هوفيك حبشيانلم يكن حضور غيريما عابراً ولا بروتوكولياً، إذ جاء تتويجاً لمسار سينمائي، حمله معه إلى برلين في الـ80 من عمره، وذلك بفيلم وثائقي يمتد لتسع ساعات بعنوان “الأسود السود – الذئاب الرومانية”، عمل ملحمي يتحدى إيقاع المشاهدة المهرجانية. ولم يقتصر حضوره على عرض الفيلم، إذ خاض حواراً مفتوحاً مع المخرج الأميركي تشارلز برنت الذي يكبره بعامين، في جلسة بدت أقرب إلى مساءلة مشتركة لذاكرة السينما السوداء، إلا أن اللحظة الأهم كانت تكريماً خاصاً ناله، عبر إسناده جائزة “كاميرا البرليناله” الفخرية، في لفتة تعترف بمكانته كأحد أبرز الأصوات السينمائية المنحازة إلى قضايا التحرر والعدالة.مديرة المهرجان تريشا توتل رأت في غيريما مخرجاً “يعيد صياغة الطريقة التي نفهم بها العالم”، مستحضرة مفردات مثل القمع والمقاومة والتحرر من الاستعمار، في توصيف تجربة لا تنفصل عن سياقاتها السياسية والثقافية. وليس هذا الاحتفاء وليد اللحظة، فغيريما كان قد دخل المسابقة الرسمية لبرلين قبل 33 عاماً بفيلمه “سانكوفا”، الذي فرض مخرجه كصوت أفريقي مستقل يقاوم السرديات السائدة.غيرما أحد معلمي السينما الأفريقية (خدمة المهرجان)أما قسم “المنتدى – فوروم” في المهرجان، الذي كان من أوائل من التفتوا إلى موهبته، فقد أعاد وصل ما انقطع، بإدراج أحدث أعماله ضمن برنامجه لهذا العام، وهو وثائقي اشتغل عليه غيريما لما يقارب ثلاثة عقود، عرض على مراحل نظراً إلى ضخامته واستحالة تقديمه دفعة واحدة. يعود الفيلم إلى عام 1896، حين حققت إثيوبيا انتصارها التاريخي على إيطاليا في معركة عدوة، قاطعة الطريق أمام أولى المحاولات الاستعمارية لإخضاعها في شرق أفريقيا، كان ذلك الانتصار لحظة فارقة في الوعي الأفريقي، إذ أثبتت دولة أفريقية قدرتها على صد مشروع إمبراطوري أوروبي في ذروة تمدده. غير أن شبح الاستعمار لم يلبث أن عاد مع صعود بينيتو موسوليني إلى الحكم عام 1922، وفي عام 1935 شنت إيطاليا غزواً جديداً على إثيوبيا، خاضت خلاله حرباً ضروساً اتسمت بوحشية بالغة، لم تتورع فيها عن استخدام الغازات السامة، في انتهاك صارخ لكل الأعراف الإنسانية.البيئة الإيديولوجيةمن خلال مقاربة ملحمية تتجاوز السرد التاريخي المباشر، يستقصي غيريما إرث الاستعمار الإيطالي وأساطيره الدعائية، كاشفاً البنية الأيديولوجية التي سوغت الاحتلال، مخلداً في الآن ذاته مقاومة الشعب الإثيوبي باعتبارها فعلاً وجودياً لا مجرد رد فعل عسكري. الفيلم زاخر بالمواد الأرشيفية النادرة، وبحوارات مع شهود على التحولات الكبرى، فضلاً عن مقتطفات من أعمال والد غيريما المسرحية، في تداخل لافت بين الذاكرة العائلية والذاكرة الوطنية. هذا عمل ينسج رؤية بانورامية تتعانق فيها الهوية الإثيوبية مع نقد جذري للسرديات الاستعمارية، يدين التواطؤ الأوروبي ويرد الاعتبار إلى أشكال التضامن الأفريقي.البعد التوثيقي في فيلم غيرما (ملف الفيلم)لهايلي غيريما تاريخ طويل من النضال، تقاطع فيه الوعي السياسي مع شغفه بالتعبير عبر الصورة. في ستينيات القرن الماضي، وكان يومها في مطلع العشرينيات، هاجر إلى الولايات المتحدة، حيث درس السينما (جامعة كاليفورنيا)، قبل أن يصبح أحد الوجوه البارزة في حركة “تمرد لوس أنجليس”، وهي مجموعة من صناع الأفلام الأميركيين من أصول أفريقية أسسوا تياراً سينمائياً بديلاً ومستقلاً، مناهضاً للصور النمطية التي كرستها هوليوود.