التدخل الأجنبي في الحرب المتصاعدة في السودان

Wait 5 sec.

حسام محجوب الحرب في السودان أبعد ما تكون عن صراع ثنائي؛ إنها صراعٌ تلاقت فيه شبكةٌ من المصالح والتوترات المحلية والإقليمية والعالمية لتُشكّل كارثةً واحدةً مُدمّرة. وما وصفه المراقبون في البداية بأنه “حربٌ بين جنرالين” أو صراعٌ داخلي بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع شبه العسكرية، تبيّن أنه ليس سوى الطبقة السطحية لواقعٍ أكثر تعقيداً وتغيّراً.صراع متعدد الأبعادصوّرت التفسيرات الأولية لأصول الحرب إما كمحاولة يائسة من الحرس الإسلامي القديم في عهد البشير لاستعادة السلطة، أو كعملية انقلاب استباقية من قبل قوات الدعم السريع للسيطرة على الدولة. إلا أن الصراع سرعان ما كشف عن بُعدٍ إمبراطوري. يُنظر بشكل متزايد إلى الدعم الإماراتي الكبير لقوات الدعم السريع على أنه مشروع استراتيجي إماراتي يهدف إلى ضمان الهيمنة على موارد السودان وتشكيل مستقبله السياسي. في المقابل، يشير مؤيدو قوات الدعم السريع/الإمارات إلى مصر باعتبارها المحرك الرئيسي للقوات المسلحة السودانية، بحجة أن القاهرة مصممة على تنصيب حاكم موالٍ للجيش لمنع انتقال ديمقراطي قد يزعزع استقرار الأنظمة الاستبدادية الإقليمية.على الرغم من هذه الروايات المتضاربة، إلا أن خيطاً واحداً مضاداً للثورة يربطها جميعاً. ففي جوهرها، تُعدّ هذه الحرب آليةً لتفكيك التطلعات الديمقراطية للشعب السوداني، وهي تطلعاتٌ اشتعلت خلال ثورة ديسمبر 2018 وأدت إلى الإطاحة بدكتاتورية عمر البشير التي دامت ثلاثة عقود في أبريل 2019.التباين السعودي الإماراتي: من التحالف إلى التنافسرغم أن قلةً وصفت هذا الصراع في البداية بأنه حرب بالوكالة بين السعودية والإمارات، إلا أن الخلاف بين هاتين القوتين الخليجيتين برز كأحد أبرز سمات الصراع الجيوسياسية. ولزمن طويل، ظلت موارد الإمارات وتصميمها على دعم قوات الدعم السريع لا يُضاهى، حتى مع ارتكاب هذه القوات فظائع منهجية وموثقة جيداً في جميع المناطق التي احتلتها. وخلال هذه المرحلة، بدا واضحاً أن السودان لم يكن يحظى بنفس الأولوية على أجندة الرياض كما كان عليه الحال على أجندة أبوظبي.تغير هذا الوضع بعد أن تبين أن مجموعة الحوار الرباعي، التي تضم الولايات المتحدة والسعودية والإمارات ومصر، تعاني من انقسامات حادة حالت دون استمرارها في العمل بعد فترة وجيزة من تشكيلها في سبتمبر 2025. وبدأت السعودية تنظر إلى صعود قوات الدعم السريع من منظور الأمن القومي. ويُنظر الآن في الرياض إلى احتمال سيطرة ميليشيا موالية للإمارات على دولة لا تبعد سوى 290 كيلومترًا (180 ميلًا) عبر البحر الأحمر عن جدة، على أنه تهديد مباشر لاستقرارها الداخلي وللنظام الإقليمي الذي تطمح إليه في حوض البحر الأحمر.الانقسام الجيوسياسي: رؤيتان استراتيجيتانيعكس هذا التباين توترات أوسع نطاقًا بين السعودية والإمارات، برزت في السنوات الأخيرة على جبهات متعددة، بدءًا من اليمن وصولًا إلى سياسة النفط ضمن تحالف أوبك+. ويُلاحظ أن القوتين الخليجيتين تسعيان بشكل متزايد إلى تبني رؤى استراتيجية متباينة. فقد أولت السعودية، بقيادة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، أولوية قصوى للاستقرار الإقليمي لخلق بيئة مواتية للتحول الاقتصادي المنشود في رؤية 2030. في المقابل، انتهجت الإمارات سياسة خارجية أكثر فاعلية وقائمة على الشبكات. غالبًا ما يتضمن هذا النهج العمل من خلال جهات فاعلة مسلحة غير حكومية، بما في ذلك ميليشيات مثل قوات الدعم السريع، لضمان نفوذ استراتيجي على الموانئ والأراضي ومناجم الذهب في مختلف أنحاء أفريقيا.