، وتجربته النضالية الباذخة يا مكتب الحزب السياسي؟ليس المطلوب من الحزب الشيوعي أن يتخلى عن حقه في النقد، ولا أن يوقع على أي ميثاق لا يقتنع به، فذلك حق سياسي أصيل. لكن المطلوب، في لحظة تتعرض فيها الدولة السودانية لخطر التفكك والمجتمع لخطر الانهيار، أن يكون النقد جسراً لتوسيع معسكر السلام، لا سبباً في مزيد من انقسامه. فالخلافات حول البرامج والتفاصيل يمكن أن تجد طريقها إلى الحوار والتطوير، أما الحرب فلا تمنح السودانيين رفاهية الانتظار. ولهذا يبقى السؤال معلقاً أمام المكتب السياسي للحزب الشيوعي: إذا كان إعلان نيروبي، بكل ما عليه من ملاحظات، لا يصلح لأن يكون منصة لتجميع القوى المناهضة للحرب، فما هي المنصة البديلة؟ وكيف يمكن أن توقف الحرب الآن، وليس بعد سنوات من التراكم النضالي؟ ذلك هو السؤال الذي ينتظر ملايين النازحين واللاجئين والمحاصرين في مدن السودان إجابته، وهو سؤال لا يكفي أن يُجاب عليه بالشعارات، بل يحتاج إلى مشروع سياسي عملي يضع نهاية لهذه المأساة الوطنية.The post تعقيب وملاحظات نقديه على بيان المكتب السياسي للحزب الشيوعي appeared first on صحيفة مداميك.