بقلم: جيمس فوجوتحولت الحرب الأهلية في السودان من صراع داخلي على السلطة إلى تحدٍ أمني إقليمي متعدد الأبعاد. فما بدا في البداية صراعًا بين فصائل مسلحة متنافسة، تطور إلى صراع يتأثر بشكل متزايد بالتدخل العسكري الخارجي، وقدرات الضربات بعيدة المدى، وانتشار الأنظمة غير المأهولة.يسلط تحقيق استقصائي حديث لصحيفة نيويورك تايمز، يوثق استخدام قاعدة سرية لتشغيل الطائرات المسيرة على الأراضي المصرية لشن ضربات داخل السودان، الضوء على اتجاه أوسع وأكثر خطورة: عدم استقرار السودان يتقاطع الآن بشكل مباشر مع وضع القوات الإقليمية، وديناميات الردع، وأمن البحر الأحمر. وتعمل طائرات مسيرة متطورة بعيدة المدى منذ أشهر من الصحراء الغربية المصرية، وتضرب أهدافًا على بعد مئات الأميال داخل الأراضي السودانية.من منظور عسكري، تُعدّ جنسية مشغلي الطائرات المسيّرة ثانويةً مقارنةً بالآثار العملياتية. لم يعد الصراع محصورًا جغرافيًا، إذ باتت جهات خارجية تؤثر في النتائج التكتيكية وتُشكّل البيئة العملياتية، لا تقتصر على تقديم الدعم المادي للقوات المحلية.يعكس هذا التطور نمطًا أوسع نطاقًا يظهر جليًا في العديد من الصراعات حول العالم، ألا وهو التحول نحو الحرب الهجينة عالية التقنية باستخدام الطائرات المسيّرة. وقد تحوّلت ساحة المعركة في السودان إلى ميدان اختبار لاستخدام الطائرات المسيّرة، وتدابير مكافحتها، والضربات الدقيقة بعيدة المدى في بيئة تفتقر إلى الحوكمة الرشيدة. ويعتمد كلا الطرفين المتحاربين الرئيسيين الآن على أنظمة الطائرات المسيّرة في مهام الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع والضربات.وقد أدى هذا التطور إلى تقليص فترات الإنذار، وتوسيع نطاق الاشتباك، وزيادة هشاشة البنية التحتية المدنية، وارتفاع معدلات الأضرار الجانبية المروعة. كما خفّض عتبة التصعيد، إذ يُعدّ استيعاب خسائر الطائرات المسيّرة أسهل سياسيًا من استيعاب خسائر الطائرات المأهولة أو الأفراد.مع ذلك، لا تُفسّر هذه التحولات العملياتية أسباب استمرار الصراع. لا يزال المحرك الهيكلي الرئيسي دون تغيير: غياب فصل واضح بين القيادة العسكرية والسلطة السياسية. تستمر القيادة المسلحة في السودان بالعمل في آنٍ واحد كقوة قتالية وكسلطة تنفيذية للدولة. من وجهة نظر أمنية، يُقوّض هذا الاندماج أي إطار تفاوضي. فالقيادة العسكرية التي تُسيطر على أدوات العنف، وجهاز الاستخبارات، وموارد الدولة، لا تملك حافزًا يُذكر لقبول قيود مُلزمة أو تنازلات لا رجعة فيها. ويغيب حرف “د” من نموذج DIME (الدبلوماسية، والإعلام، والقوة العسكرية، والقوة الاقتصادية) بشكل ملحوظ.ويُعزز تاريخ السودان الحديث هذا التقييم.فقد استُخدمت الفترات التي وُصفت بأنها “انتقالية” مرارًا وتكرارًا لإعادة تنظيم هياكل القوات، واستيعاب الميليشيات المتحالفة، وتهميش المؤسسات المدنية، وتوطيد السيطرة. وقد حدثت تعديلات في القيادة وإصلاحات مؤسسية، ولكن دائمًا ضمن إطار يُحافظ على هيمنة الجيش. ولم تكن النتيجة استقرارًا ولا احترافية، بل دورات متكررة من المواجهة والعنف وتدمير البنية التحتية والسكان المدنيين.وعلى الرغم من شدة الأثر الإنساني، إلا أنه ذو أهمية استراتيجية أيضًا. أصبحت أجزاء كبيرة من السودان الآن خارجة عن سيطرة الدولة فعلياً. انهارت شبكات توزيع الغذاء، وتدهورت الأنظمة الصحية، وانتشر النزوح السكاني على نطاق واسع. إن تأثير إلغاء الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) مأساوي وملموس. تخلق هذه الظروف بيئة مواتية للجماعات المسلحة، وعمليات التهريب العابرة للحدود، وعمليات التأثير الخارجي. من منظور أمني، لا يمكن احتواء هذا المستوى من انهيار الدولة إلى أجل غير مسمى داخل حدود السودان. وهنا يكمن الخطر، ومن ثمّ سبب التدخل الاستراتيجي والتكتيكي لمصر.يزيد الموقع الجغرافي للسودان من هذه المخاطر. يقع ساحله على البحر الأحمر بجوار ممرات بحرية حيوية تربط أوروبا والشرق الأوسط وآسيا. يؤدي استمرار عدم الاستقرار في السودان إلى زيادة احتمالية حدوث آثار جانبية قد تؤثر على حرية الملاحة، ونقل الطاقة، وتوازنات الردع الإقليمية.ومما يثير القلق بشكل خاص عودة التدخل العسكري الإيراني في السودان، بما في ذلك تزويده بطائرات بدون طيار، وأنظمة دفاع جوي، ودعم استشاري. مع انهيار وكلاء إيران الإرهابيين، حماس وحزب الله، والقيود المفروضة على الحوثيين، تتشبث إيران بأي موطئ قدم تستطيع الحفاظ عليه في المنطقة. يشير هذا إلى سعيها لتوسيع نفوذها الاستراتيجي نحو البحر الأحمر بدلاً من مجرد التأثير على الأوضاع الداخلية.إن تزايد استخدام الأراضي السودانية كقاعدة عملياتية للجهات الخارجية – سواءً لتمركز الطائرات المسيّرة، أو لتقديم الدعم اللوجستي، أو للتأثير – يُنذر بتحول من الحرب الأهلية إلى ساحة إقليمية متنازع عليها.The post نزاع السودان: اختبار حقيقي للأمن الإقليمي.. وأقرب إلى صراع بالوكالة من حرب أهلية appeared first on صحيفة مداميك.