وعلى رغم انتظامه العميق في الثقافة الغربية وإقامته الطويلة في أميركا، ظل ارتباطه بجذوره الإثيوبية فاعلاً، كموقف جمالي وأخلاقي. اليوم يعود بهذا الفيلم إلى لحظة تاريخية أسهمت في تشكيل وعيه، بعد غياب عن الشاشة دام 18 عاماً، إذ يعود آخر أفلامه “تيزا” إلى عام 2008، وهو العمل الذي حصد جوائز مرموقة في مهرجانات مثل البندقية السينمائي و”أيام قرطاج”، مؤكداً مكانته في طليعة السينما الأفريقية المعاصرة.في مدينة غوندار، حيث ولد، كانت آثار الاحتلال الإيطالي وجراح الحرب لا تزال ماثلة في الحجر والذاكرة. نشأ في أسرة متوسطة الحال، كان والده موظفاً إدارياً ووالدته معلمة، غير أن نصف أفراد العائلة الكبيرة كانوا يعملون في الزراعة. ذلك التماس اليومي بين الثقافة الريفية والتعليم الحديث صاغ مبكراً حساسيته تجاه التفاوت الاجتماعي والانتماء الطبقي.غيرما في جلسته الحوارية في مهرجان برلين (خدمة المهرجان)والده، الوحيد المتعلم بين إخوته، كتب مسرحيات وعرفه منذ نعومة أظفاره إلى فن الخشبة، فكان المسرح بوابته الأولى إلى الفن، هكذا تشكلت طفولته بين بقايا الحرب وظلال المسارح وصالات السينما.الخيال الطفولياكتشف الشاشة للمرة الأولى في صالة صغيرة خارج وسط المدينة، يومها كان يعرض فيلماً دعائياً عن زيارة الإمبراطور هايلي سيلاسي إلى البيت الأبيض. في حديث سابق لي معه، روى أنه لم يستوعب آنذاك مضمون الفيلم، لكنه افتتن بسحر تلك الشاشة الكبيرة التي تفتح فجأة على عوالم أبعد من حدود المدينة. لاحقاً، دخل صالة بنيت إبان الاحتلال الإيطالي، وهناك شاهد أول فيلم كوميدي لتشارلي شابلن. كان ذلك اللقاء، على بساطته، لحظة انخطاف بصري خفي، رسخ في داخله شغفاً عميقاً بالسينما، شغفاً سيتحول مع الزمن إلى مشروع حياة.منذ تلك اللحظة أخذت شهيته إلى المشاهدة تتسع، من أفلام هوليوود إلى بوليوود، مروراً بشرائط رعاة البقر وأفلام المصارعين التي غذت خياله الطفولي بصور البطولة والقوة، بلغ به التعلق حد ارتكاب محاولات سرقة صبيانية لشراء تذاكر السينما، قبل أن يعمل لاحقاً في الصالة، كي يصبح جزءاً من العالم الذي سحره.تدريجاً، ما عادت السينما في حياته مجرد متعة، وإنما تحولت إلى أسلوب حياة: في الملبس، في الإيماءة، في نبرة الصوت. غير أن هذا الانغماس لم يكن بلا كلفة، فقد اعترف غيريما بأن شغفه المبكر بالصورة كان، في وجه منه، لحظة فقدان للبراءة، إذ بدأ يعلي جماليات العالم الغربي على حكايات جدته وتراثه الإثيوبي. شوهت أفلام هوليوود، في وعيه الفتي، مقاييس الجمال والرغبة، وخلقت داخله هذا التصدع بين ما يراه على الشاشة وما يعيشه في بيئته، ذلك التصادم بين المخيال المحلي وسرديات الغرب تركه في حال ارتباك نفسي وفني، ستصبح لاحقاً مادة لتأملاته وأفلامه.في مطلع الستينيات شاهد أول فيلم إثيوبي، وكانت تلك لحظة انعطاف حاسمة: بدأ يرى السينما من زاوية أخرى، كانعكاس ممكن لذاته وثقافته. راوده سؤال جوهري: ماذا لو استطاعت السينما الأفريقية أن تروي قصصها؟ ماذا لو استعاد، عبر الصورة، حكايات جدته التي أهملها ذات افتتان بعيد؟اليوم يعد هايلي غيريما أحد أبرز معلمي السينما الأفريقية، إلى جانب أسماء مثل السنغالي عثمان صمبين والمالي سليمان سيسيه. تشهد أفلامه على سعي دؤوب إلى بلورة لغة تستمد إيقاعها من الأرض والذاكرة، بعيداً من القوالب المستوردة، وعلى رغم مسيرته في الغرب، يظل الحنين إلى طفولته في إثيوبيا محفوراً في وجدانه كتذكير دائم بأن الجمال، في جوهره، يسكن البساطة.The post فيلم إثيوبي يأسر جمهور مهرجان برلين 9 ساعات appeared first on صحيفة مداميك.