بقلم: هشام الحلولطالما كان الشعر عند محمد عبد الحي أكثر من مجرد رصٍّ للقوافي؛ فقد كان عملية “كيميائية” معقدة لإعادة صهر الهوية السودانية. وفي ملحمته الخالدة “العودة إلى سنار”، لم يكن عبد الحي شاعراً فحسب، بل كان خبيراً في مختبر الوجدان، يحاول مزج عناصر تبدو متنافرة ليخلق منها سبيكة الذهب السوداني الأصيل.وتتجلى هذه “الكيمياء” في النص من خلال التفاعل بين المكوّن “الغابوي” (الأفريقي) والمكوّن “الصحراوي” (العربي)؛ إذ لم يرَ عبد الحي في هذا الازدواج صراعاً، بل رآه تفاعلاً ينتج كائناً جديداً، يجمع بين صدى الطبول ووشم القبيلة وأرواح الأجداد في الغابة، وبين لغة الضاد وإرث التصوف وأحلام الصحراء. لقد نجح في تذويب هذه العناصر داخل بوتقة القصيدة، ليعلن أن السوداني ليس “هذا أو ذاك”، بل هو “هذا وذاك” في آنٍ واحد:الليلةَ يستقبلني أهلي:أهدوني مسبحةً من أسنان الموتىإبريقاً.. جمجمةً..مصلاةً من جلدِ الجاموسْرمزاً يلمعُ بين النخلةِ والأبنوسْلغةً تطلعُ مثلَ الرّمحْمن جسدِ الأرضِ وعبرَ سماءِ الجُرحْ.وفي هذا السياق، تبرز “سنار” كرمزٍ وكـ “مذيبٍ شامل”؛ فهي في الكيمياء الوسط الذي يسمح بالتفاعل، وعند عبد الحي هي ذلك المذيب التاريخي واللحظة التي التقت فيها الهويات وتشكّلت فيها النواة الأولى للوجدان السوداني الموحد. لذا، فإن العودة إليها ليست نكوصاً إلى الوراء، بل هي استحضارٌ للجوهر الصافي الذي تكدّر بصراعات الحاضر، وذلك عبر لغةٍ شعرية تتسم بالسيولة والتحول؛ ننتقل فيها من صورة “البحر” إلى “النار”، ومن “الجسد” إلى “الروح”، في رغبةٍ جليّة لتطهير الهوية من الشوائب.وعندما يقول: “الليلة يستقبلني أهلي..”، فإن هذه العبارة لا تقف عند حدود الترحيب، بل هي إعلانٌ عن اكتمال التفاعل، ووصول “الخيميائي” إلى حجر الفلاسفة الذي يبحث عنه: التصالح مع الذات. إن اختيار مصطلح “الكيمياء” هنا يأتي لأن عبد الحي لم يقدم حلولاً سياسية جافة لمأزق الهوية، بل قدم صيغة روحية آمن من خلالها بأن الهوية السودانية تُصنع في القلوب والأخيلة أولاً، تماماً كما تُحوّل الكيمياء القديمة المعادن الرخيصة إلى ذهب، محولاً الانكسارات التاريخية إلى انتصار ثقافي دائم.وسيظل هذا المقال، وتظل قراءاتنا لـ “العودة إلى سنار”، مجرد محاولات لفهم ذلك السر الذي استودعه عبد الحي في قصيدته؛ فقد كان رجلاً يعرف أن الوطن ليس مجرد أرضٍ نمشي عليها، بل هو “نصٌّ” نكتبه بدمائنا، ونمهره بختم “السناريّ” العائد من تيهه الطويل.The post كيمياء “العودة إلى سنار” عند محمد عبد الحي appeared first on صحيفة مداميك.