حزب الأمة… أزمة لم تبدأ اليوم، وأفق لا يُفتح إلا بإعادة بناء القيادة

Wait 5 sec.

مهدي داود الخليفةنكتب عن حزب الأمة القومي لأنه يعنينا في المقام الأول، ويهمّ كل سوداني حريص على مستقبل هذا الوطن. لسنا في مقام تصفية حساب ولا في موقع خصومة مع مؤسساته، بل في موقع الغيرة السياسية الصادقة. قد نكون خارج مؤسساته و أطره التنظيمية و لكن لسنا خارج همّ السودان، ولا خارج الإيمان بأن تعافي القوى السياسية شرط لازم لبناء حكمٍ مدنيٍّ ديمقراطيٍّ مستقر. فقد ظل الحزب، منذ أربعينيات القرن الماضي، أحد أعمدة الحركة الوطنية، وارتبط نشوؤه بالكفاح ضد الاستعمار، وبالمرجعية الأنصارية، وبقيادة رمزية جسّدها الإمام الصادق المهدي، حتى صار أكثر من تنظيم سياسي؛ صار جزءًا من الوجدان السوداني العام. وتعافي هذا الحزب ليس شأنًا داخليًا يخص عضويته وحدها، بل مسألة تتصل بمستقبل العمل المدني الديمقراطي في البلاد. فحين تتعافى الأحزاب التاريخية، يتعافى السودان.غير أن الأزمة التي يعيشها الحزب اليوم ليست وليدة الحرب الراهنة، ولا مجرد ارتباك أعقب ثورة ديسمبر، بل هي ذروة مسار طويل من التراكمات البنيوية التي بدأت تتشكل بوضوح في السنوات الأخيرة من حياة الإمام. يومها، طفا سؤال الخلافة القيادية دون أن يُحسم مؤسسيًا، وتقدّم الرمز على المؤسسة، والتاريخ على المستقبل. استند الحزب إلى شرعية تاريخية عميقة، لكن هذه الميزة نفسها تحولت، مع الزمن، إلى معضلة حين لم يُنجز انتقالًا مكتملًا من “الزعامة التاريخية” إلى “المأسسة الديمقراطية”.في حياة الإمام، كانت الخلافات تُدار بسلطة الرمز وتُحتوى داخل إطار الهيبة المعنوية. غير أن غياب الرمز كشف هشاشة البناء التنظيمي. لم تكن المشكلة في الأشخاص بقدر ما كانت في غياب آليات واضحة لإنتاج القيادة وتجديدها، وضعف تقاليد التداول الداخلي للسلطة، وغياب قواعد صارمة للمساءلة. وحين تتحول الشرعية إلى أمرٍ مُسلَّمٍ به لا إلى تفويضٍ قابلٍ للمراجعة، تتآكل الفاعلية ويضيع الاتجاه.وقد تجلت هذه الأزمة بوضوح في أداء المجلس القيادي خلال لحظة الاختبار الكبرى التي فرضتها الحرب. فلم يكن الأداء على مستوى تطلعات القواعد ولا على قدر الطموح التاريخي للحزب. بدل أن يقود التحول، بدا مترددًا؛ وبدل أن يوحّد الصف المدني، عمّق التباين؛ وبدل أن ينتج رؤية جامعة تعلو على الاستقطاب العسكري، انشغل بإدارة التوازنات الداخلية وتوزعت رموزه بين معسكرات متنازعة. وهكذا تحوّل المجلس من أداةٍ للقيادة إلى ساحة تجاذب، مما فاقم أزمة الحزب وأضعف موقعه الوطني في لحظة كانت تتطلب صوتًا مدنيًا قويًا ومستقلًا.وإذا كان من الإنصاف القول إن أزمة الأحزاب السودانية عامة، فإن خصوصية حزب الأمة تكمن في حجمه ورمزيته ودوره التاريخي. فحين يضعف مركز الاعتدال، يتسع هامش التطرف، ويتقدم الصوت العسكري على المدني، وتفقد السياسة معناها الأخلاقي. إن تراجع الحزب لا يضرّه وحده، بل ينعكس على مجمل الوعي العام؛ إذ يضعف الإيمان بفكرة السياسة نفسها، ويتقدم غير السياسيين إلى المشهد بلا برامج واضحة، وتملأ النزعات الجهوية والمليشياوية فراغ التنظيم المدني. إن احتضار الأحزاب لا يخلق فراغًا تنظيميًا فحسب، بل فراغًا أخلاقيًا ومعرفيًا أيضًا.جوهر الأزمة إذن هو أزمة قيادة، لا بوصفها أسماء أو مواقع، بل بوصفها منظومة قيم وآليات. أزمة وضوح استراتيجي، وأزمة صلة عضوية بالقواعد، وأزمة تردد أمام لحظات الحسم. والمخرج لا يكون بترميم السطح أو إعادة توزيع المواقع، بل بمراجعة جذرية تبدأ بنقد ذاتي شجاع يقرّ بأن الأزمة سبقت الحرب وأن جذورها داخلية قبل أن تكون خارجية. المطلوب إعادة بناء المؤسسة على أسس ديمقراطية حقيقية، إفساح المجال لقيادات شابة ذات شرعية قاعدية، فصل الموقع التنظيمي عن أي قداسة رمزية، وإخضاع الجميع لمبدأ المساءلة. وأي خطوة، بما في ذلك إعادة تشكيل المجلس القيادي أو استقالته، ينبغي أن تُفهم بوصفها لحظة تأسيس لا لحظة هروب.إن التحدي الأكبر لا يقتصر على إنقاذ تنظيم بعينه، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة تعريف السياسة نفسها. السياسة ليست بيانات موسمية ولا اصطفافات عابرة، بل فعل اجتماعي منظم يرتبط بمصالح الناس اليومية ويحوّل البرنامج إلى أداة نضال حقيقية. الحزب الذي ساهم في صناعة التاريخ، لا يليق به أن يقف متفرجًا على إعادة تشكيل الوطن. وإذا لم يستطع أن يجدّد نفسه ويستعيد صلته بالشارع، فقد يتحول من رصيد وطني إلى ذكرى في كتب التاريخ.والتاريخ لا يجامل أحدًا.The post حزب الأمة… أزمة لم تبدأ اليوم، وأفق لا يُفتح إلا بإعادة بناء القيادة appeared first on صحيفة مداميك.