يسرا حمزةفي الصباح كنتُ امشي تحت الشمس الباهتة واجزُ على اسناني دون ان انتبه، وكنتُ امرُ بين السيارات الباردة واتركُ اثراً رفيعاً بالحقيبة البرتقالية، وكان رأسي يدور وكلُ الخيوط متشابكة منذ الليلة السابقة، ولا أتذكر فكرةً واحدة كنتُ افكر بها، وعبرتُ الجسر الطويل حتى صارت انفاسي قصيرة، وتوقفتُ في المنتصف وحدقتُ بكل الذين يتحركون من الشرق الى الغرب مع حركة الشمس بأضواءٍ خلفية حمراء، وفكرتُ لأول مرة منذُ مكوثي في هذه البلاد الغريبة في عدد السُكان، وقلتُ لنفسي سيكونُ ذلك سبباً كافية للإصابة بالتوتر والصداع النصفي، ودائماً وطوال الوقت ارغبُ في إعداد حقيبتي لأعود الى الخرطوم، وقبل أيام وتحت تأثير الحمى فكرتُ ب(…..) وبكل العصافير التي بيننا، وكنتُ اظنها نائمة، وقبل اشهر عندما التقينا واقتربتُ منها اكتشفتُ بأنها هياكل عظمية مغطاة بالشمع، واتذكرُ وجهه من خلف الجدار في الحلم، واتذكرُ قلقهُ وتعثره في ظلام حلمٍ اخر، واتذكرُ بالأشخاص الذين يعرفهم وطاردوني مرةً في مكانٍ واسع وشديد الإضاءة ولم يتمكنوا من اللحاق بي، ولكنكَ مثل تلك العصافير، شمعً على عِظام، وافكرُ منذ ديسمبر الماضي بالجنود الذين لا يتوقفون عن المشي، ولكنني في حالات الهذيان أكون ايضاً في حالةِ حركة رغم سكوني، ويمتلئُ رأسي بالكهرباء والبيوت والأعشاب والأنهار والحروب وذكريات طفولتي، واتذكرُ كل المرات التي تعثرتُ فيها وجرحتُ ركبتي، واتذكرُ الخياط الذي كان قد بدأ يفقدُ عقلهُ ببطء وكان يحدقُ عبر الباب المفتوح الى المارة، وفي عقلي انت دائماً تُذاكر (ميكانيكا الموائع) بقميصٍ ابيض يبدو واسعاً وناصعاً مقارنة مع لون الغرفة الترابي، واذا كُنتَ مُصراً ومُلحاً فلا بُد انكَ انتبهت الى انني ما زلتُ اهذي منذُ يوم الثلاثاء الماضي واضعُ كل الخيوط في مكانٍ واحد، واحاولُ دون سبب او جدوى ايقاظ العصافير التي تنامُ بيننا دون ان اثيرَ فزعها, عندها سأزرعُ أشجار الليمون ليتوقف الجنود وتنتهي الحرب، وربما ستعودُ الفراشات لتصير فراشات وتتخلى عن البنادق، وربما أيضا سيتوقف الجنود عن التمدد على اسِرةِ الغرباء في البيوت ولا يشيرون الى السماء والعصافير الزرقاء، وربما وقتها لن يرحل الناس عن القُرى قسراً وترك الطين ليعيشوا داخل علب الساردين والاسمنت، وكانوا يمشون بداخلي دون ان اسمعهم، وكنتُ اسمعُ طنيناً حاداً وخافتاً عندما استلقي لأنام، وكان هذا صمتهم، واتذكرُ طائرانِ في البيت بعد موتِ أحمد، طائر خائف يختبئ تحت السرير والأخر ميت امام النافذة، وكنتُ اعتقدُ بأن رصاصةً قتلته قبل ان اَدرك بأن الرصاص لا يقتلُ الطيور، ولكن البلابل عادت لتغني في الحي مرةً أخرى.The post بيننا ثلاثةَ عشر عاماً من العصافير النائمة… [مجرد حُمى] appeared first on صحيفة مداميك.