علاوة على ذلك، تنظر الرياض بشكل متزايد إلى حرب إسرائيل الإبادية في غزة وعدوانها الإقليمي الأوسع نطاقاً باعتبارها تهديداً للاستقرار الإقليمي برمته. وقد دفع هذا التحول المملكة العربية السعودية إلى إعادة النظر في علاقاتها الإقليمية، وإلى النظر بعين الريبة المتزايدة إلى تعميق الإمارات العربية المتحدة لعلاقاتها مع إسرائيل. ومن وجهة نظر الرياض، تمثل هذه الشراكة الآن محوراً محتملاً لزعزعة الاستقرار، مما يؤثر على أمن البحر الأحمر ويعقد عملية خفض التصعيد الحساسة مع إيران.جوانب جديدة: الطائرات بدون طيار ومعسكرات التدريبقدم تقريران استقصائيان حديثان من صحيفة نيويورك تايمز ووكالة رويترز أدلة ملموسة تكشف هذه التدخلات الدولية للعلن:الدور العملياتي المباشر لمصر: يشير تقرير صحيفة نيويورك تايمز إلى أن مصر تُشغّل طائرات قتالية مُسيّرة تركية الصنع من قاعدة جوية سرية في صحرائها الغربية قرب الحدود السودانية، ما يُشير إلى تحوّل واضح من الدعم السياسي واللوجستي إلى التدخل العسكري المباشر في الحرب السودانية. ويُوحي هذا التصعيد بأن القاهرة تنظر إلى تقدّم قوات الدعم السريع على الأراضي كخط أحمر استراتيجي، لا سيما فيما يتعلق بأمن مياه النيل واستقرار الحدود. ويبدو أن هذا الخط الأحمر قد تم تجاوزه عندما سيطرت قوات الدعم السريع على المثلث الحدودي الاستراتيجي الذي يربط مصر وليبيا والسودان، ثم احتلت الفاشر لاحقًا، مُعززةً بذلك هيمنتها على جزء كبير من إقليم دارفور.إثيوبيا كجبهة جديدة: يكشفتقرير رويترز أن إثيوبيا أنشأت معسكر تدريب سريًا قرب الحدود السودانية لإعداد آلاف المقاتلين من قوات الدعم السريع. ويشير التقرير إلى أن الإمارات العربية المتحدة مولت هذا المعسكر وقدمت المدربين والدعم اللوجستي. ويمثل هذا التحول من الدعم السياسي واللوجستي إلى التدخل العسكري المباشر تصعيدًا مقلقًا، إذ يُنذر بتوسيع نطاق الصراع وزعزعة استقرار منطقة هشة أصلًا. ومن خلال تأجيج التوترات مع تيغراي وإريتريا، وزيادة خطر المواجهة بين إثيوبيا والسودان ومصر، يُهدد هذا التحول بتحويل الحرب في السودان إلى شرارة لأزمات إقليمية أوسع.العاقبة الوخيمة: حرب دوليةنتيجةً لذلك، تشهد السودان حربًا متجذرة ومتشعبة دوليًا. ومع تعميق الجهات الخارجية لتدخلها، تتضاءل فرص التوصل إلى حل سياسي سوداني خالص، مما يجعل مصير البلاد رهينةً لمقايضات وتنازلات جيوسياسية لا تمت بصلة تُذكر للسودان نفسه. غالبًا ما يعتمد هذا “التفويض” للأزمة على صفقات مع النخب السودانية التي لا تُمثل تطلعات الشعب. يُهمّش هذا المسار المواطنين السودانيين، أصحاب الدولة الحقيقيين والضحايا الرئيسيين للعنف، ويُهدد بتحويل شعارات ثورة 2018 “الحرية والسلام والعدالة” إلى مجرد ذكرى باهتة.——————-حسام محجوب مهندس من أصل سوداني يقيم في أوستن، تكساس، الولايات المتحدة الأمريكية. وهو أحد مؤسسي قناة سودان بكرة ، وهي قناة تلفزيونية سودانية مستقلة غير ربحية.نُشرت هذه المقالة لأول مرة على مدونة التجديد اليساري .The post التدخل الأجنبي في الحرب المتصاعدة في السودان appeared first on صحيفة مداميك.