عمر البشاريعرض مختصر لورقة حمدان جمعة (2015) بمناسبة النزاع الحالي بين السلامات وبني هلبة في دارفور من منظور تحليل النزاعات كمقاربة مكملة لجهد عبدالله علي ابراهيم في ذات الظاهرة معتمدا على نهجه الانثربولوجي المعلوم.تناقش الورقة تصاعد النزاعات المسلحة بين القبائل العربية في إقليمي دارفور وكردفان منذ اندلاع حرب دارفور عام 2003، وترى أن هذه الحروب أصبحت أحد أهم مصادر العنف وعدم الاستقرار في السودان. ويشير الكاتب إلى أن الاهتمام السياسي والإعلامي انصرف غالباً إلى الصراع بين الحكومة والحركات المسلحة، بينما جرى إهمال النزاعات البينية داخل المجتمعات العربية نفسها رغم ما خلفته من قتلى ونازحين وخسائر اقتصادية واجتماعية واسعة.تذهب الورقة إلى أن التفسير الشائع الذي يربط هذه الصراعات بالانتماء الإثني وحده غير كافٍ، إذ تعود الأسباب الأساسية للنزاعات إلى التنافس على الموارد الطبيعية، خاصة الأرض والمياه والمراعي، في ظل التغيرات البيئية المتمثلة في الجفاف والتصحر، وتراجع مسارات الرعي التقليدية بسبب الحروب والقيود الأمنية.كما تؤكد أن اكتشاف النفط والذهب وارتفاع القيمة الاقتصادية للأرض أسهما في تحويل كثير من النزاعات المحلية إلى صراعات أكثر حدة، خصوصاً مع توسع الدولة في تخصيص الأراضي للمشروعات الزراعية الاستثمارية وشركات النفط. وقد أدى ذلك إلى تقويض أنماط الملكية العرفية التقليدية وإثارة تنافس متزايد بين القبائل حول السيطرة على الأراضي والموارد.وتنتقد الورقة ما تعتبره تعميماً دولياً وإقليمياً لصورة القبائل العربية باعتبارها مرادفاً لمليشيات الجنجويد، وترى أن هذا التصور أسهم في تجاهل معاناة قطاعات واسعة من هذه المجتمعات التي تعرضت بدورها للنزوح والفقر والتهميش. كما تؤكد أن القبائل العربية ليست كتلة سياسية أو عسكرية واحدة، إذ شارك أبناؤها في صفوف الحكومة والحركات المسلحة على حد سواء.وتحمّل الورقة السياسات الحكومية جزءاً مهماً من مسؤولية تفاقم النزاعات، خاصة من خلال قوانين الأراضي التي منحت الدولة سلطة واسعة على الأراضي غير المسجلة، وسياسات الإدارة المحلية التي شجعت التنافس القبلي على النفوذ والموارد، فضلاً عن استخدام بعض القيادات القبلية في الصراعات السياسية والعسكرية.وترى الدراسة أن استمرار الحروب بين القبائل العربية يشكل تهديداً مباشراً للأمن الإنساني والاستقرار في السودان والمنطقة، خصوصاً مع ضعف مؤسسات الدولة وتراجع قدرتها على إدارة النزاعات وضبط الأمن.وفي سبيل معالجة الأزمة، توصي الورقة بمجموعة من الإجراءات تشمل:* دعم المصالحات القبلية ووقف القتال. * مراجعة قوانين وسياسات ملكية الأراضي. * التحقيق في دور الشركات والمصالح الاقتصادية في تأجيج النزاعات. * إشراك الشباب والقيادات المجتمعية في برامج بناء السلام. * تعزيز التعاون بين القبائل عبر الأنشطة الاجتماعية والثقافية المشتركة. * تنفيذ برامج تنموية طويلة الأجل لتحسين سبل المعيشة. * دعم النساء والأسر المتضررة من الحروب. * تمكين منظمات المجتمع المحلي. * تشجيع أبناء هذه المجتمعات في المهجر على الإسهام في جهود السلام والتنمية.وتخلص الورقة إلى أن معالجة النزاعات بين القبائل العربية لا تمثل قضية محلية فحسب، بل تشكل مدخلاً أساسياً لتحقيق الاستقرار السياسي والأمني في السودان، وأن تجاهل هذه الحروب سيؤدي إلى مزيد من التفكك والعنف ويهدد الأمن الإقليمي على المدى الطويل.—————*ملاحظة نقدية: أهمية الورقة لا تكمن فقط في توصياتها، بل في أنها تمثل واحدة من المحاولات المبكرة لإعادة تفسير النزاعات العربية-العربية في دارفور وكردفان باعتبارها نتاجاً لأزمة الأرض والموارد والحكم، لا مجرد امتداد للصراع العربي-الأفريقي الذي هيمن على الأدبيات الدولية حول دارفور.The post الحروب بين القبائل العربية في السودان وإهمال المجتمعين الإقليمي والدولي: قراءة في الأسباب والتداعيات appeared first on صحيفة مداميك.