الأطفال يصعدون إلى السماء

Wait 5 sec.

عاطف عبداللهفي ليلةٍ ممطرة، سقط ملاكٌ على هيئة أنثى في أحد أزقة مدن الخوف القديمة. ولحسن حظها، لم يلحظ أحدٌ سقوطها. قلّةٌ فقط رأوا شيئاً يتهاوى متلألئاً من السماء، فظنّوه نيزكاً عابراً، أو نجماً هوى وتدلى، أو ربما طائرةً من طائرات العدو التي اعتادت أن تستبيح سماواتنا دون استئذان.كان المطر في ذروته، والظلام دامساً بسبب انقطاع التيار الكهربائي، فآوى الناس إلى بيوتهم، وانزوت المدينة في عتمتها المعتادة خلال سنوات حُكّام الظلام.كانت المرأة الملاك تشعّ نوراً خافتاً. خلعت جناحيها، وخبّأت ضياءها السماوي، غير أنّ بريقاً خفياً ظلّ عالقاً بها.وهي تسير، كانت الأمطار تتوقّف خلفها، والطرق الطينية المظلمة تضاء على وقع خطواتها… كانت تمشي والنسيم يتبع خطاها؛ طيورٌ ملوّنة هجرت أعشاشها لترافقها في صمتٍ مهيب، المياه الراكدة تنزلق بسلاسة إلى المجاري لتفسح لها الطريق، والأشجار المطلة من خلف الأسوار أثمرت وأينعت كأنها تُخرِج من تحت قشورها اليابسةِ ربيعاً مخبّأً منذ فصول، في كل خطوةٍ تخطوها، كانت الأرض تخضر من خلفها.خرج الناس من بيوتهم تملؤهم الدهشة لتوقّف المطر الفجائي وانكسار الظلام، وللشوارع التي ارتدت حلّةً جديدة، نظيفة، حيّة، لا تشبه ما اعتادوه.كانت المرأة الملاك تسير تزفُّها جوقة من أطفال المدينة؛ ليست جميلة فحسب، بل كأن الجمال خُلق على هيئتها. في عينيها اتّساعُ سماء، وفي ابتسامتها حضنُ وطن.على جانب الطريق، تحت شجرةٍ هرِمة، رأت متسوّلاً كسيحاً، متّسخ الثياب، منكمشاً على الأرض كأنّه قطعةٌ منها.توقّفت عنده. لم تقل شيئاً. رقت لحاله، انحنت ولمسته برفق، انزلقت من عينيها دمعةٌ سقطت على وجهه فتوهج وانفرجت ملامحه ببطء. رفع نظره إليها بدهشةٍ جائعة، مالت نحوه، ضمته إلى صدرها وقبّلته على جبينه، أمسكت بيده تساعده على النهوض… عندها ارتجف جسده، ثم سرت فيه رجفةٌ أخرى؛ نهض، تحرّكت ساقاه ببطء، كأنهما تتذكّران المشي بعد نسيانٍ طويل.تردّد خطوةً، ثم خطا أخرى… قبل أن ينطلق ضاحكاً، يركض في الشارع غير مصدّق أنّ الأرض تحمله.أمّا الناس فوقفوا يحدّقون، بفرحٍ يشوبه خوفٌ قديم من المعجزات. لكن حين غمرتهم بابتسامتها، أحسّوا بتغيّرٍ داخليّ؛ صاروا أجمل، وصاروا أنبل، وأخفّ وطأةً على بعضهم البعض.فجأةً، انقضّ على المشهد رهطٌ ممّن يُسمَّون بشرطة النظام العام. لم يبدُ بشراً عاديين؛ في عيونهم برودةٌ لا تعرف الدهشة. عيونٌ جامدة، بلا رمش، بلا سؤال. بينهم وبين الجمال عداء محكم، كائناتٌ دخيلة، لا تشبه أهل المدينة، أولئك الذين ظلّوا يتساءلون همساً وجهراً:من أين أتى هؤلاء؟ ومن أيِّ عتمةٍ خرجوا؟أمسكوا بالمرأة الملاك فارتعدت رعباً… وأخذ الأطفال ينتحبون وهم يتشبثون بطرف ثوبها. في اللحظة ذاتها، انطفأت الأنوار، وعاد المطر، وضرب البرق الأبصار بعنف، فأغمض الجميع أعينهم. وحين فتحوها، التفتوا يبحثون عن تلك المرأة الغريبة، فلم يجدوها… لا هي ولا الأطفال.اختفوا فجأةً، كأنهم صعدوا إلى السماء. لم يتبقَّ منهم سوى أثرٍ خافتٍ من الضوء، ودفءٍ غامض في الهواء.عاد المطر، وعادت العتمة، وعادت المدينة إلى ضجيجها وتعبها.أغلق الناس نوافذهم، ومسحوا الدهشة عن وجوههم كما يُمسَح حلمٌ ثقيل عند الفجر، وأقنعوا أنفسهم أنّ ما حدث لم يكن سوى وهمٍ جماعيّ.في اليوم التالي، عاد المتسوّل إلى مكانه تحت الشجرة كسيحاً كما كان، وعاد الأطفال إلى صمتهم؛ فقد تعلّموا أن الركض خلف الضوء ترفٌ لا تحتمله المدن الخائفة.“انتهت”The post الأطفال يصعدون إلى السماء appeared first on صحيفة مداميك.